"لنطرح عنّا كلّ اهتمام دنيوي"... حالة فردوسيّة... الحياة الرّوحيّة هي رجوع إلى الحالة الفردوسيّة.(الأب الياس مرقص).جوهر صلاة القدّيس أفرام السّرياني هو روح العفّة: ابتغاء الرّبّ وحده، البقاء في الذّهن العميق نحو الرّبّ ومعه وحده، متجاوزين كلّ شيء آخر.(الأب الياس مرقص). تتطلّب حياتنا يقظةً هائلة،لأننّا بمقدار ما نتمّم الأعمال والفرائض والواجبات، نزداد كبرياءً في العمق، كبرياء خفيّة في داخلنا. لذلك ترانا يذلّنا الله في صلاتنا وجفائنا وضيقتنا.(الأب الياس مرقص).متى نحسّ بالرّحمة العظمى؟. إذا كان الجسد تعبًا كلّ التعب،والرّوح منكسرًا كلّ الانكسار... بكاء ورحمة... بنعمة الرّبّ.(الأب الياس مرقص).كما أنّ الحبّ المتقطّع للمحبوب لا معنى له، ولا قيمة ثابتة حقيقيّة له، كذلك هي الصّلاة غير الدّائمة.(الأب الياس مرقص).
نقاط على الحروف
الكنيسة كما نعرفها

         الكنيسة، ما هي؟ الكنيسة، بلغة الكتاب المقدّس، هي جسد المسيح، ملء الذي يملأ الكل في الكل (أف 1: 23). المسيح عرفه الرسل بالجسد كما يعرف الناس بعضهم بعضاً. بعد ذلك، أي بعد موت المسيح وقيامته وصعوده إلى السماء، لم نعد نعرفه في الجسد (2 كو 5: 16). صرنا نعرفه في الروح. ماذا يعني ذلك؟ أنا وأنتم الآن في جو ملؤه الهواء. الهواء يحتفّ بنا من كل صوب، وهو، إلى ذلك، فينا بالتنفّس. الهواء حياة. من دون هواء لا إمكان حياة على الأرض. كل شيء فينا بحاجة إلى هواء. دمُنا، الذي يتخلّل كل أعضائنا وخلايانا، بحاجة إلى هواء. هذا هو المناخ، هذا هو الجو، هذا هو العالم الذي نعيش فيه. الكنيسة شبيهة بهذا الجو، بهذا المناخ، بهذا العالم. ما هو العالم الذي نعيش فيه بحسب الحواس هو الكنيسة التي نعيش فيها بحسب الروح. الهواء الروحي الذي نسبح فيه في عالم الكنيسة هو الروح القدس. المؤمن يستنشق هواء الروح القدس. من دونه لا يمكنه أن يوجد في الكنيسة. طالما نحن، بالإيمان، في هذا الجو الروحي، فإنّ هذا الجو هو الذي يجعلنا، دائماً، في المسيح، أي هو الذي يجعلنا في صلة مباشرة حميمة بالمسيح. أنا وأنتم ماثلون الآن في الهواء. لو لم يكن الهواء فينا ويغلّفنا لما كان بإمكان الواحد أن يقف قدّام الآخر، لما كان بإمكان الواحد أن يكون موصولاً بالآخر. نحن والمسيح، الآن، قائمون معاً في الهواء الروحي، أي في الروح القدس. الروح القدس هو الذي يعطينا أن نوجد في إزائية مع المسيح وفيه، هو الذي يجعل علاقتنا بالمسيح ممكنة، هو الذي يجعلنا نتبادل وإيّاه المودّات، هو الذي يجعلنا في علاقة محبّة معه، هو الذي يجعلنا نتّحد وإيّاه في الروح. هذه البيئة التي تجمعنا في الروح القدس بالمسيح إلى الآب السماوي، نحن المؤمنين به، هي الكنيسة. كل ملء اللاهوت هو في الكنيسة. فيها نعرف الآب والابن والروح القدس. كما الأعضاء في الجسد كذلك المؤمنون في الكنيسة. هذا هو معنى أنّ الكنيسة هي جسد المسيح. المؤمنون قائمون، مقيمون في الكنيسة. لا ليست الكنيسة تركيبة اجتماعية تراكمية. أنا وأنت لا نشكّل الكنيسة. أنا وأنت، إذا كنا مؤمنَين، ننتمي إلى الكنيسة، نصير منها وفيها. وإن لم نكن مؤمنين لا نكون منها ولا نقيم فيها.

       الكنيسة حقيقة روحية غير منظورة، لكنها تُرى في المنظورات وتُحَسّ في المحسوسات. متى سلك المؤمنون في الفضائل المسيحيّة، متى سلكوا في الكلام الإلهي، إذ ذاك تتجلّى الكنيسة في مواقفهم، في تصرّفاتهم، في فكرهم، في ما يكتبون، في ما يقولون. بغير ذلك لا إمكان أن تكون الكنيسة معروفة بين الناس، مفتوحة لهم. ليست الكنيسة، إذاً، مجموع المؤمنين. فكرة الكثرة والقلّة لا تؤثّر في طبيعة الكنيسة ولا في هوّيتها. قد تتجلّى الكنيسة حسّياً في ملايين الناس وقد تتجلّى في شخص واحد. لا هذا ولا ذاك يؤثّر في وحدتها ولا في حقيقتها. الكنيسة تكون أنت منها أو تكون خارجها. الإيمان بالكنيسة الواحدة يتخطّى المجموعات البشريّة. الكنيسة واحدة أولاً لأنّها جسد المسيح ولأنّ فيها الروح واحد، وفيها الآب السماوي أيضاً، وهي تضمّ كل الذين انتموا إلى الله أو ينتمون. هناك كنيسة واحدة تتجلّى في أمكنة مختلفة ومجموعات مختلفة. كل الذين ينتمون إلى الكنيسة الواحدة هي كنائس محلية تتمثّل وحدة الكنيسة على تفاوت، فيما بينها، في المواهب واللغات والثقافات. وحدة الروح، وحدة النَفَس، هي التي تجعلها واحدة. ووحدة الروح هي قرينة وحدة الإيمان والوجدان والحياة الداخلية. لا الثقافات الواحدة ولا النصوص الواحدة ولا الهيكليّات الواحدة تجعل الكنيسة واحدة. بالعكس الكنيسة الواحدة هي التي تنعكس روحاً واحدة في الثقافات، على تعدّدها، كما تنعكس نصوصاً واحدة وهيكليات واحدة. على أنّ العكس لا تنجم عنه كنيسة واحدة ولا وحدة كنيسة. الكنيسة، في وحدتها، حقيقة داخلية روحية، تنبعث من الداخل إلى الخارج ولا يحقّقها اتحاد الناس أو اتفاق الجماعات في مستوى المؤسسات الثقافية أو الفكرية أو الهيرارخية البنيويّة.

       ثمّة مَن يظن أنّ الكنيسة ليست واحدة لأنّ الناس منقسمون، أو أنّها واحدة بصورة غير منظورة وليست واحدة بصورة منظورة. وثمّة مَن يعتبر أنّ الاتفاق في النصوص يحقّق الوحدة، أو أنّ الوحدة في الرئاسة والإدارة هي الأساس، أو غير ذلك من اعتبارات. كل ذلك ليس مؤشّراً، بالضرورة، لوحدة الكنيسة. قبل أن تكون الكنيسة نصوصاً وهيكليات ورئاسات، الكنيسة وجدان واحد هو إياه الوجدان المنحدر إلينا من الرسل والقدّيسين. هذا هو وجدان الكنيسة الأرثوذكسية. في هذا الوجدان العقيدة واحدة ومكوّنات الحياة الداخلية واحدة، والروح واحد والخبرة واحدة والعبادة واحدة والهوية الروحية واحدة. إذا لم يكن الوجدان واحداً فعبثاً نبحث عن وحدة كنسيّة بين المجموعات المعتبرة كنسية، هنا وثمّة.

       هذا وكثيراً ما يُنظر إلى الحوار كسبيل لتحقيق وحدة الكنيسة. الوحدة التي يبحث عنها أكثر الناس وحدة دهرية لا الاندماج في الكنيسة الواحدة ذات الوجدان التراثي الواحد، وحدة دهرية ذات طابع سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو إداري. ولا غرو فالناس مائلون إلى الوحدة فيما بينهم لأن في الوحدة قوّة، وليس كل وحدة بين المؤمنين وحدة كنسيّة. الوحدة الكنسيّة ذات علاقة بالملكوت، بالخلاص، بالحياة الأبدية، بالتألّه... هذه للكثيرين، في هذا الدهر، أمور لا تثير الاهتمام. الوحدة التي تعنيهم، بالأحرى، هي وحدة الشعوب، وحدة القوميات، وحدة المصالح، وحدة الأعراق، وحدة الثقافات... لذا يتّخذ الكثيرون وحدة الكنيسة واجهة أو ستاراً لوحدات بشريّة يتوخّونها. الوحدة الدينية، بطبيعتها، قويّة في النفوس، جذّابة، وهي شعار ممتاز لمَن يتوخّون ضمّ الشعوب والجماعات بعضها إلى البعض الآخر، أو توحيدها لمواجهة مجموعات دينية سياسية اجتماعية أخرى أو لتوحيد العالم. وليس أدلّ على ذلك من تصنيف الحوارات الدينية أو الصراعات بين الديانات اليوم من حيث هي حوارات أو صراعات بين ثقافات وحضارات. الدين أصبح، في الأذهان، حالة ثقافية حضارية. إليها تعاد أكثر الحروب اليوم. لذلك لسان حال مخطّطي السياسة في العالم اليوم: وحّد الديانات تخفّف الصراع بين الشعوب! من هنا أنّه كثيراً ما تشتمل الحوارات الدينية على موضوعات دهرية أو ترد تحت عناوين دهرية كالسلام والبيئة والتوتّر بين الأعراق والشعوب. الحوار بين الشعوب شيء والحوار الكنسي شيء آخر. نتحاور كنسياً لنستعيد معالم الوجدان الكنسي الرسولي لنسلك فيه، فيما نأتي إلى الحوار بين الشعوب لنصنع سلاماً إذا ما كنا أبناء السلام. هذا الخلط، في العالم، بين ما لله وما لقيصر غير مقبول ولا قيمة له في مستوى الروحيات. هذا يدخل في نطاق الدهريات. والجواب عليه أن "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". في الإلهيات نبحث عن حياة الإنسان مع الله وفي الدهريات نبحث عن علاقة الإنسان بالإنسان. هذان لا خلط فيهما للواحد بالآخر. نهتم بتلك لأنّنا نبحث عن معنى لوجودنا كبشر في هذا الدهر وإلى الأبد. أما هذه فنبحث فيها عن تدبير شؤوننا بالتي هي أحسن عسانا إذا ما اجتهدنا نجعل الأرض إيقونة للسماء، وعسانا نعبّر عن محبّتنا لله بمحبّتنا للناس، أقرباء أو غرباء.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

14 كانون الثاني 2007
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share