بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
الزمن الجديد

       في الزمن الجديد كل شيء حاضر. ليس ماض. أمور الأمس لا تموت، لا تتوارى، لا تُنتَسى. الزمن الجديد حاضر دائم. لا ماض له ولا مستقبل. لذلك لا أحلام ولا تصوّرات لأنّ الإنسان لا ينتظر شيئاً من الخارج. الكل معطى له داخلياً. ينمو. لا شك أنّه ينمو في النعمة والقامة. يسير من مجد إلى المجد. في حركة. في جدّة. لذلك يكون في دهش. يختبر الزمن وقد توقّف ومع ذلك يسير في حركة كيانية لم يعرفها في إنسانه العتيق في الملء. الحركة من ملء إلى ملء أكبر. حضور لنعمة الله فيه ومع ذلك يكون في حركة فيها، أي في النعمة، إليها.

        الزمن القديم زمن يختلس منكَ الحياة كل يوم قليلاً. في الزمن الجديد أنت تَعُبّ من الحياة إلى الأبد. في العتاقة الحياة وعد يكتنفه الموت. في الجدّة الحياة واقع ثابت ممتدّ إلى الملء. في الزمن القديم السير إلى الأمام تقدّم إلى نهاية المسير. في الزمن الجديد السير إلى الأمام تقدّم إلى بدايات لا تتوقّف. دائماً ثمّة ما تنفتح عليه الحياة. تعرفه ولا تعرفه. يأتيك من عمق إحساسك لكنّه يأتيك جديداً، مدهشاً أبداً.

        إذا ما كان الزمن العتيق ليُقاس بما بين حدثٍ وحدث، ما كنتَ عليه وما تؤول إليه، فالزمن الجديد لا قياس له لأنّه ليس رباطاً بين أحداث، بل هو حالة تنمو وتنفتح على الآتي بتواتر. والآتي نور وأنوار تتكشّف من أعماق الله ومحبّته الفيّاضة. أمواج تلو أمواج من حضرة الله. "ما لم ترَ عين ولم تسمع به أذن ما أعدّه الله للذين يحبّونه".

        في الزمن المائت أنت في خشية من الآتي. لك ألف سبب وسبب أن تكون في مخافة وقلق. واقعك خسران ما لديك ولو ربحت العالم كله. لذلك الزمن العتيق واقع مشبع بالأحزان تُسلي نفسك عنها بالوعود والتصوّرات والتخيّلات. الزمن الجديد ليس كذلك. أنت إليه في فرح ورجاء. كل شيء يأتيك فيه ليزيدك أنعاماً وبركات. لا ما تخسره في الزمن الجديد لأنّك رائحة المسيح.

        هذا الزمن الجديد تذوقه منذ الآن. تدخل فيه بالنعمة. لذا تختبر الأبدية وأنت في الموات، وأنت فيه عالم بأنّك آتٍ إليه في ملءٍ كلما نَقُصْتَ في هذا الدهر. لأنّك فيه وفي الزمن العتيق في آن تأتيك الحياة في الموت وعبره. يأتيك الفرح في الحزن ومن خلاله. لذا يصير الموت لديك محيياً والحزن بهياً. تختبر أنّ ثمّة ما يشدّك دائماً إلى الموت. إنها حركة الطبيعة الساقطة فيك. لكنّك تختبر أنّك وأنت في انحدار، في تناقص، في توارٍ، ثمّة فيكَ ما ينمو ويكبر إلى نور جديد، إلى حياة جديدة، إلى نعمة تزداد. لذا الحركة الداخلية للموت فيك يتغيّر اتجاهها. يصير الكل للفرح، لحياة تتجدّد. يخضع الموت لناموس الحياة الجديدة بنعمة الله بعدما كانت الحياة قد استُعبِدَت لثقل الموت.

        الذين لا يعرفون المسيح لا يعرفون الزمن الجديد لا هنا ولا هناك لأن الزمن الجديد قياسُنا بالمسيح إلى المسيح. فالذين لم يأتوا إلى المسيح يثبتون في عتاقتهم. يسيرون أبداً إلى موت. وبعد الموت يكونون من موت إلى موت إلى الموت الأبدي. لا جديد عندهم. كل شيء يتفتّح لديهم على خسران، على تناقص. لا مَعين عندهم لحياة جديدة. الموت يصير لديهم حالة كيانية يكون فيها يسوع إليهم خارجاً لأنّهم أوصدوا أنفسهم دونه بعدما أفعموها ميولاً عنه إلى اجترار أنفسهم وما لهم. أهواؤهم ملأتهم. لذا تكون أهواؤهم عالمَهم. فراغ يلقيهم في فراغ. لم يعرفوا الخروج إلى النور. كانوا دائماً منشغلين بأنفسهم، لذا تكتنفهم الظلمات الداخلية.

        لا يمنع يسوع نفسه عن أحد، لكنّه واقف بالباب يدقّ فمَن يفتح له يدخل إليه ويتعشّى معه. أما الذين لا يفتحون له فيَقبل أن يبقى خارجاً عنهم. لكنّهم بإعراضهم عنه يحكمون على أنفسهم. لا يحكم هو عليهم. يستحيل حضور يسوع خارجاً إلى وبال عليهم. يلقون بأنفسهم في الجحيم. هذا، بالضبط، هو الجحيم أن نُبقي يسوع خارج حياتنا. أن نوصد أبواب نفوسنا دونه. لا نور، إذ ذاك، يدخل إلى حياتنا. نقيم في خطايانا. خطايانا تكون جحيمنا لأن فيها طعم العدم طالما رائحة الموت منبعثة منها أبداً. يسوع محبّة حتى للذين لا يحبّونه. فقط لأنّهم لا يمتدّون إليه لا تفعل فيهم محبّته. يسوع نور وعذاب. نور للذين يقبلونه، وعذاب للذين يُعرضون عنه. هي هي محبّته الواحدة تنعكس على هذا النحو في هؤلاء وأولئك.

        ليس الزمن العتيق من خلق الله ولا ناتج خلق الله. العتاقة آتية من الخطيئة، من الموت. ليست من طبيعة الإنسان. الزمن العتيق واقع غير طبيعي. وليد أهواء الإنسان. لذا كان الزمن العتيق مظلماً لا يأتي بجديد. واقعه أنّه يسير بالإنسان إلى العدم أبدياً. فالشكر ليسوع الذي انتَشل من العتاقة كل الذين آمنوا به وأحبّوه.

        في السنة الجديدة، رجاؤنا أن يملأنا ربُّنا ومخلِّصنا من حضوره في حياتنا كل يوم. أن يصير كل قول وعمل وفكر فينا إلى يسوع عسانا به نقتني تلك الحركة إليه، إلى حياة جديدة إلى فرح لا يعتريه فساد، إلى رجاء لا يخبو. يا فرحي! الأشياء العتيقة تمضي، هوذا كل شيء يصير جديداً. جديدنا القدّيسون وأفراح الأعياد التي تُحضر يسوع لدينا وتحضرنا أمام يسوع، بلا همّ. الكل معطى لنا لنتخطّى الموت وروائح الموت. حتى الموت صار في المسيح إطلالة على فرح جديد وحياة جديدة وزمن جديد!

                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

30 كانون الأول 2007
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share