عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
الصّعود عَبْرَ الضّلال!.

   لا ما يضمن أن تقوى النّزعة إلى الحقيقة، في المسار التّاريخيّ، رغم عمل الله، كما نتوقّعه في النّاس، على النّزعة إلى الزّيف! الخبرة، بالأحرى، تدلّ على العكس، تمامًا، وأنّ القلب نجيس، وهو باق كذلك، بعامّة، وقد نما وينمو في النّجاسة، باطّراد، ولو في مسار غير سويّ، إلاّ خلال ما يقرب من السّنوات المائة الأخيرة، إذ جَنَح هذا المسار، صُعُدًا، بحدّة جامحة، صوب النّجاسة، حيدانًا عن حقّ الإنجيل، ما يجعل الذّهن يرتحل، بيسرٍ، نحو الكلام الّذي سبق أن تفوّه به الرّسول المصطفى بولس في رسالته الثّانية إلى تلميذه تيموثاوس، وكأنّه الوصفُ الأدقُّ لواقع البشريّة الرّاهن في شموليّة مذهلة! قال: في الأيّام الأخيرة، تأتي أزمنة صعبة، إذ يوجد النّاس محبّين لأنفسهم، محبِّين للمال، متعظِّمين، مستكبرين، مجدِّفين، غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين، دنسين، بلا حنو، بلا رضا، ثالبين، متصلِّفين، محبِّين للّذّات دون محبّة الله، لهم صورة التّقوى، ولكنّهم منكرون قوّتها (الإصحاح 3)!.

   أن يُتفوَّه بهذا القول، والزّمن مطلعُ المسيحيّة، فيه ما يثير الاستغراب الشّديد! ففيما تلقانا نتوقّع أن نرى في الوجدان التّاريخيّ تقويمًا مطّردًا للنّفس الكونيّة، يُفترض أن يصل إلى حدّ الرّفعة القصوى في النّقاوة، بعدما كلّمنا الله، في الأيّام الأخيرة، في ابنه الّذي جعله وارثًا لكلّ شيء (عبرانيِّين 1)، إذا بنا نجدنا في ذروة النّجاسة والدّنس انصرافًا عن الرّوح والحقّ! وعوض أن يترافق يوم المسيح، في مجيئه الثّاني، واكتمال مسيرة الطّهارة والتّقديس، نلقانا، ويا للعجَب!، بإزاء واقعٍ مأسويّ معاكس تمامًا لما نظنّ: لا ينبغي أن نتوقّع أن يحضر يوم المسيح إلاّ بعد أن يأتي الارتداد أوّلاً؛ يقول! الارتداد عن المسيح لا إليه!! يا للهَول!! إرتداد المسيحيِّين عن المسيح، أكثرِهم، إلاّ شكلاً، ما يُفصح عن معنى القولة إلى تيموثاوس، أعلاه، أنّ النّاس، ولمّا يقلْ بعضَهم، ما يعني أكثرَهم، أو غالبيّتهم، سوف تكون لهم صورة التّقوى، ولكنّهم منكرون قوَّتَها! مَن يبقى للمسيح، إذًا، والحال هذه، أمينًا إلى المنتهى، إلى الموت، ليصير له إكليلُ الحياة، على نحو الكلمة إلى ملاك كنيسة سميرنا (رؤيا 2)؟ القطيع الصّغير! ليس إلاّه تسري عليه، في الأيّام الأخيرة، القولة السّيّديّة: متى جاء ابن البشر، فهل يجد الإيمان على الأرض؟ الإشارة هي إلى تقلّص عدد المؤمنين تقلّصًا كبيرًا! يومها يصير المؤمنون ندرةً! المؤمنون بالرّوح والحقّ! فيما تبقى للكلمة النّبويّة دلالة واحدة، مشتركة، قبل مجيء مسيح الرّبّ أوّلاً، وإلى مجيئه ثانية، أنّ هذا الشّعب يعبدني بشفتيه، أمّا قلبُه فمبتعد عنّي بعيدًا! الفساد، كأنّه يسري من ذروة إلى الذّروة... عبورًا بالمسيح!!.

   ثمّة حكمة لله تطلّ، بلا شكّ، في ثنايا ما جرى ويجري وسيجري في التّاريخ! كلمته، أنّى يكن الأمر، لا تعود إليه فارغة! حكمته تغلب! رغم ذلك، واقعُ النّاس ينحطّ إلى أبعد الحدود! كأنّنا بانتظار أمر لا بدّ أن يتكشَّف، أوّلاً، ويكون له صداه في النّفوس، ما يفضح، في العيون، واقعًا آثمًا، يفضي إلى انشقاق البرقع المسدول على القلوب، نجازًا لانشقاق حجاب الهيكل، يوم الصّلب، إلى اثنين من فوق إلى أسفل! ما قيل، يومها، عن الأرض الّتي تزلزلت والصّخور الّتي تشقّقت والقبور الّتي تفتّحت (متّى 27) قد لا يكون سوى نبوءة في شأن ما سيتحقّق، فعلاً كونيًّا، وفق سفر الرّؤيا (الإصحاح 21)، عن السّماء الجديدة والأرض الجديدة والموت الّذي لن يكون بعد!.

   ولكنْ، ما تراه الأمر الّذي لا بدّ أن يتكشّف أوّلاً؟ الأثيم! الأثيم في مقابل البارّ، أي يسوع! الأثيمُ استعلانُه آتٍ! في ملء الإثم! نحن، واقعًا، في الانتظار! التّهيئة لاستعلان الأثيم جارية على قدم وساق! تتكمَّل باطّراد! ما الّذي يحجز؟ ما الّذي يعيق استعلان الأثيم؟ تدبير الله! الأمر بيده وحده! هو العارف الأزمنة والأوقات! وحده العارف المهيِّء لتحقيق مقاصده بالكامل؛ ولك الصّلب نموذج! لمريم، أمّه، قال: لم تأتِ ساعتي بعد! ولأندراوس وفيلبس: قد أتت السّاعة ليتمجَّد ابن الإنسان! حتّى ذلك الحين، سرّ الإثم باق يعمل! فقط حتّى ذلك الحين! أيّ حين؟ حين يبلغ الإثمُ الذُّرى وتدبيرُ الله ذراه، في آن! إذًا، لا فقط الإثمُ يعمل في الخفاء، على نحو حثيث، عن عيون النّاس، طبعًا لا عن عيني الله؛ وتيرته، أيضًا، أي وتيرة روح الإثم، تشتدّ إلى أقصى حدود طاقة البشر، حتّى تُوقِعَ بالمختارين لو أمكن! وكلّه بضبط كامل من فوق، رغم تبيّنه شرودًا بلا قيود!.

   المحكّ، ظهورُ الإثيم! هذه علامة اكتمال مرحلة الارتداد! والأثيم، مَن هو؟ هو الإنسان الممتلئ إثمًا، على قدر ما للإنسان سعة على اقتبال الإثم! متى بلغ هذا الحدّ، لا يعود آثمًا! يصير الأثيمَ! يتجسّد فيه الإثمُ! هذه بدعة الشّيطان! الأثيمُ ابنُه! آدم من زاوية شيطانيّة! آدم الشّيطانيّ في مقابل ابن الله المتجسِّد، آدم الجديد، الإله المتأنسن، الإله والإنسان! الأثيم هو الشّيطان المتأنسن بمعنى، الشّيطان والإنسان! في فكر إبليس، نحن بإزاء الخليقة المكتملة كما يراها هو! الجنس البشريّ، برمّته، هذا مآله في فكر إبليس! وقد صدّق الشّيطان أنّ بإمكانه أن يغلب! ربُّك جعله يصدِّق الكذب لأنّه نبذ الحقّ! وماذا يَحدث متى استُعلن الأثيم؟ يكتمل لا قصد إبليس، فقط، بل، بالأحرى، قصد الله، في شبه غفلة عن الشّرّير! تدبير الله الّذي كان مُمسِكًا بالزّمن الأخير، يبلغ غايته! لا يعود هناك معوِّق يلجم انفراط العِقد، عِقد البشريّة الجامحة إلى الإثم! يُرفع من الوسط ما كان يَحدّ، أو يَحجز التّجلّي الأكمل للشّيطان بين البشر! إذ ذاك، ماذا يحدث؟ في اللّحظة الّتي يَظهر فيها الشّيطان، في صِنْعَته، الأثيمَ، يُبيده الرّبّ الإله بنفخة فمه، ويُبطله بظهور مجيئه بعدما يكون عملُ الشّيطان فيه قد استبان، بكلّ خديعة الإثم! الخدعة تتكشّف، وكذا إثم الشّيطان، في شبه مخلوقه، الأثيم! لا تعود الخدعة مخفيّة! تنفضح وتُطاح! طبعًا، مَن لم يقبلوا محبّة الحقّ حتّى يخلصوا يهلكون! ولكنْ، أليس هناك مَن أُخذوا بالإثم كأنّه الحقّ، وبالظّلمة كأنّها النّور، ضلالاً، وساروا في الرّكَبِ الجماهيريّ، محاكاةً، لضعف نفوسهم، وغشاوة أذهانهم، وظنِّهم أنّ الحقّ في الأكثرين مقيم ولو شردوا؟! الأشرار، في الحقيقة، غيرُ الضّالين! ثمّة مَن اقتبلوا روح إبليس وصلف إبليس وشرّ إبليس بكبرياءٍ شَرِسٍ؛ هؤلاء أضحوا أنبياء الأثيم، المعِدُّون لمجيئه، الّذين سماتهم الدّاخليّة سمات من أسماهم يوحنّا الحبيب "أضداد المسيح"! وثمّة مَن أُخذوا بتيّار الإثم عن جهل وغباوة! هؤلاء هم الضّالون! ما يجعل، في البشريّة، مَن يُفسدون سواهم، لأنّهم أشرار، هؤلاء هم أبناء إبليس، المتمرِّسون في الشّرّ؛ ومَن يُفسَدون مِن سواهم لأنّهم أغرار، هؤلاء يؤخذون بجريرة أولئك! وشتّان، في قرارة النّفس، ما بين حال هؤلاء وأولئك! رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيّون يبدون، بالأحرى، أبناء إبليس، الحسودين، المستغلِّين، الكاذبين، المحرِّضين، فيما استبانتِ الجموع الهاتفة: اصلبه، اصلبه، دمُه علينا وعلى أولادنا، مضلَّلة، مغرَّرًا بها! لذا ينطبق على الأوائل قول السّيّد: "أنتم من أب هو إبليس وأعمال أبيكم تعملون"؛ فيما يسري على الأغرار قولٌ آخر: اغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون! أبناء الشّيطان كانوا يعلمون جيِّدًا ما يفعلون، لالتواءٍ عميقٍ في نفوسهم، أمّا الّذين غُرِّرَ بهم فكانوا، بالأكثر، ضحايا! هؤلاء، أغلب الظّنّ، هم الّذين، قَبل الصّلب، في أورشليم، نادوا: هوشعنا في الأعالي. مبارَك الآتي باسم الرّبّ! ثمة شرّ روحيّ شيطانيّ نفّاذ استوطن بعض النّفوس، أبوه الحسد القتّال وأمّه السّلطة القهّارة وزوجه الذّكاء والعلم الدّهريّ وأولاده الاستغلال والاستعباد والإفساد، و ثمّة إثم سيكولوجيّ مناخيّ، استبدّ بالقطيع الكبير، أبوه ضعف النّفس وأمّه الانفعاليّة المبتذلة وزوجه الغباء والادّعاء، وأولاده حبّ الكسب والغرور الصّبيانيّ واللاّمبالاة!.

   فإذا ما استبان الأثيم وانفضحت خديعة الإثم، تكشّف الإثمُ على حقيقته، بكلّ بشاعته وكذبه، وما عاد هناك إمكان للخديعة والضّلال! وفي هذا نقضٌ بالكامل للإثم والأثيم ومَن وراء الأثيم إلى الأبد وتحريرٌ للصّغار المستغَلِّين المضَلَّلين، المساكين، من الشّرّير وصنيعته، حتّى لا تعود للإثم غوايته فيهم، وحتّى، بنعمة ربّهم، يخلصوا! استبانة الأثيم قيمتُها كشفُ الإثم على حقيقته الأخيرة! إذ ذاك إبليس مُضِلهم الأكبر يُطرَح في بحيرة النّار والكبريت (رؤيا 20: 10)، وكذا الموت والهاوية (20: 14)! والّذين عانوا يَمسح الله كلّ دمعة من عيونهم ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد (رؤيا 21)! إلى الشهداء، خاصّة الله، هنا، لعلّنا لا نحيد عن الصّواب، إذا ما اعتبرنا المضلَّلين المسترَدِّين، إثر استعلان الأثيم، السّوادَ الأعظم من النّاس! عن هؤلاء، ربّما، تكلّم الشّيخ بائيسيوس الآثوسيّ لمّا قال: "سيصل النّاس إلى طريق مسدود، وعندها سيؤمنون، شاؤوا أم أبوا، وسيتدخّل المسيح!". بحيلة الصّليب أَخذ الرّبُّ الإله الشّرّير بمكره، وبحيلة الارتداد الكبير سوف يأخذه بِصَلفه!.

   نعم، أنا آتي سريعًا. آمين. تعال أيّها الرّبّ يسوع!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

16 تشرين الثاني 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share