بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
الزّواج، كنسيًّا، وبصراحة!

       أنا كاهن راهب روميّ أرثوذكسيّ أنطاكيّ. كثيرًا ما يسألونني رأيي في الزّواج، وفي الزّواج المسيحيّ بخاصّة. ما أودّ إبداءه، أوّلاً، أنّه ليس لي رأي شخصيّ، كما للقوم آراء شخصيّة في شتّى الميادين والمسائل الّتي تُطرَح عليهم. أنا لي التزام بالمسيح يسوع، في الكنيسة الأرثوذكسيّة، ربًّا وإلهًا. ما أقوله أستمدده من تعليم كنيستي، حيث التّعليم، في شأن ما، واضح ومحدّد. وحيثما كان تعليم كنيستي غير محدّد تمامًا، فإنّي ألتزم موقفًا يمتّ إلى إيماني ووجداني الكنسيّ وتراث كنيستي الشّفهيّ أو المكتوب، وما أراه من روح هذا التّراث، في إطار المستجدّات الإنسانيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة المعيشة. هنا لا بدّ لي من أن أُشير إلى أنّ كنيستي قلّما تقنِّن المسائل العملانيّة، الرّوحيّة والأخلاقيّة، بل تترك المجال واسعًا لوجدان المؤمنين وضميرهم في المسيح ليستنبط الحلول والمواقف الّتي توافق ظروفهم وتعبِّر عن إيمانهم أصدق تعبير ممكن. في ما عدا ذلك يسترشدون بآبائهم الرّوحيّين.

       لا أقول جديدًا، اليوم، إذا قلت إنّنا في زمن تغلب عليه الفردانيّة إلى حدّ بعيد. الأربطة العائليّة تنحلّ تدريجًا، والجماعة الكنسيّة تتقلّص وتميل إلى الفكاك، بتواتر، ميلاً واضحًا. النّاس يكوِّنون دياناتهم أو معتقداتهم الذّاتيّة، على نحو تلفيقيّ، بشكل متزايد. ما تقول به الكنيسة وما تعلّمه، القلّةُ وحدها تشعر بأنّها مُلزَمةَ به، والكثرة صارت تعتبره اختياريًّا، أو غير جذّاب أو متخلّفًا. القيم الّتي تنشأ عليها الأجيال قلّما عادت مستمدَدة من معين التّراث الحيّ للكنيسة، بل من معين التّراث الدّهريّ المنبثّ، بقوّة، في المؤسّسات الأهليّة وعبر وسائل الإعلام وسوق تداول الأفكار والمواقف والعادات. الدّهريّة اجتاحت الممارسات حتّى الكنسيّة. بدل أن يخرج المؤمنون، بروح الله وإنجيل الخلاص، إلى أقصى الأرض كَرَزَةً، يقتحم الدّهريّون، بروح العالم وغواية العِلْم، عمق الأسرار الكنسيّة، وتنخر الدّهريّة لبّ الوجدان الكنسيّ في الناس. طبعًا هذا ليس شاملاً كلّ ممارسة كنسيّة، لكنّه يندفع، في قلب هيكل الله، عنيفًا جارفًا!

       ولكي لا أُطيل الكلام في تحديد الإطار العام للموضوع الّذي نحن بصدده، أكتفي بالقول إنّ رموز الدّهريّة باتت، إلى حدّ ليس بقليل، في الواقع، ملء أكثر ممارساتنا الرّعائيّة واللّيتورجيّة. كيف يفكّر المؤمنون؟ كيف يسلكون؟ ماذا يطلبون؟ ماذا يتوقّعون؟ ما هي اهتماماتهم؟ كيف يتعاطون العالم وبعضهم البعض والكنسيّات؟ هذه كلّها وغيرها أمست مشبعة بالرّوح الدّهريّة إلى حدّ أنّ علاقة النّاس، بعامة، بالتّراث الكنسيّ، أضحت علاقة في الظّاهر، في الشّكل، فيما يُغيَّب المضمون الإنجيليّ الرّوحيّ، في الممارسة الرّعائيّة والطّقوسيّة، تغييبًا كبيرًا. العرس، مثلاً، طالما نحن في صدد الكلام على الزّواج، قلّما عاد، فعليًّا، دخولاً في سرّ علاقة المسيح بالكنيسة، على حدّ قول الرّسول بولس، في رسالته إلى أهل أفسس، بل تجمّعٌ دهريّ يطغى على اجتماعه الطّابعُ الاحتفاليّ المشبَع بروح العالم، سواء من جهة ما يشغل النّفوس، أو من جهة الزّينة أو اللّباس أو الاجتماعيّات أو الرّوح المسرحيّة أو المؤثّرات العاطفيّة أو ما إلى ذلك.

       في هذا الزّمان الفردانيّ، إذًا، بات كلٌّ، كما أشرت، يسلك وفق قناعاته الذّاتيّة. وجُلُّ القناعات الذّاتيّة مُشبَع بروح الدّهريّة. الكنيسة، باعتبار طبيعتها وتكوينها، لا تفرض نفسها ولا يحقّ لها أن تفرض نفسها على أحد. كلٌّ، ضميريًّا، حرٌّ في اعتماد السّلوك الّذي يرتئيه في الشّأن المطروح: يتزوّج مدنيًّا أو يدخل في زواج مختلط، مع شريك من غير كنيسة أو حتّى غير مسيحيّ، في زواج دينيّ أو غير دينيّ، في زواج شرعيّ أو مساكنة... هذا بات شأن النّاس، بمَن فيهم المعتبَرون مؤمنين، أو الأصحّ طائفيّين؛ والقانون المدنيّ، وكذا الممارسة الطّوائفيّة، تيسِّر لهم الأمور الّتي يختارونها أو يرغبون فيها، بطريقة أو بأخرى، أو تزوِّدهم بالمخارج الشرعيّة. الكنيسة تُتعاطى، من جهة الجماعة والرّعاة، أكثر الأحيان، كأنّها "دكاكين"! النّاس، غالبًا ما يجدون ما يلبّي رغباتهم فيها، والرّعاة يظنّون أنّهم، بمماشاة النّاس في طلباتهم، "يحفظونهم!" الحاصل، عمليًّا، على الأرض، أنّ المضمون الكنسيّ يُحيَّد ويُعزَل، على نحو متزايد، والتّدبير الطّائفيّ، العشوائيّ، كنسيًّا، ضمن حدود الأعراف المستحدثة، بات هو المعيار. طبعًا، الكنيسة لا يُفترض بها أن تشجِّع أبناءها، أو المحسوبين أبناء لها، على ذلك، ولكنْ، يسلك الرّعاة في التّيّار الجارف لواقع الممارسة الزّيجيّة الرّاهنة كأمر واقع، لأنّهم لا يشاؤون أن يجدوا أنفسهم غرباء عن عقليّة شعبهم وما يعتبرونه حداثة، إن لم نقل أنّهم يسيرون فيه كأمر مقبول وعاديّ جدًّا. وقلّما يجد أكثر الرّعاة في ما يفعلونه، في هذا الشّأن، غضاضة! اعتياد الخطأ طبيعة جديدة! لذا نلقى عمل الرّعاة، أحيانًا كثيرة، مقتصِرًا على "تخريج" التّفلّت الحاصل، في المؤسّسة الكنسيّة، تخريجًا شكليًّا، أو، بصورة أفصح، شرعيًّا ورقيًّا، وقلّما يهتمّون، أو يقدرون، في خضم الفوضى والعبث الحاصل، على تطعيم الممارسات النّاشذة في شجرة التّراث الكنسيّ الأسراريّ الحقّ. لذا، صارت، هناك، بين التّراث الكنسيّ والممارسة الطّائفيّة، الدّهريّة الطّابع، هوّة سحيقة!

       الحريص، المتجذّر في التّراث، في هذا المناخ من الانفلاش والخواء والضّياع، له الحقّ في أن يتساءل: أما يجدر بالكنيسة، والحال هذه، أن تسحب سرّ الزّواج، ليتورجيًّا، من سوق تعاطي الزّواج الدّهريّ، والاكتفاء بزواج مدنيّ لأبناء الطّائفة، إلاّ القلّة، إلى أن يُستعاد المناخُ الكنسيّ القويم، إثر إعادة تبشيرٍ مرجوّة للشعب المحسوب على الكنيسة وليس إليها؟ أيحقّ لنا، أو أقلّه أيليق بنا أن نفرِّط بالقدسات أو نحوّل سرّ الزّواج إلى مجرد برَكَة "كلاميّة" خاوية، وأقول خاوية لأنّ البَرَكة لا تفعل من دون إيمان النّاس؟ في الماضي، واجهت الكنيسة ظروفًا مشابهة للّتي نمرّ بها اليوم، إثر "اندلاق" أعداد من غير المسيحيّين، لم يُعَدّوا، لا تعليميًّا ولا رعائيًّا، إعدادًا موافقًا، في أزمنة مختلفة، وحملوا إلى الكنيسة الكثير من وثنيّاتهم الّتي كانوا عليها. فماذا فعلت؟ سحبت الاشتراك في سرّ الشّكر من الزّواج، وفي وقت لاحق الاشتراك في القدسات السّابق تقديسها واكتفت بتقديم الكأس المشتركة للعروسَين. اليوم، تعود المشكلة إيّاها، بوثنيّاتها، ولو بشكل مختلف: خدمة الإكليل، أيجوز إدخال أيّ كان فيها، بغضّ النّظر عن حقيقيّة إيمانه، لمجرّد كونه من أبناء الطّائفة الأرثوذكسيّة؟ هذا دخول في الفوضى وتذويب للقدسات في أسيد الرّوح الدّهريّة! أليس التّمييز بين مَن يليق إجراء الخدمة، خدمة الإكليل، عليهم، ومَن لا يليق، باعتبار المضمون الإيمانيّ لديه، ضرورة؟ إذا كان هذا التّسآل بديهيّة لدى ذوي الحرص، فهو غير وارد، ورجعيّ لدى الكثير من الرّعاة، اليوم، إذ لا يشعرون بأنّهم على خطأ إن اعتبروا إيمان العروسَين شأنًا خاصًّا بهما، واكتفوا من اللّيتورجيا الحيّة بالطّقوس! في هذا الموقف، طبعًا، شيء من تعهير للقدسات، أو، في أحسن الحالات، تسييب لها، ومن ثمّ تُتعاطى القدسات خارج سياقها، على نحو دهريّ، ما يدفع الكنيسة، من حيث يعي القيِّمون أو لا يعون، إلى حيث لا يجوز لها أن تكون: في المدى الدّهريّ دون الأخيريّ الأسخاتولوجي!

       في إطار هذا الواقع، أقول إنّ زواج المؤمن زواجًا مدنيًّا غير سليم، كنسيًّا، ولا مقبول. فقط في البلدان الّتي تفرض الزّواج المدنيّ على مواطنيها، يُجري المؤمن زواجًا مدنيًّا، لكنّه لا يقف عند حدوده، بل يتخطّاه إلى الزّواج الكنسيّ الفعليّ. كما لا يُجري زواجًا، في هذا السّياق، بشريك غير مؤمن. والزّيجة المختلطة، أي بشريك يُعتبر مسيحيًّا لكنّه غير روميّ أرثوذكسيّ، هي، أيضًا، غير سليمة، كنسيًّا، وغير مقبولة. كذلك الزّيجة بمَن ليس مسيحيًّا ساقطة كنسيًّا. حتّى الزّيجة الطّائفيّة البحت، أي بين شريكَين روميَّين أرثوذكسيَّين بالاسم، غير لائقة وإيهاميّة، من جهة ما للكنيسة. أقول هذا، من جديد، تاركًا الحقّ لكلّ أحد في أن يسلك وفق قناعاته الخاصّة. لكنّه لا حقّ لي ولا حقّ لأحد في أن يميِّع ما للكنيسة ويحوِّره ويستعمله غطاء لما لا يمتّ إلى فكر الكنيسة وروحها بصلة. "إن عشنا فللربّ نعيش..." الزّواج، للمؤمن، هو زواج في المسيح وغايته الأخيرة المسيح، لا الإنسان، أو يكون ضربًا من الزّنى الرّوحيّ!

       ليس، عن عبث، ورد في القانون 72 من مجمع تروللو (692 م) أنّه "لا يجوز لرجل أرثوذكسيّ أن يتزوّج امرأة مبتدعة، ولا لامرأة أرثوذكسيّة أن تتزوّج رجلاً مبتدعًا..." (الشّرع الكنسيّ، كسّاب، طبعة 75، ص 593). الفكرة هي أنّه لا خلطة في الإيمان القويم ولا اجتزاء ولا شكليّة. الأرثوذكسيّة الرّوميّة تُتَبنّى كلّها أو تُرفَض كلّها! ضعفات النّاس يُنظَر إليها في إطار الالتزام الكامل باستقامة الرّأي لا الالتزام الجزئيّ. إذا لم يكن سعي العائلة الرّوميّة الأرثوذكسيّة هو إلى التّملّؤ من استقامة الرّأي، وفي إطار بذل الجهد كاملاً للحفاظ على هذه الاستقامة، فإنّ هذا لا يمكن إلاّ أن يؤول إلى ضرب الأرثوذكسيّة وإفسادها من الدّاخل، في خليّتها الكنسيّة الحيويّة بالذّات: العائلة! إذا سُيِّبت العائلة فُرِّط بالكنيسة! الوجدان الكنسيّ الأرثوذكسيّ، هناك يتكوّن، بالوالدَين، لدى الأولاد: في العائلة الأرثوذكسيّة القويمة. المنطق الّذي يَعتبر الخلطة في الزّواج فضيلة ابتغاء اتّحاد المسيحيّين، أو تحقيق التّمازج الأهليّ أو الإنسانويّ بين النّاس، هو منطق غير كنسيّ، ومآله القضاء على الكنيسة. ثمّ ليس الموضوع موضوع منطق شكليّ بل منطق روحيّ. المسألة مسألة مدّ للإيمان القويم، للسّلالة في الرّوح القدس، بالرّبّ يسوع، في كنيسته، من جيل إلى جيل. تراخَ في هذا الشّأن تُفسِدِ الوجدان الكنسيّ، ومن ثمّ استقامة الرّأي، وتشوِّه وتغيِّب صورة المسيح الحقّ! وهذا مآله ضرب المسيحيّة في الصّميم، أي مسيح الرّبّ، إذ إنّ تشويه صورة السّيّد لا بدّ أن يُفضي إلى إطاحة حقيقيّته وتاليًا حضوره، والنّهاية محو اسم الرّبّ يسوع من الأذهان، أو استبداله بما ليس إيّاه. إنّ التّمسّك بالزّواج، في إطار استقامة الرّأي، في الأرثوذكسيّة، ضرورة كنسيّة حيويّة، صونًا لنقاوة التّراث وحفظًا لسلامة الإيمان وتفعيلاً لحضور المسيح الكلمة وترسيخًا لعمل روح الرّبّ في الوجدان! لا عبث ولا خلطة في ما هو للخلاص والحياة الأبديّة!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

8 أب 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share