الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
نقاط على الحروف
معموديّة الحبّ الإلهيّ!.

   يوحنّا، يا إخوة، كان يعمّد. لماذا؟. كان يعمّد لأجل أن يُعِدّ النّاس لمجيء المسيح. معموديّته كانت معموديّة فيها حثّ على التّوبة، وفيها اعتراف بالخطايا. كان النّاس يأتون إليه، ويعتمدون على يده وهم يعترفون بخطاياهم علنيًّا. بينما كان يوحنّا يُعِدّ النّاس – وهو الّذي قال: "أنا أعمّدكم بماء للتّوبة. أمّا الّذي يأتي بعدي، فيعمّدكم بالرّوح القدس والنّار" – إذًا، فيما كان يوحنّا يحضّر النّاس لمجيء السّيّد، إذا بالرّبّ يسوع يأتي إليه. لماذا جاء الرّبّ يسوع إلى يوحنّا؟ النّصّ، هنا، يقول: "ليعتمد منه". لكنّ معموديّة يوحنّا كانت من أجل التّوبة، ومن أجل الاعتراف بالخطايا. فهل الرّبّ يسوع بحاجة إلى توبة وإلى اعتراف بالخطايا؟ طبعًا، لا. لماذا، إذًا، أتى الرّبّ يسوع إلى يوحنّا، لكي يعتمد منه؟.

    الرّبّ يسوع جاء ليعتمد من يوحنّا، لأنّه اعتبر نفسه كواحد من هؤلاء الّذين كانوا يأتون إلى يوحنّا. اتّحد بهم، لا فقط في الجسد، بل، أيضًا، بالمعاناة الّتي كانوا يعانونها. هم كانوا يعانون الخطيئة. والقول الكتابيّ يقول: "الجميع أخطأوا، وأعوزهم مجد الله". إذًا، هم يأتون ليعتمدوا بسبب خطاياهم. ويسوع يأتي كأنّه خاطئ مثلهم، مع أنّه بلا خطيئة. لكنّ يسوع كان يعرف ماذا تعني المعاناة النّاتجة عن الخطيئة. كيف يعرف؟ إذا لم يكن يسوع قد اختبر الخطيئة، فكيف يمكنه أن يشترك مع الخطأة في معاناتهم؟! بالحبّ!. الحبّ هو الّذي جعل الرّبّ يسوع يختبر ذلك بالتّناضح، أي كأنّ الحبّ يُدخِل الكائن إلى عمق الكائن، فيختبر الواحد، بالحبّ، ما يختبره الآخر بالمعاناة والخطيئة!. هذا هو سرّ الحبّ!. الله يعرف جيّدًا، ومنذ البدء، ما هي الخطيئة. لكنّه يعرفها، لا بخبرة الخطيئة عينها، بل بالحبّ الكبير، الّذي ينفذ إلى أعمق أعماق الإنسان!. لا يحتاج الله إلى خبرة الخطيئة ليعرف ما تحدثه من فساد، بل يعرف بالحبّ ما تحدثه من أذى، لذلك يعرف ماهيّتها تمامًا!. طبعًا، الخبرة، الّتي هي من هذا النّوع، نحن نعرفها، إلى حدّ ما، كبشر. الأمّهات، مثلًا، يختبرن ذلك، بل بعض الأمّهات؛ لأنّ الأمومة، اليوم، آخذة في التّآكل، كأنّها تموت، شيئًا فشيئًا؛ لأنّ المرأة، بصورة متزايدة، همّها نفسها. لذلك، تختنق استعدادات الأمومة لديها، بصورة متزايدة. لكنّ الأمّ الأمّ، الّتي تطلق العنان لمحبّتها الأمّهيّة، تعرف، إلى حدّ ليس بقليل، كيف تنفذ، بالحبّ، إلى داخل وليدها، لتختبر ما يعانيه. لذلك، إذا كان الطّفل يعاني، إذا كان يتألّم، إذا كان متضايقًا؛ فإنّ الأمّ لا تستطيع أن تكون في الرّاحة، على الإطلاق؛ ولا تُغمَض لها عين؛ لأنّها، في داخلها، بالتّناضح، تكون في حال قريبة من حال وليدها: هو مضطرب، فتكون هي، أيضًا، مضطربة. هو قلِق، فتكون هي، أيضًا، قلِقة. هو موجوع، فتكون هي، أيضًا، موجوعة!. لا أنسى، حين كنت كاهن رعيّة، في قرية من القرى، خبرةً مؤلمة جدًّا، لكنّها ذات دلالة عظيمة جدًّا. كان هناك أولاد يلعبون، بالقرب من بئر ماء. والبئر، للأسف، كان مكشوفًا. طبعًا، الأهل ينبّهون أولادهم. لكنّ الأولاد، الّذين كانوا يلعبون، وأعمارهم تتراوح ما بين العاشرة والثّانية عشرة، ينسون ويؤخذون بلعبهم. لذلك أحدهم سقط، فجأة، في الماء!. فاضطرب الأولاد الآخرون، وذهبوا لكي ينادوا الأهل. لكنّ الولد كان قد اختنق؛ فجاؤوا، وانتشلوه من المياه، وأخذوه إلى البيت. في وسط الزّعيق، والنّواح، أذكر، تمامًا، لأنّني أنا كنت كاهن الرّعيّة، وضعوه على رجلي أمّه. فكانت تنوح وتقول له: "يا روحي، يا نازلًا من قلبي...". طبعًا، المشهد كان مؤثّرًا جدًّا. لكن، إذا كان الإنسان ينفجع إلى هذه الدّرجة، أو يمكن أن ينفجع على إنسان؛ فكم الرّبّ، الّذي هو محبّة، ينفجع على البشريّة؟!. لهذا، لأنّ خالق السّماء والأرض رأى خليقته في قلب المعاناة، لم يكفّ هو، الله، عن المعاناة، منذ أن سقط آدم!. الله، أخيرًا، وكأنّه لم يُطِق، بعدُ، المعاناة؛ بل أراد أن يكون في تماسٍّ كامل مع مخلوقه الإنسان، انحدر من السّماء، في الرّوح القدس، واستقرّ في حشا البتول، ووُلِد منها إلهًا متجسِّدًا!.

    هنا، يأتي يسوع إلى مياه الأردنّ، الّتي تمثّل العالم، لأنّ العالم معظمه ماء. المياه تشير إلى هذا العالم، إلى هذه الأرض. ربّما لا تعرفون أن جسم الإنسان، إلى حدّ التّسعين في المئة منه، هو مياه. إذًا، يسوع أتى إلى الأردنّ، رمزِ العالم، وكان الخطأة يتهافتون إلى هناك على صوت يوحنّا: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السّموات". جاء إلى هناك، لأنّه أراد أن يكون بين الخطأة. أراد أن يستقرّ في وسطهم. أراد، بالتّماسّ، أن يكون كواحدٍ منهم!. اتّخذهم بالكامل، لكي يعطيهم الفرصة أن يتّخذوه هم بالكامل، أيضًا!. هو النّقيّ نزل في الأردنّ وكأنّه في حاجة إلى تنقية، لأنّه أراد أن يتيح للبشريّة جمعاء أن تنزل في أردنّه هو، لكي تتنقّى من خطاياها إلى الأبد، ولكي تشترك في نوره الوضّاء!. الله جاء إلينا، ليأخذنا إليه!. إذًا، جاء كأنّه واحد من الخطأة. وهذه كانت شهوة الله، منذ البداية، لأنّه محبّة!. هذه الشّهوة، تحقّقت في تلك اللّحظة، عندما قدم يسوع ليُكمِّل، على حدِّ تعبيره، كلَّ بِرّ!. ماذا يعني ذلك؟!. يكمِّل كلَّ بِرّ، إذ يستقرّ في وسط الخطأة، لكي ينقّيهم من خطاياهم!. أراد أن يُفيض عليهم محبّته، لكي يغتسلوا بها. هذا كان بِرَّ الله، الّذي يدعو النّاس إلى اقتبال محبّة الله، ليصيروا هم، أيضًا، أبرارًا به نظيره. وكان يوحنّا يمانعه، قائلًا: أنا محتاج أن أعتمد منك. يوحنّا، الّذي كان يعمّد الآخرين، شعر، في تلك اللّحظة، بحقارته، بعدم استحقاقه، أنّه لا شيء، وأنّه في محضر خالق السّموات والأرض. "أنا محتاج أن أعتمد منك. أَوَأنتَ تأتي إليّ؟!". يسوع اتّضع حتّى الأخير. امّحى حتّى الأخير. أفرغ نفسه، وأخذ صورة عبد، صائرًا في شبه النّاس!. أجابه يسوع: دعِ الآن. لا بأس، يا حبيبي. هكذا ينبغي أن نُتِمَّ كلّ بِرّ!. بالاتّضاع، بالانكسار، بالمحبّة، نُتِمّ كلّ بِرِ. بالتّوبة، بالهداية، بالعودة إلى الله، نُتِمُّ كلَّ بِرّ. حينئذٍ، تركه يوحنّا، وجعل يده على يسوع!. المخلوق يجعل يده على الخالق!. والخالق يحني رأسه، لأنّ المحبّة، دائمًا، مكسورة، في هذا العالم!. فلمّا اعتمد يسوع، صعد، للوقت، من الماء. يوحنّا، بما فعله، انتهى دوره. هذا الّذي كان يُعدّ العدّة لأجله بات حاضرًا بيننا. لذلك، قال يوحنّا: "أنا صديق العريس، ولست العريس. ينبغي لي أن أنقص، وله أن يزيد". وبعد ذلك، أُخذ يوحنّا، وسُجن، وقُطع رأسه.

    صعد يسوع، للوقت، من الماء. وإذا السّموات قد انفتحت. السّموات الّتي هي بيت يسوع، بمعنى، انفتحت. لم يعد هناك من فاصل بين السّموات والأرض. يسوع جمع الكلّ في ذاته، في شخصه. هو الإله الّذي صار إنسانًا. هذا هو سرّ الأسرار، في الحياة. انفتحت السّموات. ما المقصود بالسّموات؟ لسنا نعلم، إلى أن يعطينا الرّبّ الإله أن نعلم. لكن، نعلم ما ورد في هذا الكلام الإلهيّ: "فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة، وحالًّا عليه". شهادة روح الله أنّ هذا، يسوع، هو المنتَظَر، هو المشتَهى!. وإذا صوت من السّماء، هو صوت الآب. نحن لا نعرف وجه الآب. نحن نعرف الابن. والابن قال: "مَن رآني، فقد رأى الآب". وإذا صوت من السّماء، هو صوت الآب، يقول: هذا هو ابني الحبيب، الّذي به سُررتُ. كلّ مسرّة الآب استقرّت في الابن. هذا هو حبيبه. والابن جاء ليستقرّ في البشر، لأنّ البشر هم أحبّته. الابن يأخذ من الآب السّماويّ كلّ الحبّ، وكلّ المسرّة، ليُسبِغ حبّه، نفسه، على البشريّة، ومسرّته، أيضًا. يسوع جاء واعتمد من يوحنّا، في الأردنّ، ليدعونا إلى أن نعتمد بنوره، بحياته، بمحبّته. القدّيس غريغوريوس بالاماس يقول: "يسوع المسيح جعل نور الله يملأ الأرض". هذا هو النّور غير المنظور إلّا للّذين يعطيهم الرّبّ الإله عيونًا من عنده. الأرض باتت تسبح في نور الله، لأنّ الله سُرّ وارتضى أن يتّخذ جسدًا من حشا البتول، وأن ينزل في مياه الأردنّ، تمهيدًا لنزوله إلى الجحيم!. يسوع نزل إلى الجحيم، إلى مثوى الأموات، لأنّه قَبِل أن يموت في الجسد، وأن ينزل ليستقرّ، ثلاثة أيّام، في مثوى الأموات، "شيول". وهناك، أيضًا، كما أفاض روحه على الأحياء، أفاضها على الرّاقدين منذ الدّهر، فأفرغ "شيول"، بالكامل، ممَّن فيها، فجمع الكلّ، أحياءً وأمواتًا، في ذاته!.

    هكذا، يعطينا يسوع أن تنفتح أمامنا أبواب السّموات، لا له فقط، بل لكلّ الّذين يؤمنون به، لكلّ الّذين يحبّونه، لكلّ الّذين يُسرّون به. هذا هو يسوع مخلّص العالمين، هذا هو عمّانوئيل، الله معنا، جاء ليستقرّ بيننا، ليكون فينا، ليعطينا، من بعدُ، أن نخرج من الظّلمة إلى النّور، ومن الموت إلى الحياة. الإنسان لم يخلقه الله للموت، خلقه للحياة. لهذا، ظهر الرّبّ الإله، اليوم، ليُخرج البشريّة إلى الحياة الأبديّة، فالمجد لله على كلّ ما صنع!..



الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ

عظة السّبت 6 كانون الثّاني 2018

عيد الظّهور الإلهيّ.
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share