عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
صليب الخطيئة وصليب القيامة

        يوحنّا الحبيب، الرسول الذي كان يسوع يحبّه، لا يتكلّم عن المحبّة إلاّ مقرونة بالحقّ. ولا غرو فالمحبّة هي الحقّ متجسِّداً. المسيح هو الحق والمحبّة. كل حقّ، في الدنيا، ينتمي إلى المسيح. كل حقّ في الدنيا شهادة للمسيح. كل ما هو حقّ، في الدنيا، يأتي بصاحبه إلى محبّة المسيح. إنسانية الإنسان تتجلّى في الحقّ وفي المحبّة. بغيرهما يفقد الإنسان إنسانيته.

        ما فعله السقوط بالناس أنّه حرمهم، بمقدار، من الحقّ. شوّشه عليهم. حرمهم من المحبّة. صار الإنسان مائلاً، تلقائياً، إلى الباطل وإلى محبّة نفسه. غشيته الظلمة. ولكنْ بقيت المحبّة فيه قائمة ولو مخنوقة. الحقّ، أيضاً، بقي فيه ولو مشوباً بالباطل. الإنسان صار تحت تأديب من نوع آخر. صارت تؤدِّبه أعماله، يؤدّبه سقوطه، تؤدّبه خطيئته. والحقّ أنّ الله قليلاً ما يؤدّب الناس مباشرة متى ضلّوا سواء السبيل. ما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد. الدينونة هي أنّ النور جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم شرّيرة. حين يستغرقون في محبّة الظلمة، حين تكون أعمالهم شرّيرة، إذ ذاك تكون دينونتهم. خطيئتهم عينها هي دينونتهم!

        ولكن بما أنّ الخطيئة لا تُشبِع، لهذا في الإثم سرّ كامن. والسرّ هو أنّ الإنسان، في السقوط، صار مقبلاً على الخطيئة، مدمناً عليها، لكنّه، في آن، في قرارة نفسه، يتسنى له أن يعرف أنّ الخطيئة جوفاء، أنّها فارغة. لا شكّ للخطيئة خِلابتها وغوايتها، لكنّها خاوية. الإنسان الذي يُقبل على المُسكِر مثلاً ويدمن عليه، يتداوى بالتي كانت هي الداء. يتألّم، ولا شك، يعاني كثيراً. وقد تمرّ في وجدانه أُويقات تجعله يتمنّى لو يخرج من خطيئته، لو لم يكن قد اقتبلها وسلك فيها. سرُّ الإثم يجعل الإنسان عبداً، يُفقده حرّيته، لكنّه يبعث في نفسه شيئاً من الصحو، شيئاً من الخيبة العميقة. هذا قد يلقيه في اليأس وقد يلقيه في التمنّي، الذي قد يستحيل رجاء. ليتني أخرج من الهوّة التي سقطتُ فيها! مَن هو الإنسان الذي تغويه الخطيئة؟ هو مَن لم تستعبده بعد. هذا يؤخذ بمظاهر الأمور. يقع في رياء الخطيئة. لكنّه يكتشف، شيئاً فشيئاً، أنّه كان ضالاً. كأنّي بالخطيئة تأتي به إلى واقعيّة، إلى إدراك ما، إلى حسّ ما، ولو كان، بشرياً، بلا جدوى، لأنّ الإنسان قد استؤسر، بالكامل، لخطيئته. رغم ذلك، يُبْقي الله على الخطيئة تأديباً للإنسان حتى إن مَن لا يشاء أن يخلص بالبرّ، تراه يخلص بالمعاناة. يُعطَى فرصة أن يخلص بخطيئته بعد أن يكون قد عانى طويلاً، بعد أن تكون قد أذلّته وأفرغته من طاقته وحيويّته بحيث بات، في ذاته، في عين نفسه، كتلة لا نفع منها.

        لاحظوا أنّ كلّ الذين سلكوا في الخطيئة حتى الثمالة، بين القدّيسين، قبل أن يهتدوا، هؤلاء، بالإضافة إلى غواية الخطيئة، اختبروا جحيمها. هذه قد تكون ربما للحظات. قد لا تكون بصورة دائمة. فالإنسان، بالخطيئة، دائماً ما يحاول أن ينسى. لكنَّ هذا لا يمنع أن يأتي بعض اليقظة من الحسّ الداخلي بالخطيئة. أمثال القدّيسَين موسى الأسود ومريم المصريّة ذهبوا في خطيئتهم إلى حدود بعيدة وعانوا الكثير. القدّيس موسى عانى الخوف والوحشة والقلق. كان يحاول، دائماً، أن يقوى على خوفه وعلى وحشته وعلى قلقه، ولكنْ بالمزيد من العنف والأعمال الشائنة، لأنّه كان مدمناً الخطيئة. ولكنْ لنلاحظ، الإنسان القوي لا يحتاج أبداً لأن يظهر بمظهر القوّة. الله قوي ولكنّه ظَهَر بمظهر الضعف. لم يظهر بمظهر القوّة. كل مَن يتظاهر بالقوّة يكون، في قرارة نفسه، ضعيفاً. هذا يختبر الضعف في عمق كيانه. يحاول أن يختبئ، أن يتوارى كيانياً. يحاول أن يحمي نفسه بالتظاهر بمظهر القوّة. الناس يغضبون غضباً شديداً من باب حماية أنفسهم. الإنسان، في نهاية المطاف، مسكين!

        إذاً، موسى الأسود كان عنيفاً جداً لأنّه كان، بالأكثر، في قرارة نفسه، واهياً جداً. لاحظوا، في الطبيعة، الحيوانات التي تكون رقيقة رخصة، في داخلها، هذه تتلبّس بلباس قاس لتحفظ نفسها. مثل ذلك البزّاق والسلحفاة. ومريم المصريّة، أيضاً، كانت تمجّ الوحدة. الوحدة كانت تضنيها. لهذا انشغلت بعشّاقها. عشقت الخطيئة لتخرج من عزلتها. ثمّ مَن اعتاد الخطيئة اجترّها لأنّ حياته تصير منها ولو علم، في قرارة نفسه، أنّه في الضلال. القصّة قصّة إدمان، قصّة وَهْم. الخطيئة كاذبة وينام الخاطئ عن الحقّ كما ليهرب. ليس كالخطيئة مجال للهروب!

        إذاً للخطيئة تأديبها. مَن لا يتأدّب بالكلمة ولا بسيرة القدّيسين، هذا له فرصة أن يتأدّب بخطيئته. لكن تأديب الخطيئة قاس ولا أقسى. وأعظم ما في قسوة تأديب الخطيئة أنّها تُفرِغ الإنسان، كيانياً، من إنسانيته. تشيّئه. تحوّله إلى ما دون البهيمة. وهو إذ يسترسل في الخطيئة يدرك، قليلاً أو كثيراً، في لحمه وعظامه، كم هو مستأسَر، كم هو ضعيف، كم هو مستحيل عليه أن يخرج، بشريّاً، من ذاته. يصير كأنّه في قبر نفسه كلعازر. لكنَّ ثمّةَ فرصةً أن يخرج، إذ ذاك، كلعازر، بقوّة الله، إذا اتّضع، إذا صرخ. "إلى الربّ صرخت في ضيقي فاستجاب لي ومن جميع أحزاني نجّاني". هذه فرصة أن يعود الإنسان إلى نفسه بعد أن تكون الخطيئة قد أذلّته وسحقته. لكنَّ كثيرين يفوّتون على أنفسهم هذه الفرصة ويموتون في خطاياهم. يبلغون في خطيئتهم حدّ اليأس بدل أن يبلغوا حدّ الاتضاع.

        ليست الخطيئة مزحة. لا نستهينن بما يمكن أن تفعله الخطيئة فينا. صحيح أنّ الله يشاء للناس أن يخلصوا، يعطيهم صليبه، لكنْ مهما بدا صليبه قاسياً لعيوننا فصليب الخطيئة أقسى بما لا يقاس. حِمْل المسيح، في نهاية المطاف، خفيف ونيره ليِّن!

        لهذا، الحكمة تقضي بأن يكون سعي كل منّا منصبّاً على اقتبال صليب المسيح مهما بدا صعباً. صحيح، السير مع الله أوّله صعب لكنّه يسهل شيئاً فشيئاً بنعمة منه إلى أن يصبح فردوساً. الصليب شجرة الحياة. صليب المسيح، مهما قلّبناه، صليب فردوسي، صليب قيامي، صليب للفرح لأنّه صليب المحبّة القائم في الحقّ. كل محبّة محبّةٌ صليبية. الإنسان الذي يحبّ لا يمكنه إلاّ أن يبذل. هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد. لكنَّ هذا البذل، هذا الصليب مُشبَع بالبهاء، مُشبَع بالفرح لأنّه قائم في المحبّة على الحقّ.

        فلو أدركنا هذا الأمر لاستسهلنا كل تبعات الصليب واستهنّا بكل تداعياته في حياتنا، لأخذنا الصليب على عاتقنا بفرح، لأنّنا ننظر إلى ما نحن مقبلون عليه بشغف ونتخطّى كل الصعوبات الآنيّة الآتية علينا، وكلّها عابر. المهم أنّنا إن عرفنا أنّ وجهة سيرنا هي إلى المدينة المقدّسة، إلى أورشليم السماوية فإنّ فرح الملكوت يطغى على مشاق السفر، على أتعاب الطريق. هذه تصبح كلا شيء. فرح الربّ قوّتكم. المهم ألاّ يفقد الإنسان الرؤية، أن يعي دائماً إلى أين هو ذاهب. "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".

                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

30 نيسان 2006
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share