<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
العقيدة إيقونة الله
معنا وفيما بيننا

        العقيدة، عندنا، تعبير أو إيقونة كلامية عن كيفية إظهار اللهِ ذاتَه لنا وكيفية عمله في حياتنا. هذا لا يعني أنّ الناس متروكون، في تحديد هذا التعبير، لتصوّراتهم الخاصة وكيفية رؤيتهم للأمور. ولا هذا يقتصر على لقاء الجماعة، في ذاتها، ليتّفق أعضاؤها فيما بينهم على الصيغة العقدية التي يرونها مناسبة للتعبير عن الظهور الإلهي كما يتصوّرونه، وكأنّ الجهد حواري فكري بحت، ثمّ ما يصدر عن الجماعة يصير عقيدة. ليست العقيدة مجرّد نتاج بشري، لا على صعيد الأفراد ولا على صعيد الجماعات. إذا كان الله هو الذي يبادر إلى إظهار ذاته فإظهاره لذاته هو عمل روح الله. وما دام كذلك فلا يمكننا أن نعرف ما يظهره الله إلاّ بروح الله. إذا لم يكن روح الله هادينا فلا يمكننا أن نعرف الأمور المختصّة بروح الله. لذلك قيل عمّا أعدّه الله للذين يحبّونه إنّ الله "أعلنه لنا بروحه" (1 كو 2: 10). هذا لا يمكن للإنسان الطبيعي، للإنسان في ذاته، لا أن يقبله ولا أن يعرفه. لذا قيل: "الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنّه عنده جهالة. ولا يقدر أن يعرفه لأنّه إنما يُحكم فيه روحياً" (1 كو 2: 14). فلأنّ ما لروح الله لا يُحكَم فيه إلاّ روحياً، ولا يقدر أحد أن يعرفه إلاّ إذا كان فيه روح الله قيل: "أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله" (1 كو 2: 11 – 12). هذا معناه، في شأن العقيدة، أنّها عمل روح الله في البشر مصاغاً بلغتهم ومن منطلق مفاهيمهم. من هنا اعتبارنا العقيدة نتاجاً إلهياً بشرياً معاً. ليست العقيدة مُنزَلة لكنّها، بكل تأكيد، موحى بها من الله، من روح الله. المجامع المسكونية السبعة هي مجامع مقدّسة، أي كل ما جاء فيها، من جهة العقيدة، موحى به من الروح القدس. ليس الإنسان وحده المتكلّم في المجامع المقدّسة، الله أيضاً هو المتكلّم. لذلك العقيدة، عندنا، لا تتغيّر. وما سبق أن قيل، في شأنها، في مجمع من المجامع المسكونية، لا يمكن إلغاؤه ولا نقضه ولا تغيير صيغته. ما يجوز فقط هو توضيحه والتبسّط فيه وفق الحاجة. مثلاً ما قيل في شأن الربّ يسوع، ألوهيته وإنسانيته، في المجمع المسكوني الأول (نيقية 325)، جرى توضيحه في المجامع اللاحقة، فتكلّم المجمع الثالث على كون مريم والدة الإله، وتكلّم المجمعان الرابع والخامس على طبيعتي المسيح، والمجمع السادس على مشيئتَيه الإلهيّة والبشريّة. إذاً ما سبق أن قيل في مجمع من المجامع قابل للتوضيح والتبسّط شرط أن يكون بالروح نفسها التي جرت فيها معالجته أصلاً. المهم، في كل حال، أن يكون الروحُ هو المتكلّم في الكنيسة. طبعاً هذا ليس أمراً مفروغاً منه في كل حال. كلٌّ يمكن أن يدّعي ذلك. ولكنْ ليس كل مجمع ينعقد مجمعاً مقدّساً بالضرورة. هناك، في التاريخ، مجامع هرطقت في شؤون العقيدة. وهناك مجامع تلتئم بشرياً ولا تكون في روح الرب. حضور روح الربّ في مجمع أساقفة ليس تلقائياً. المحكُّ كياني، بالدرجة الأولى، وله علاقة بالحالة الداخلية والقصد العميق في قلوب الذين يشكّلون المجمع وكذلك بالعمل الخفي لروح الله. نحن لا نؤمن بالعصمة، لا للأفراد ولا للجماعات، كائنةً ما كانت صفتها. لا عندنا عصمة فردية ولا عندنا عصمة مجمعية. العصمة هي للكنيسة، لروح الربّ في الكنيسة، وروحُ الربّ قد يعمل في مجامع محدّدة وقد لا يعمل، قد يعمل في أفراد معيّنين وقد لا يعمل. ضابط الأمور، في هذه الحالة وتلك، هو الله. وفي الأوقات العصيبة شخص واحد قد يتكلّم، في الروح القدس، وكأنّه هو الكنيسة وصوت الكنيسة الأحقّ. مثل ذلك القدّيس أثناسيوس الإسكندري الكبير والقدّيس مرقص أسقف أفسس في زمانهما. وإذا كان هذا صحيحاً، بالنسبة للمتكلّمين فهو أيضاً صحيح بالنسبة للسامعين. الذين يسمعون ويحكمون بالحقّ ويقطعون في شأن استقامة العقيدة هم الذين فيهم روح الربّ. ولا غرو، فإنّه فقط "الروحي يَحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد" (1 كو 2: 15). هذا أحياناً قد يستغرق وقتاً ليستقرّ وقد تسود الهرطقة لبعض الوقت مدّعية النصرة، ولكنْ روح الحقّ، في نهاية المطاف، هو الذي يقوى على روح الباطل. الله هو الضامن. أبواب الجحيم لا تقوى على الكنيسة (مت 16: 18). من قِبَل الربّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لو لم يكن روح الله هو ضابط الكنيسة وعاصمها لما كانت هناك كنيسة. "إن لم يبنِ الربّ البيت فباطلاً يتعب البنّاؤون. إن لم يحرس الربّ المدينة فباطلاً يسهر الحارسون".

        العقيدة، إذاً، إقرار لواقع حال الله، بختم الله، فيما بيننا. ما تقوله الكنيسة في شأن العقيدة هو هذا: هكذا عرفنا الله وهكذا نعرفه، وعلى هذه المعرفة نبني علاقتنا به. العقيدة أساسية جداً وإلاّ لا تكون لنا علاقة حقيقية بالله. مَن منا يستطيع أن يقيم علاقة أصيلة مع أي كان إذا لم يعرف وجهه واسمه. طبعاً نحن لا نعرف الله بالشكل الخارجي، ولكنْ نعرفه بشكله الداخلي. الذي كان من البدء، الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة... نخبركم به" (1 يو 1). إذا لم نعرف أنّه واحد في ثالوث، إذا لم نعرف أنّ يسوع هو إله وإنسان معاً فلا يمكننا أن نعرفه ولا أن نميِّزه ولا أن ندخل معه في علاقة. أنت لا تقيم علاقة مع مجهول بل مع معلوم. المجهول تهتمّ بمعرفة مَن يكون على غرار موسى، كليم الله، حين سأل الله عن اسمه، عن هوّيته. هذه بديهية في العلاقات وإلاّ تُكلِّم كائناً تظنّه شيئاً وهو شيء آخر، تظنّه على صورة ما وهو على غير ما تتصوّر. هذا كلّه يوقِع في الضلال. كيف يمكنك أن تعبد إلهاً لا تعرفه ولا تعرف سماته الداخلية الأساسية فيك؟ هل بإمكانك أن تسجد لإله لا تعرف مَن يكون؟ أنت، إذ ذاك، تعبد مخاوفك وأوهامك وخيالاتك. الله كائن آخر غيرك ومميَّز عنك. العقيدة، بمعنى، تزوّدك بهوّيته، وعلى أساس هوّيته تقيم معه علاقة حقيقية تتخطى تصوّراتك. لذلك العقيدة ضرورة للحياة في المسيح. من دونها مستحيل أن تكون هناك حياة في المسيح. كل مؤمن ملزم بمعرفة عقيدة كنيسته. قد يكفيك أن تعرف أساسيات العقيدة. ربما لست مطالَباً بالدخول في دراسة معمّقة لعقيدة كنيستك، إذا لم يكن ذلك في طاقتك، ولكن هناك حدّ من المعرفة لا يُستغنى عنه ولا تكون حياة مسيحية من دونه. ليست هناك تقوى أصيلة من دون معرفة للعقيدة ولا هناك معرفة كيانية للعقيدة من دون تقوى. الغرض من العقيدة، في نهاية المطاف، هو الإيمان الأصيل المعيش في العلاقة بالله. كذلك التقوى من دون عقيدة عمى. الاعتماد على التقوى من دون العقيدة كاعتماد الأعمى على الأعمى. فإنّه "إذا كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة" (مت 15: 14). من هنا كونُ الإيمان المعيش تمثّلاً للعقيدة، والعقيدةِ صورةً وسبيلاً إلى التقوى.

        هذه مقاربتنا الوجودية للعقيدة في كنيسة المسيح. في العدد القادم، بإذن الله، نعالج موضوع عقائدنا وحياتنا، عملياً.

                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

11 حزيران 2006
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share