إنّ التوبة هي بداية، منتصف ونهاية الحياة المسيحية. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ نعمة الرّوح القدوس تستقرّ في النّفس المستكينة وتعطيها ذوق الحلاوات المستقبلة الّتي لا يُنطق بها. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).إنّ عيشةً في اللّذات لا تجعل صاحبها عرضةً للخطيئة فحسب، بل وللجحود حتّى بالنّسبة إلى الإيمان. وعليه، فإنّ الإمساك والاعتدال لا يؤديّان إلى الفضيلة فحسب، بل وإلى صحة إيماننا بالله أيضًا. (القدّيس غريغوريوس بالاماس). إذا ألقيت كلّ رجائك على المسيح الّذي يعيل كلّ خليقته، فاحفظ نفسك من كلّ مكسبٍ رديء ولا تتعلّق بالمكسب الشريف، لكن أحسن استعماله واقتسمه مع الفقراء والمحتاجين. (القدّيس غريغوريوس بالاماس).لا نفتكرنّ يا إخوة أنّ الصّلاة المستمرّة حصرٌ بالكهنة والرّهبان، كلا... بل إنّ كلّ مسيحيّ، من دون استثناء، عليه أن يُقيم في هذه الصّلاة.
نقاط على الحروف
أحد جميع القدّيسين

      اليوم أحد جميع القدّيسين. القداسة ثمرة العنصرة. روح الرّبّ أولد من الخليقة العتيقة خليقة جديدة. بالخطيئة آلت الحياة المخلوقة إلى موت، وبالنّعمة يؤول الموت إلى حياة أبديّة غير مخلوقة!

      في هذا الأحد مكان لكلّ القدّيسين. مَن نعرفهم ومَن لا نعرفهم. مَن لا نعرفهم معروفون عند الله. كلّهم فاعلون، فيما بيننا، لأنّهم منّا، وبالقداسة أحبّونا، بمحبّة الله لنا، فوق ما نعرف أن نحبّ ونتصوّر. هم، بأجمعهم، وإيّانا نلتقي في مسيح الرّبّ. أفواج قدّيسين تلو أفواج يستدعوننا ويحثّوننا على القداسة!

      لماذا كان الخَلْق؟ بالضّبط، للقداسة! المحبّة فيّاضة بطبيعتها، لذا أنجبتنا. والقداسة مدى الله لذا اجتذبتنا إليه!

      ما القداسة؟ إذا ما عبّرنا بالحواس، فهي عَبَقُ الله وطعمُه وملمسُه وصوتُه ونورُ عينه. هي فكرُه وحسُّه. هي روحُه! هذا كلّه وهجُه! لا يقيم أحد في ناره، لأنّه نار، لكنّه يقيم في دفئه ونداه إن أدناه ربّه منه. هذا مداه وحضوره ممدودًا لنا. "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين وأنا أُريحكم"، أُروحنكم، أُعزّيكم، أُقيم لديكم. محبّتي تنبثّ فيكم. روحي أُعطيكم!

      ولكن، واحسرتاه، أين القداسة وأين نحن؟ آدم يقبع خارجًا ووجوده بحر دموع وآلام! لكنّ الدّموعَ تصرخ القداسة شوقًا وحاجَة رحم! دموع آدم كانت أكثر أمانة منه! هو أدار ظهره لربّه لأنّ ربّه كان تحصيل حاصل لديه، فيما دموعه أنّت سمّاعَ أنين القلب: "اللّهمّ بادر إلى معونتي يا ربّ أسرع إلى إغاثتي"! لأنّها خبرت فردوس آدم المزعوم جحيمًا!

      أنّى يكن الأمر فالمحبّة تسمع، ولا شيء أعزّ لديها من أن تسمع! ولا تسمع إلاّ لتستجيب! هاءنذا! واستجاب الرّبّ الإله! إذا ما كان لنا أن نوجز تاريخ البشريّة في كلمات قليلة، لقلنا إنّ الإنسان نور انبثق من ظلمة العدم بنور الله، ثمّ ضلّ بالخدعة والوهم وخرج، في العتمة، يبحث عن صنو النّور الّذي في صدره حتّى الضّنك فلمّا يجده. هذا فيما كان نور الله يتابعه في شروده عن كثب كظلّه، إلى أن حان زمان افتقاده واكتمل تعبُه، فتجلّى له وعبر به. الله عابر بك. معطيك فرصة التّوبة إليه. فألفاه أليف العتمة، فتخطّاه، وسار أمامه، أدنى إليه، رغم ذلك، من حبل الوريد. وهو باق أليفَه حتّى التّوبة ليستردّ النّور، ليسمو به النّورُ إلى قلب الله!

      أنا هو الطّريق... لا تأتي إليّ بأيّ طريق! بي تأتي إليّ! لذا الطّريق هي: "لتكن مشيئتك"! "لا لنا يا ربّ، لا لنا، بل لاسمك أعطِ المجد"! لا تأتي مشيئتُه كمِن غريب أو متعالٍ أو فرضًا! القريب هو صدى روحك، نَفَسُ أنفِك، ذاتَك الّتي أضعتها في خروجك من فردوس الحبيب! ولا هو يأتيك كمتعالٍ لأنّه لا يشاء قمعَك أو قهرَك أو فرضَ ذاته عليك! الله روح، إذًا ولا أخفّ ثقلاً! فراشة باقيةٌ مرفرفةً فوق بستان بادت أزاهيره وعمر بالشّوك! يأتيك ربّك عبدًا، خادِمًا، يغسِل قدميك، يمسح عرق جبينك، يبلسم جراحاتك، يبقى قعيدك حتّى لا يقوى عليك اليأس! باكيًا عليك يقيم، يرجوك ألاّ تجرح روحك بعد! أثمنُ أنت لديه وأحبّ من كلّ ما خلق لأنّك في منزلة بؤبؤ العين لديه! "مَن يمسّكم يمسّ حدقة عينه"، قال! ولا يفرض عليك أمرًا لأنّه وراء قلبك في خفر ولا أرقّ، وفي شفافية ما بعدها إلفة! "يا بنيّ أعطني قلبك"! وما قلبٌ يُقتحَم!

      يعطيك الرّبّ الإله مشيئته ويعطيك النّعمة أن تحقّقها أيضًا! تاجر لآلئ هو، يعرف أنّك ولا أفقر ولا أعجز؛ لذا يعطيك مالاً لتشتري! فقط عليك أن تشاء! "ليكن لي بحسب قولك". والباقي، كلّه، يُعطَى لك بالمجّان! "أتريد أن تُشفى"؟ "قمْ احمل سريرك وامض إلى بيتك"! بيتك أنا! فقير أنت؟ "أشير عليك أن تشتري منّي ذهبًا مصفّى بالنّار لكي تستغني" (رؤ 3: 18)! أسوَد كلّك لخزي خطيئتك؟ أُشير عليك أن تشتري منّي "ثيابًا بيضًا لكي تلبس فلا يظهر خزي عريتك"! فقط لا يبقينّ وجهك عنّي!

      ولكنْ كيف للإنسان أن يتحوّل من شهوة الخطيئة إلى شهوة القداسة؟ "تعال وانظر"! في القداسة الكلام ينفع، ولكنْ قليلاً! القداسة، من ذاتها، تتكلّم! تضخّ سلامًا عميقًا وفرحًا ساكنًا وصحوًا بهيًّا ولطفًا أنيسًا! القداسة وجهٌ! الحضور أبلغ الكلام! في الصّمت يكون! الملكوت ينساب عبر القدّيس انسيابًا! تعاينه واقعًا أو لا تعاينه، بالمرّة، ولا تعرف القداسة مهما كانت البراهين دامغة والحجج قويّة! ولكنْ أين تجد القدّيسين؟ دُلّني عليهم لأكون إليهم! أزمة القداسة أزمة قدّيسين! ولكنْ نعلم أنّهم هنا وثمّة في الخفية! نستدلّ على ذلك من كون العالم لا يزال قائمًا، وما كان ليثبت لو لم يكن فيه قدّيسون! في زمن طغيان الظّاهر على النّور المتواري يُفتقد مسيحُ الرّبّ وتسود مسيحيّات، كلٌّ على صورة أصحابها! مسيحيّة المسيح مسيحُ الرّبّ والقداسة قدّيس! ما لم تذقه كيف تشتهيه؟! ما لم تلمحه كيف تتفرّس فيه؟! في زمن الفقر إلى القدّيسين تبقى شهوة الخطيئة هي الطّاغية في غمرة شعارات القداسة! ما عليك، والحال هذه، إلاّ أن تحمل لواء الحقّ وتصرخ ربّك العون! ضمّني إليك! أتكئني على صدرك! ضعني، اللّهمّ، في درب أحد أصفيائك! وهو مرسِلٌ لك إنسانًا تَقَدّس أو ملاكًا قدّيسًا في هيئة إنسان! ما تطلبه إيّاه تُعطَى! الكتب والكلمات تشير، ولكنْ وحدها صرخةُ كيانك تُحضر لديك ما قرأت بشأنه قبسًا من لدن إلهك! وقدّيس القدّوس متى حلّ لديك، حضوره يُقنعك، وجوده يُخرجك من تردّدك! كلّ كيانك، إذ ذاك، ينقلب، يتغيَّر، ينفتح على ما لم يكن ليخطر ببالك أنّه موجود!

      القدسات للقدّيسين، ولكنْ من القدّيسين أيضًا، حتّى لا تبقى في مستوى الفكرة والصّورة، وحتّى تدلف إلى واقع مسيح التجسّد!

      في أحد القدّيسين تُعطى لك بَرَكة الحياة الأبديّة مذاقًا، فإن انلمس قلبك فسِرْ وراء ما أتاك! اطلبه بحرقة لأنّه لا يأتيك إلاّ كالبرق ولكنْ برفق ورقّة! شيء يلامسك بكلمة، بلمحة بصر، بحسّ خفيف لطيف، بحلاوة خاطفة! لازم ما أتاك، ولو بالفكر، بدءًا، واصرخ قلبَك فيأتيك مَن لامس قلبَك نغمةً سماويّة! هاءنذا! فيطيب لك، إذ ذاك، المقام لديه!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

19 حزيران 2011
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share