من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
نقاط على الحروف
من الموت إلى الحياة

       إذا قال لك إنّه لا يخاف الموت فلا تصدّقه! كلامه تصوُّر! كلّ إنسان سويّ، غيرِ مغسول الدماغ*، يهتزّ بإزاء الموت! ربما إذا نأى عنه شبح الموت قليلاً، ظنّ، واهماً، أنّه بات أقوى. تناسى ما أضناه بالأمس. والمرء يميل، ليحيا، إلى تناسي ما يقلقه. لو سألتَه لطلع بنظريّة تبنّاها كأنّها فكره وحاله. هذا يريح نفسه. غالباً ما يحتاج الناس إلى أسطورة شخصيّة يصطنعونها ليعيشوا عليها وإلاّ ييأسون. ولكن، شتّان بين ما يقولونه وما هم عليه!

       أتريد أن تعرف حقيقة ما في نفس الإنسان بشأن الموت؟ امتحن سلوكه تعرفْ! تستنتج من واقع حاله.

       أَشَرِهٌ هو في المأكول؟ أتّتسم تصرّفاته بالعنف؟ أمحبٌّ للمال؟ أبخيلٌ هو؟ أمولعٌ بالخمرة؟ أمحبٌّ للسرعة؟ أمُغرِقٌ في متع الحياة؟ أيكذب؟ هذه والكثير غيرها مؤشّرات على كونه يخاف الموت. فالشراهة ردّ فعل على الخوف على الصحّة أو من الجوع. والعنف ردّ فعل على الشعور بأنّ المرء مهدّد. ومحبّة المال ردّ فعل على الخوف من صروف الدهر. والبخل ردّ فعل على الشعور بعدم الأمان. ومعاقرة الخمرة ردّ فعل ومحاولة للهروب من الخوف والقلق والألم والفراغ. والسرعة ردّ فعل ومحاولة للهروب من الخوف العميق الراسخ في النفس على المصير، ولكنْ إلى الأمام. والشغف بمتع الحياة ردّ فعل على الحزن الراسخ في الأعماق من الإحساس بالموت. والكذب ردّ فعل على الخوف من مواجهة الحقيقة وتغاضٍ عن واقع النفس هرباً من عقدة الذنب. ما دامت مواقف الإنسان ردود فعل على واقع أو على وهم في النفس فمقيماً في الخوف من الموت يكون، على نحو صريح أو على نحو مموَّه. لا تكون أحشاؤه في سلام. في نفسه قلق. سلوك الإنسان، بعامة، ردّ فعل على حال، في عمق النفس، ليست من طبيعة تكوينه. ومع ذلك يولد فيها وتتولّد لديه ردود الفعل من جرّائها. هذه لو قستها بنتائجها لألفيتها، في ذاتها، غبيّة! وراءها، أوّلاً، يكمن وهم. ثانياً، ولو أشارت إلى وجود علّة ما في النفس فإنّها لا تخلِّص منها. بالعكس تساعد على تفاقمها وإبرازها وتملّكها. ما يحاول الإنسان أن يهرب منه، بالشراهة مثلاً، يقع فيه. تتأذّى صحّته ويزداد جوعاً! لذا كلّما زادت ردود الفعل لدى الإنسان كلّما اشتدّت المخاوف التي هي ردود فعل عليها. تتفاقم العلل، على أثرها، ويعمق الشعور بالفراغ. البخل مَثَلٌ آخر صريح. يزداد المرء بخلاً فيترسّخ قلقه العميق ويشتدّ شعوره بعدم الأمان. ما يحاول المرء أن يتفاداه تلقاه يشدّ نفسه إليه غير واع. ليس شيء يُشْبِعه. الإنسان جائع. ما يظنّه يشبعه يؤول به إلى جوع أكبر. الإنسان جائع إلى الحياة وروحُ الحياة مفتقَد فيه. الموت يجعله، مهما فعل، في حلقة مفرغة. كل شيء مشبَعٌ بالموت ويأتي إلى موت. لذا لو أكل مصر وشرب نيلها لا يشبع! في عالم متهالك على رموز الحياة المائتة، كالأكل والشرب واللباس والقنية وما عداها، مما أضحى، في الواقع المعيش، معينات على الموت، ترتسم علامات الموت على كل ما يشتهيه الإنسان وما يأتيه وما يحقّقه. كل معالم الحضارة هي كذلك! حضارتنا حضارة موت!

       كيف الخروج من هذه الدوّامة؟ سؤال يملأ كيان كل إنسان، تكلّم أو لم يتكلّم، ويتحكّم بمسير حياته، واعياً أو غير واع، ولا جواب لديه عليه لأنّه لا حياة له في ذاته. إنسان الموت هذا نسمّيه بلغة الكتاب "الإنسان العتيق". مَن وكيف يمكن أن يَخرج من الخوف والموت اللذين يملكان عليه؟

       الجواب من خارج الإنسان لا من الإنسان. الخلاص بالإنسان باطل. هناك جواب وحيد: الله! لذا قيل عن السيّد الربّ في إشعياء النبيّ إنّه "يزيل الموت على الدوام ويمسح... الدموع عن جميع الوجوه" (25: 8). هكذا خاطب البشريّة: "ستحيا موتاك وتقوم جثثهم. استيقظوا وهلّلوا يا سكان التراب" (إش 26: 19). هذا مَن يخرجنا من الخوف والموت، أما كيف يخرجنا فبالحبّ الذي يكنّه الله للعالم. وكان يسوع، الإلهُ المتجسّد، الذي "حلّ بيننا" (يو 1: 14) ختمَ هذا الحبّ. لذا قيل، في إنجيل يوحنّا، إنّه "هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (3: 16).

       ابن الله في الجسد، يسوع، هو الذي جاء ليخرجنا من دوّامة الموت. جاء ليعيننا على خلع الإنسان العتيق فينا ولبس إنسان جديد. من هنا دعوة الرسول بولس لنا "أن تخلعوا من جهة التصرّف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور... وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله..." (أف 4: 23 – 24).

       على هذا، بعدما جاء الربّ يسوع، بتنا بحاجة، للخلاص من الموت ومن الخطيئة، التي هي حركة الموت فينا، والتي هي شوكة الموت (1 كو 15: 56)، إلى أمرَين لا ثالث لهما: نعمة الله وحفظ الوصيّة. أما النعمة فباتت موفورة لنا. "بالنعمة أنتم مخلَّصون" (أف 2: 5). لم يعد الإنسان أسير الضعف إذ  بات بإمكانه أن يقول مع الرسول بولس: "حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قويّ" (2 كو 12: 10). طبعاً يبقى الإنسان ضعيفاً من جهة نفسه لكنّه يصير قويّاً بنعمة الله. على هذا بات بإمكان كلّ واحد منّا أن يقول: "أستطيع كلّ شيء في المسيح الذي يقوّيني" (في 4: 13). يبقى أنّ نعمة الله لا تفعل فينا من دوننا. لا تعمل عنا بل معنا. لذا كان علينا أن نحفظ الوصيّة. الوصيّة حياة جديدة. "الكلام الذي أكلّمكم به هو روح وحياة" (يو 6: 63). باتّباع الوصيّة يقتني الإنسان حركة جديدة في نفسه، حركة إلى الحياة. الإنسان العتيق يتحرّك دائماً باتجاه الموت، كما سبق فقلنا، أما الإنسان الجديد فيتحرّك، بنعمة الله والوصيّة الإلهيّة، باتجاه الحياة والحياة الأبديّة التي يعطيه هو إيّاها.

       عملياً كيف يحدث ذلك؟

       يحدث ذلك بممارسة غصب النفس. إن لم نغصب أنفسنا على حفظ الوصيّة وتطبيقها لا نتحرّك من مكاننا، نبقى على عتاقتنا. اقتناء النفس، أو الانتقال إلى مرحلة الإنسان الجديد فينا لا يكون، وفق التعبير الكتابي، إلاّ بإهلاك النفس، أو الكفر بها. "مَن يحبّ نفسه يُهلكها ومَن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبديّة" (يو 12: 25). إهلاك النفس لا يعني طبعاً الانتحار بل إهلاك الأهواء الآثمة للنفس، الأهواء التي منها تنبعث حركة الموت. إهلاك النفس يعني تغيير مسار النفس مما تميل إليه، مما تشتهيه إلى ما يشاؤه الله، أي إلى ما تقول عنه الوصيّة. حركة نفسي تعبّر عن إرادتي الخاصة، والوصيّة تمثّل مشيئة الله. عليّ أن أقمع إرادتي وأقتبل مشيئة الله في كلّ أمر. أليس لهذا السبب أُصلّي في الصلاة الربّية: "لتكن مشيئتك"؟ أليس لهذا السبب يتكلّم الرسول بولس بهذه الطريقة: "أقمع جسدي وأستعبده حتى بعدما كرزتُ للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً" (1 كو 9: 27)؟ نفسي تميل، بصورة تلقائية، إلى أطايب الطعام والشراب. ماذا أفعل؟ أقمعها بالصوم، لا بالصوم الذي يؤدّي إلى الفتك بالجسد بل بشهوة النفس أوّلاً. الصوم، في الحقيقة، هنا، معناه أن أعمل على تنظيم عاداتي الغذائية بحيث يكون الطعام، قدر استطاعتي، بمعونة الله، سدّاً لحاجة لا إرضاء لشهوة. طبعاً تناوُلُ الطعام، حين أكون جائعاً، تعزيةٌ وفرح، هذا من الطبيعة، المهم ألاّ تصبح لذّة الطعام حاجة قائمة بذاتها أسعى إليها وأتناول الطعام، بالدرجة الأولى، سعياً وراء ابتغائها. ساعتذاك أطلب الطعام اللذيذ وأسعى وراء الطعام اللذيذ ولا أرضى إلاّ بالطعام اللذيذ. كلّ هذا يؤول بي إلى النهم وإلى الشراهة، لا محالة، وهذا ما يشتهيه الإنسان العتيق فيّ. لا أقول أبداً إنّ عليّ بالضرورة أن أشوّه مذاق الطعام وأجعله منفِّراً لأقاوم حركة النهم والشراهة فيّ. بعض الناس يفعلون ذلك، هذا شأن شخصي، ولكنْ ليست هذه قاعدة ملزمة لكلّ مؤمن. أتناول الطعام كيفما أتاني، وبكميّات مدروسة، حتى أقضي، شيئاً فشيئاً، على حركة حبّ البطن في نفسي. هذا يجعل الصوم، في الحقيقة، طريقة تعامل جديدة مع الطعام كلّ أيّام السنة ولا يجعله قصراً على مواسم مرتبطة ببعض الأعياد الكبيرة. وإذا ما كانت الكنيسة لتُحدّد أيّاماً ومواسم للقطاعة والإمساك عن الطعام فليس هذا إلاّ من باب مساعدة المؤمنين على تكوين عادات غذائية سليمة، على النحو الذي ذكرنا، كلّ أيّام السنة، وإلاّ لا تكون لأصوامنا قيمة ولا يكون لها معنى. " لا يقدّمنا الطعام إلى الله، لأنّنا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (1 كو 8: 8).

       إذاً أتعاطى كلّ حركات نفسي بطريقة جديدة لأخرج من حتمية انصبابي في بوتقة الموت. نعمة الله تساعدني والوصيّة توجّهني. أجد العنف، مثلاً، يتحرّك فيّ فأقمع ذاتي وألجم نفسي. أسكت وأذكر اسم إلهي وأضبط مشاعري ولا آتي تصرّفاً حادّاً. وإذا لزم الأمر أترك مكاني وأهرب. وإذا وجدتُني ضنيناً بما لديّ من مال ولا أميل إلى التصدّق على الفقراء أغصب نفسي على العطاء وأبدّد لا فقط من منطلق أنّ الفقراء يستأهلون أو لا يستأهلون، أو أنّهم يستأهلون القليل أو الكثير، بل أيضاً من منطلق سعيي إلى التحرّر من البخل الذي يقيّدني ويخنقني ويوهمني أنّ غرضي هو خير الناس حتى لا ينفسدوا بعطائي وأنّي إن وجدت مَن هو محتاج حقّاً فسأعطيه وبوفرة. حبّ المال والبخل خير مُلْهِمَين للإمساك عن العطاء وابتداع الذرائع. وما يقال في الشراهة والغضب وحبّ المال يقال في كل شهوة من شهوات النفس. عليّ أن أواجه، بعنف في التصميم، إستبداد الإنسان العتيق بي. ظاهرياً، يبدو كأنّي أسير بالحرمان الطوعي، أو قل بالنسك، من موت إلى موت، هذا لأنّ الأهواء فيّ أمست طبيعة ثانية، فيما الحقيقة أنّي بالنسك، أسير من موت إلى حياة ولو بقيتْ حياتي الجديدة مستترة في المسيح. أليس لهذا قال الرسول بولس لأهل كولوسي: "قد متّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهَرون أنتم أيضاً معه في المجد" (3: 3)؟

       هذا النمط من الحياة الجديدة هو بالضبط ما نسمّيه "حياة روحيّة". قوام هذه الحياة هو الصليب، الصليب الذي عليّ أن أتعاطاه في تعاملي مع نفسي والآخرين على النحو الذي وصفناه أعلاه. "إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (مت 16: 24). هذا الصليب أقتبله، أختبره، كل يوم (لو 9: 23) كموت بلا شك. "أموت كلّ يوم" (1 كو 15: 31) كما يقول الرسول بولس. ولكن هذا الصليب بعينه، وإن كان عثرة وعُدَّ جهالة (1 كو 1: 23) للكثيرين، هو بالذات مصدر الحياة الجديدة والفرح. "بالصليب أتى الفرح إلى كلّ العالم". بهذا الصليب أَختبر القيامة، أصير شريكاً للربّ يسوع في قيامته. ولهذا الصليب بالذات عُمِّدت. "أم تجهلون أنّنا كلّ مَن اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدّة الحياة" (رو 6: 3 – 4).

       على هذا النحو يسير العالم من حياة في الظاهر إلى موت ويسير الذين آمنوا بيسوع من موت في الظاهر إلى حياة. حياة أولئك مشبعة بالموت وموت هؤلاء مشبع بالحياة الأبديّة.

       هذا مخطّط الله وهذه حكمته أنّ مَن يموت عن نفسه كلّ يوم يقوى على الموت وينتقل من الموت إلى الحياة! تبارك اسمه إلى الدهر. آمين.

*  غسل الدماغ هو كناية عن عملية اقتحام وسيطرة على وجدان الإنسان من قِبَل جهة خارجية تمطره، بشكل منظّم ومتواتر ومركّز، شعارات ومواقف إنفعالية حادّة ترتبط بقضايا مختلفة لا سيما دينية وسياسية. الإعلام، اليوم، هو الأداة الأولى لغسل الدماغ.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

30 تشرين الثاني 2008
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share