فلنسلك مع كلّ نفس أخرى وكأنّها عروس محبوبة ليسوع الحبيب. (الأب دامسكينوس ماكرينو).عندما نقول: "العشق الإلهيّ"، فنحن نعني بهذا إفراغًا كليًا لوجودنا، إفراغ ذات إلى محبّةالله. إنّ نفسك تعبد الله لأنّها تعشقه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الله قابل للرّؤية في البساطة، ونستطيع أن نكون في علاقة مباشرة معه بمعرفة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ السّعي وراء الله مطاردة جميلة، ومبهجة، داخل الغبطة، ونحن جميعًا صيادون هنا في الدّاخل نبحث عن الله لنجده. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ من يحرّك قدمَيه فيخطو، يمشي ويبلغ إلى الله. أما من يجلس من دون أن يسعى فلن يصل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
نقاط على الحروف
أجداد وأنسباء
جُدُدٌ وعتقاء!

     هذا الأحد المبارَك معروف، عندنا، بأحد النّسبة. شجرتا عائلةٍ تعبِّران عن أنساب الرّبّ يسوع المسيح بالجسد. الكنيسة المقدّسة اقتبلتهما كليهما لأنّهما تتكاملان: الشّجرة الّتي أوردها متّى الإنجيليّ، والشّجرة الّتي أوردها لوقا الإنجيليّ. الأولى (مت 1: 1 – 17) تنزل من إبراهيم إلى المسيح، مرورًا بداود الملك؛ والثّانية (لو 3: 23 – 38) تصعد من يسوع إلى آدم ابن الله. ليست دقّةُ النَّسَب هي المتوخّاة، لأنّ لائحتَي الأنساب، هنا وهناك، متباينتان، بل فكرة النَّسَب، أنّ الرّبّ يسوع المسيح ينتسب، في اللّحم والدّم، إلى أمّة إسرائيل الكتابيّ، من ناحية، وإلى بني آدم، من ناحية أخرى. ولهذا معانٍ. متّى يتكلّم على المسيح، فيما يتكلّم لوقا على يسوع. الواحد همُّه الشّهادة أنّ هذا هو نجاز وعد الله لإبراهيم لما قال له: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض" (تك 22: 18)؛ وهذا هو مسيح الرّبّ الّذي يحقِّق وعد الله لداود بناثان النّبيّ: "كرسيُّك يكون ثابتًا إلى الأبد" (2 صم/ 2 مل 7: 16). والآخر همّه أن يؤكِّد أنّ هذا هو إيّاه الّذي به يأتي الخلاص الّذي أعدّه الله قدّام وجه جميع الشّعوب، وفق قوله في إشعياء النّبيّ: "قد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض" (إش 49: 6).

     في أحد النّسبة، إذًا، إثباتٌ لأنّ الرّبّ يسوع المسيح هو من الله، بالوعد المحقَّق بروح القدس، ومن الإنسان، حاملِ معاناة الألم والموت. هذا هو الآتي بالرّوح القدس من مريم البتول! هذا هو الإله – الإنسان! فيه ملء اللاّهوت وملء النّاسوت! كلّ ما هو من فوق مصبوب فيه، وكلّ معاناة أهل الأرض اتّخذها! صار واحدًا، في أعماق الكيان، وكلِّ أحد، هو الكائن واحدًا، في الجوهر، مع الآب والرّوح القدس، منذ الأزل! "أحزاننا حملها"، كما قال إشعياء، "وأوجاعنا تحمّلها... سكب نفسه للموت... وهو حَمَل خطيئة كثيرين وشفع في المذنبين... مسرّة الرّبّ بيده تنجح... وبمعرفته يبرِّر كثيرين..." (إش 53: 4، 12، 10، 11).

     المذكورون في أحد النّسبة ليسوا كلّهم أبرارًا. هم، عمليًّا، عيِّنة البشريّة، مع تأكيد مَن أرضى الله منهم. مقاصد الله يحقِّقها لا فقط الأبرار بل الأشرار، أيضًا، وإن كانوا لا يعلمون، وقصدوا الأذى! لا فقط إبراهيم، بإيمانه، عمل للخلاص، بل اليهود الّذين صلبوا مسيح الرّبّ، أيضًا. الله يحوِّل سُمَّ الحيّة ترياقًا! في كلّ حال يبرِّر الرّبّ الإله الفاجر إن آمن وعاد عن غيِّه! في ذاته، ليس بارّ ولا واحد. الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله!

     هذا يجعل المحسوبين من أنساب الرّبّ يسوع بالجسد في تداخل والمعَدِّين من الأجداد الّذين ذكرتهم الكنيسة المقدّسة الأحد الفائت.

     في ذِكر الأجداد كان الكلام، في الخدمة الإلهيّة، على الّذين أرضوا الله قبل الشّريعة وفي الشّريعة. بعض هؤلاء على صلة مباشرة بالشّعب العبريّ كإبراهيم، والبعض الآخر يأتي كمن خارج هذا الشّعب، رمزًا لشهادة الشّهود الّذين بثّهم الرّبّ الإله في كلّ أمّة، على ما ورد في سِفر أعمال الرّسل، كملكيصادق. في كلّ البشريّة، كان انشدادٌ صوب الآتي! اليهود تشوَّفوا إليه بالوعد، والأمم بالشّوق؛ اليهود بناموس موسى والأنبياء، والأمم بناموس الطّبيعة وحكمة الحكماء.

     على أنّ في ذِكر الأجداد بُعدًا تاريخيًّا، من حيث إنّ مَن ورد الكلام عليهم كانوا قبل الشّريعة وقبل يسوع، وبُعدًا وجوديًّا أيضًا. ليس ما يمنع النّظر إلى الأجداد أفقيًّا وعموديًّا في آن، أفقيًّا بمعنى الـ"قبل" والـ"بَعد"؛ وعموديًّا بمعنى النّظرة من فوق أو من الكائن في اليوم الأخير، في الدّينونة. هذا يجعل مَن لم يعرفوا مسيح الرّبّ، كابن الله المتجسِّد، في الزّمن الرّاهن، في عداد الأجداد، وجوديًّا. هذا يشمل غير المسيحيِّين، بمَن فيهم بعض اليهود المعاصرين، مَن احتدّ فيهم الشّوق إلى المخلِّص وإلى الحقّ وعانوا تشويشَ ما وُلدوا فيه ونشأوا عليه في أوساطهم الدّينيّة، ودهريّةَ هذا الدّهر. إلى ذلك ليس كلّ مَن دُعي "مسيحيًّا" مسيحيًّا في الحقّ، اليوم، ولا يُعتبر من أنسباء الرّبّ يسوع بالرّوح، أيّ أقربائه، بالمعنى الّذي أورده الرّبّ يسوع بالذّات جديدًا، لمّا قال: "مَن يصنع مشيئة أبي الّذي في السّموات هو أخي وأختي وأمّي" (مت 12: 50).

     هذا يجعل غربلةً وجوديّة في المفاهيم، اليوم، استنادًا إلى واقع الحال. العديد من المسيحيّين، من سلالة الرّبّ يسوع الرّوحيّة، يُلقُون بأنفسهم في الارتداد الكبير (2 تسا 2: 3)؛ هذا واقعُ قسمٍٍ ليس بقليل من أوروبا، اليوم، مثلاً! هؤلاء ليسوا، بعد، من النّسبة لأنّ النّسبة لم تعد في الجسد بل في الرّوح. هذا فيما يُطلّ أجداد جدُد في مَن يؤرقهم التّوق إلى الحقّ وإلى الخروج من الظّلمة وظلال الموت، أقول يُطلّون على الآتي، منسيًّا، إلى مذود التّاريخ من جديد؛ بعدما هجره الكثير من ذويه ليقيموا في نَزْل هيرودوس الرّاحة إلى شؤون هذا الدّهر ونبذوا الملكوت!

     لا شكّ أنّ صلة القبيلة بين المسيحيّين، هنا وثمّة، تشوِّش على الانتماء الأصيل إلى مسيح الرّبّ. وإن شاء المرء أن يَصدُق في الشّهادة للحقّ، اليوم، لبَان له أنّ انتماء الأجداد المعاصرين أدنى إلى انتمائه لمسيح الرّبّ من الّذين لم يبق من انتمائهم إلى السّيّد غير الاسم.

     من سنوات مضت، نزلت إلى العقاريّة لاستخراج صكوك ببعض ما للدّير. طالعني إنسان غير مسيحيّ لا أعرفه. قدَّم لي لطفًا وقهوة، وعَمِل لتلبية طلبي ثلاث ساعات متواصلة، ثمّ سلّمني الكلّ وودّعني باللّطف عينه الّذي استقبلني به، بعدما أعلمني أنّ أباه، قبل رقاده، أوصاه بأن يَلْطَف بذوي الإيمان بالله، كائنًا ما كان إيمانهم، وكأنّهم إخوة له. وحصل لي، أيضًا، بعد حين، أن لاحقتُ معاملة مساحة خاصّة بعقار من عقارات الدّير. كان الموظّف من "مِلّتي" كما يقولون، فلمّا يسهِّل لي الأمر رغم أنّ كلّ ما فيها كان قانونيًّا. رغب برشوة وأصرّ، ولو كنّا ديرًا! مَن تراه أدنى إلى مسيحي الّذي أنا له؟! أجداد جدد آتون يتبعون نجم الحقّ ليسجدوا لطفل المغارة!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

18 كانون الأول 2011
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share