الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
نقاط على الحروف
سرّ الحشا .!.

   ربّك حاضر وفاعل في كلّ شيء. القول بناموس الطّبيعة كأنّ الخليقة تتحرّك من ذاتها، وتنتظم في ذاتها، بقوّة النّاموس المبثوث فيها، ليس بمعزل عن الله. ناموس من دون الكلمة، كلمة الله، لا يعدو كونه، في نهاية المطاف، آلية صمّاء غاشمة. لا يُحتوى الإنسان بناموس. هذا تشييءٌ له واحتقار!. وهذا، أيضًا، وَسْم لله باللّامعنى، وقول باللّاوعي واللّاعلاقة الكيانيّة بين الله والإنسان، واللهِ والخليقةِ بعامّة. ولو أشارت الخليقة ودلّ النّاموس على كائن ما أو قوّة ما، فالاكتفاء بما للنّاموس ينفي، فعليًّا، ما لذاك الكائن، أو لهذه القوّة، كأنّهما غيرُ موجودَين، وكأنّ الإنسان غير معنيّ بوجودهما في شيء. يبقى الإنسان، بإزاء مثل هذه المقاربة، معتزلًا بنفسه، في صميم الواقع، متروكًا ليوغل فيما لنفسه، إلهًا بلا منازع، بقوّة الإيهام الذّاتيّ، مصيرُه، في إطار الخلق والنّاموس، أن يكون كذلك. هذا، في ذاته، فكر آثم، مآله تفكّكُ ما للإنسان. حياة سمجة يليها موت سمج!. كلٌّ، إذ ذاك، يأكل سواه، كما نعهد، وإلّا لا يحقّق، في وجدانه، ما لنفسه، وكذا يُفني الواحدُ الآخر!. الوجود، والحال هذه، يستبين عدميًّا غبيًّا، إذ يتوق إلى الموت!. كلُّ مَن يقتات بالموت مائت!. فكرٌ، كهذا الفكر، عندنا، ناتج سمّ الحيّة المنفوث في أذن آدم وحوّاء باحتيال، أنّهما، بضرب الصّفح عن الله، تنفتح أعينُهما ويصيران عارفَين بالخير والشّرّ كالله عينه!. ما كان بإمكان الشّيطان أن ينكر، يومذاك، وجود الله، لأنّ الإنسان كان يعرف الله. ولكنْ، كان الشّيطان يعرف، بالخبرة، أنّ الخروج عمّا لله لا بدّ أن يفضي إلى موقف كيانيّ داخليّ عميق، يحمل صاحبَ هكذا موقف على السّلوك كأنّه ليس إله، ولو عرف، تجريدًا، أنّ ثمّة ألوهة موجودة!. يلغيها!. يعطّل فعلَها فيه!, يقتلها في النّيّة ولو كان أعجز من أن يلغي الله من الوجود!.

    من طبيعة الشّرّ أنّ معرفة الخير والشّرّ تبدأ كذلك، أي معرفة شرّ بعد خير، ثمّ تتقلّص معرفة الخير حتّى الإمّحاء، ولا تبقى إلّا معرفة الشّرّ!. في قلب الكائن، إمّا يَطرح الخيرُ الشّرَّ إلى خارج، وإمّا يحصل العكس!. لا يتعايشان!. فإذا ما أدار المخلوق ظهره للخالق، فالمحصّلة، حتمًا، أن يموت الخيرُ، وتتملّأ النّفس من الشّرّ!. إيمان بلا فعلٍ إيمانٌ ميت!. الشّيطان يؤمن بالله ويقشعرّ!. رغم ذلك قلبُه ملحد على عداوة لله، وفي ذلك تناقض عجيب لا يفقهه عاقل!. هذه سيرة الكيان المعاند، يصرّ على إثبات ذاته، سلبًا، بالرّفض والعداوة والعناد حتّى الموت!. هذه روح إبليس: يحبّ ذاته ولا أحد إلّا ذاته ولو عرف أنّه عدم ومن العدم يأتي وفي العدم يرتع!. هذه حكاية الكيان العدميّ متى آثر ذاته على الله!. لذا، كان القول بناموس الطّبيعة، من دون الله، فعلًا شيطانيًّا!. ما يهمّ ليس العلم، أيّ علم، بل بأيّ روح، في القلب، تقرأه!. العِلم ليمجِّد الله، فإن كان ليمجِّد الإنسان فلا أدلّ من أن يكون الشّيطان قد وضع اليد عليه، ليدفع بالإنسان، في الفكر، إلى طمس الله في قلبه، ولو قال به، تمهيدًا لحمله على السّجود له، أي للشّرّير، لأن هذه روح إبليس إيّاها!. إن في موت الإنسان، في الرّوح، الموت الثّاني، بعد الجسد، للشّيطان، متعة ولا أمتع، بها يلذّ لإبليس أن "يَسخر" من مسيح الرّبّ، أستغفر الله(!)، ولو عَدِم كلّ قيمة لوجوده!. مسرّته كائنة في الظّلمة والموت!.

    لذا أعود فأقول إنّ ربّك حاضر في كلّ حال وفي كلّ شيء!. طبعًا، ليس حاضرًا في الخطيئة، لكنّه حاضر في الخاطئ وإليه!. الخطيئة، أصلًا، ليست من الخَلْق، بل موقف من الله، وتاليًا ممّا خَلَق. ظلمةٌ، لا وجود لها، في ذاتها. تصير قوّةً بمقدار ما يقتبلها الكائن. وساعة يرذلها تستبين لا شيءَ، كالعتمة متى أشعلتَ النّور!. ناموس الطّبيعة في يد ربّك. مسخَّرٌ هو لمقاصده. يعمل فيه ومن دونه. يقود الكلّ، خيرًا وشرًّا، إلى حيث رسم. الخير ينقاد إليه من ذاته لأنّه نَفَسُه. والشّرّ، مهما استبان ذكاؤه، كان غبيًّا، لأنّ الخليقة لا تسير بقوّة ذكاء المخلوق بل بقوّة حكمة الخالق!. حكمة الله قرينة محبّته، وذكاء المخلوق، من دونها، قرين الخطيئة، أي اللّاحبّ!. فإذا ما كان ذكاء المخلوق آلة في يد  الخطيئة، أي حبّ الذّات، كان مآله، لا محالة، القتل والموت!. الخطيئة، في نهاية المطاف، بما أوتي صاحبها، تدمِّر ذاتها بذاتها!. هذا حتميّ مهما كان وعدُ ذكاء الخطيئة مقنِعًا!. الإقناع، في هكذا سياق، في المدى الأخير، إيحاء ذاتيّ وجماعيّ، ولا علاقة له بالحاصل!. لا بالعقل والذّكاء، بل "بالحكمة أسّس الرّبّ الأرض" (أمثال 3: 19)!. ليس الذّكاءُ الضّابطَ الكلّ، بل الحكمةُ ومفاعيلُها؛ والحكمة إسم من أسماء يسوع!. الشّرّ، مهما كان ذكيًّا، حفرة يقع فيها صاحبها، كمثل ما عبَّر مرنِّم المزمور السّابع: "ها هوذا الشّرّير قد تمخّض بالشّرّ. حبل عناء وولد إثمًا. احتفر حفرة وعمّقها فيقع في الهوّة الّتي صنعها لغيره. يرتدّ عناؤه على رأسه ويسقط شرّه على هامته" (14 - 16)!. وفي النّهاية، لا تؤذي الخطيئة إلّا مقترفها، ويعرف الضّابط الكلّ أن يحوِّل مفاعيلها، من حيث لا يدري الخاطئ والشّرّير، إلى خير؛ وما شاءه مقاوموه لتعطيل مقاصده يستبين خادمًا لها ومعينًا عليها، في عالم أحبّ الخطيئة وصلب الحكمةَ، مسيحَ الرّبّ؛ كمثل القيامة خرجت من لعنة الخشبة!. من قِبَل الرّبّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا!.

    ليس شيء قائمًا، أو يحدث، بناء على ما أوردناه أعلاه، إلّا وإصبع الله فيه. الأهمّ من القراءة التّاريخيّة والحدثيّة والعلميّة، القراءة الحِكميّة!. الوقوف عند حدود التّاريخ والحدث سرد غبيّ، مهما جيّشت له من معطيات وبيِّنات. والوقوف عند حدود العِلم غرور. ما لم تقف على حركة البشريّة، أمسًا واليوم، وحركة ربِّك فيها، أي ما لم تقرأ بروح الله، حكمة الله في خلقه، فإنّك تبقى، بلا شكّ، أسير التّفه. وإن أقنعت الإنسان بشتّى نظريّاتك العدميّة، فإنّك لا تكون قد قطعتَه، فقط، عن ربّه وكلمته، تكون، إلى ذلك، قد أهنته، كخليقة الله، على صورته ومثاله، وشيَّئته!. مَن لا يأخذ روحًا، لا يستطيع أن يرى روح الله في كلّ شيء!. طبعًا، هذا لا علاقة له بالحلوليّة!. آباؤنا ميَّزوا بين جوهر الله وقواه/أفعاله. هو حاضر في قواه كما هو حاضر في جوهره. ليس من جوهره كأنّ جوهره سابق له، بل جوهره قائم فيه، وقواه أيضًا!. كلّ شعرة في الرّاس منه ولا تسقط من دونه!. "شعرة من رؤوسكم لا تسقط إلّا بإذن أبيكم السّماويّ". هكذا كلّ خلْقِ الله تفصيلًا!. كلّ شيء منه وإليه!. هذه حكمة الله في ما خَلق!. طبعًا، بالحرّيّة يقدر الإنسان، أو قل أعطي له، أن يقاوم الله، إن أراد!. لكنّ المقاومة جحيم!. في هذا الإطار، هناك حياة وحياة. الحياة الأولى أن تنمو في تناغم، بالحبّ، مع ربِّك والطّبيعة، كما خلقها. هذا ينقلك، بموت الجسد، إلى الحياة الأبديّة. والحياة الأخرى تقاوم فيها ربّك وطبيعتك. هذا، بالعناد، إذا ما استمرّ للأخير، ينقلك إلى الموت!. ولكن، ثمّة موت وموت. الموت الأوّل هو بالجسد والموت الثّاني هو بالرّوح، إنقطاعًا عن الله!. هذا الأخير، جرى التّعبير عنه، في سِفر الرّؤيا، على النّحو التّالي: "أمّا الخائفون وغير المؤمنين والرّجسون والقاتلون والزّناة والسّحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم في البحيرة المتّقدة بنار وكبريت، الّذي هو الموت الثّاني" (21: 8).

    ليس لأحد ولا لشيء، هنا، قيمة في ذاته. سِفر الجامعة أعلن ذلك بوضوح: "كلّ ما تحت الشّمس باطل".!. القيمة هي في أن تتعاطى الجميعَ للخلاص، للحياة الأبديّة، أو كما عبّر الرّسول بولس، ببلاغة أخّاذة، "في المسيح".!. هذا لأنّ كلّ شيء قائم، أصلًا، نحو تحقيق مقاصد الله، في خلقه. الكلّ منصبّ على المسيح، مجعولًا ليحدِّث عن المسيح، ليكون مشدودًا إليه. الخليقة كلّها برأها ربّها للعبور من مصر إلى أرض الميعاد. يسوع أرضُ الميعاد.!. أرض الأحياء.!. لذلك "في المسيح" تبلغ السّماءُ والأرضُ مرتجاهما. "نَفَس أنوفنا مسيح الرّبّ".!. الموضوع ليس: "ماذا تقرأ"؟. الموضوع هو: "كيف تقرأ"؟. الخبز، في نهاية المطاف، تراب ومن التّراب.!. لكنّك متى تناولته "في المسيح"، باعتبار أنّ يسوع مبتغاه، جعله ربّك لك مركبة ناريّة إيليّهويّة!. هذه سمة يسوع الكلمة، الخبزِ النّازلِ من السّماء، الّذي يأكل منه الإنسان ولا يموت. فلا عَجَب إن قيل: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله". كلّ مخلوقات الأرض أُعطيت بالكلمة، بيسوع، أن تخرج من فمه كلمات.!. في الخليقة، نتعاطى الرّمزيّة المطلقة لا بمعنى أنّ الأرض تشير إلى السّماء، بل بمعنى أنّ الأرض حمّالة للسّماء، موطنٌ، هيكلٌ، جسدٌ لله. قبل أن يتّخذ ابن الله لذاته جسدًا بشرًا من حشا مريم البتول، أطلق كلّ ما في الخليقة من العدم ليكون له حشا.!. الخليقة كلمات لم تخرج من فم الله إلّا لأنّها خرجت من حشاه لتصير له حشا؛ ليصير الآب السّماويّ، لها، في نهاية المطاف، الكلَّ في الكلّ.!.

    حكمة الله لا نفقهها. فقط نقتبلها ونسخّر كلّ فهم لها.!. هذا، بالذّات، ما يحدثه الإيمان بابن الله.!. بالإيمان، الّذي هو أسمى ما في الإنسان، وأعمق ما فيه، لأنّه أساس علاقة الكائن بالكائن، يبلغ الإنسان فهمًا يفوق كلّ عقل وقول.!. يترجّح العقل بين الثّرثرة والغرور، ويترجّح الإيمان بين الصّمت الأكبر والعَجَب.!.

    أمّا بعد، فنصيب الإنسان أن يصير إلهًا، في يسوع، أو تَفِهًا.!.



الأرشمندريت توما (بيطار)

رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ

14 كانون الثّاني 2018

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share