روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
نقاط على الحروف
اللاّهوت المفتقَد.!..

    الشّدّة في ظروف الحياة خير من السّهولة!. والتّعب خير من الرّاحة!. والضّيق خير من اليُسر!. هذا ليس منطقًا بشريًّا!. هذا بعض من لاهوتنا المفتقد!.

    النّاس يطلبون طيب العيش والرّغد في الحياة. يميلون، بالأحرى، إلى تعظّم المعيشة، ميلًا تلقائيًّا. الطّعام اللّذيذ واللّباس الفاخر والمنزل الفسيح المريح يعني لهم الكثير. الجمال يغويهم!. ولكن، أيّ جمال؟. الحسن في الهيئة، في المشام، في الطّلّة، في الظّرف، في النّظافة، في التّرتيب، في التّهذيب... الجمال في التّناسق المبين في العالم من حولهم. والقنية، بالدّرجة الأولى، لما يشتهون، تعني لهم الكثير. الفقر عندهم علامة الضّعف، وسيماء اللّعنة...

    هذا هو الإنسان، إنسان هذا الدّهر!. يتكنّى بما يملك، وبما يشتهي ممّا للنّفس والجسد. والعقل؟. ماذا عن العقل؟. عقله في أهوائه!. علمُه في جيبه، في متعه، في رغباته، في طموحاته... ثقافته، بالأحرى، في مجده الباطل!. الإنسان، والحال هذه، قَدْرُهُ بما له، بما يعرف، بما يتسيّد به، بما يتعظّم فيه... على هذا، ليس هو مَن يعطي الأشياء قيمة، بل الأشياء هي الّتي تعطيه قيمة!. يستمدد معنى لوجوده ممّا هو عابر، زائل، مائت!. لذا لا غرابة إن قلنا إنّه، في عمق كيانه، يحبّ الموت!. يطلب الموت باسم الحياة!. حياته ينفقها، لا بل يبدّدها على الموت... على رموز الموت!.

    يسلك كأنّه يحبّ الحياة، كأنّه يتمسّك بالحياة، كأنّه يحافظ على الحياة، حياته، وحياة مَن وما حوله. ولكنْ، ما دام يطلب الحياة في الموت، في ما هو مائت، ألا يكون، بالأحرى، محبًّا للموت، متمسّكًا بما يؤول إلى موت، محافظًا، في عمق نفسه، على نزعة الموت؟.

    في أحسن الحالات، يكتفي ابن هذا الدّهر بأن يكرّس نفسه للحياة العابرة، لذا قُوْتُهُ ممّا هو مائت!. إنسان الهوى حسبُه العابرات!. الحياة الأبديّة، لديه، وعد عرقوبيّ مُخْلِف!. في العمق، إنسان هذا الدّهر يعيش على اللّامعنى، ويكتفي به معنى!. لذا جرى توصيفه بلفظتَين تعنيان الأمر عينه: الجهل والغباء!. هذا قاله السّيّد، له المجد، في مَن أثمرت كورته، واحتار في ما يعمل. وهذا كان في معرض الكلام على الطّمع: "انظروا وتحفّظوا من الطّمع. فإنّه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله" (لوقا 12: 15). من هنا قول السّيّد، بعد تكثير الخبز: "اعملوا لا للطّعام البائد بل للطّعام الباقي للحياة الأبديّة" (يوحنّا 6: 27)!.

    الإنسان العتيق، إنسان الهوى، إنسان الخطيئة، إنسان هذا الدّهر، يعيش على الوهم!. حياته مجبولة بكذب الكذّاب، ويحسَب نفسَه كأنّه مقيم في الحقّ!. ما هو الوهم؟. أن تصدِّق الكذب!. وإن تصدِّق الكذب تصرْ جاهلًا غبيًّا!. علوم الدّنيا، في هذا السّياق، تكرّس الجهل بالأكثر، لأنّها تنفخ!. علم جزيل على زغل في رؤية القلب بنيان شاهق على الرّمل!. متى هبّت العاصفة، ولا بدّ من هبوبها، في أيّ لحظة، يسقط ويكون سقوطه عظيمًا!. لا يمكنك أن تقول: لم أعرف، لأنّك تعرف!. مشكلتك أنّك تعرف، لكنّ حسّك العميق بما تعرف غير فاعل!. السّبب: الخدَر، النّسيان، اللّهو، الخوف من الوقوع في الحزن، في اليأس، اللّارغبة في تغيير السّيرة... كلّ هذا من قوّة الهوى في النّفس!. إنسان الخطيئة يؤثر الوهم على الحقيقة!. يفضّل الباطل، مرحليًّا، على الحقّ!. و"مرحليًّا" يعني أنّ ثمّة ملفًّا في حياته لا يريد أن يفتحه، في الوقت الحاضر، لأنّه ليس مستعدًّا أن يدفع الكلفة عنه!. وبمرور الوقت، يعتاد تناسيه، تجاهله!. وكلّما طال الأمد استبان موقفه كأنّه إلى الأبد!. معرفتُه تستحيل جهلًا، وذكاؤه مؤسَّس على غباء!.

    لِمَ الشّدّة خير من السّهولة، والتّعب من الرّاحة والعسر من اليسر؟. لأنّ ما أنت آيل إليه، ما أنت بالغُه، ما ينتظرك، هو، بالأحرى، من طبيعة الشّدّة، لا السّهولة، والتّعب لا الرّاحة، والعسر لا اليسر!. الحكمة الحقّ تكمن في إعدادك نفسَك لما هو آت عليك!. تنبذ ما لا ينفع وتسلك في ما ينفع!. وما هو آت عليك قد يأتي في كلّ حين. لا ينتمي الموت إلى الماضي والمستقبل فقط، بل إلى الحاضر أوّلًا!. ما لم تبنِ عمرَك على كونك مائتًا، تفرّط بحياتك!. تحكم على الحياة بالسُّخْف، بالتَّفَه!. كأنّك تقول: بعد عيشة سخيفة تأتي ميتة سخيفة!. لا يضلّنّك قول الضّالين المضلِّلين: نستمتع اليوم لأنّنا غدًا نموت!. ما لم تجعل أمام عينيك، كلّ حين، تلك السّاعة الّتي أنت مقبلٌ عليها، فأنت تفرِّط بأيّامك تفريطًا أثيمًا!. إنّما العمر، يا صاح، لتعدّ نفسك لما هو آتٍ، لا محالة، عليك!.

    الحياة، في ذاتها، هنا، لا معنى لها ولا قيمة!. أيّة قيمة لما هو مائت؟. الحياة، هنا، معطاة لك لتعدّ نفسك لما هو هناك!. قبل فرح الحصاد لا بدّ لك من تعب الزّرع!. "لقد ذهبوا وهم يبكون إذ كانوا يُلقون بذارهم، لكنّهم سيرجعون فرحين حاملين أغمارهم" (مزمور). الأرض منفى!. هذا في سفر التّكوين. سقط آدم "فأخرجه الرّبّ الإله من جنّة عدن ليعمل الأرض الّتي أُخذ منها. فطُرِد الإنسان..." (3: 23 - 24). وفي موضع آخر: "ملعونة الأرض بسببك. بالتّعب تأكل منها كلّ أيّام حياتك" (3: 17). هذا ليس لأنّ الرّبّ الإله تخلّى عنه والله محبّة. فلأنّه محبّة ولأنّ الإنسان التَعَنَ بالخطيئة الّتي ارتكبها، جعل الرّبّ الإله الأرض، بما فيها، ملعونة، ليتسنّى للإنسان أن يقيم في ما هو من مفاعيل خطيئته!. ولكنْ، ليس هذا ليتعاطى خطيئته كما يحلو له، ليُفسِد نفسَه والخليقة، كما يلذّ له ويطيب، بل ليعاين ما أحدثته خطيئته "في كلّ حين" (مزمور 50)!. والمآل: أن يبلغ حدّ القَرَف من خطيئته، ليعود إلى نفسه على غرار الابن الشّاطر!. من هنا أنّ حُكم الله على الإنسان بالتّعب لم يكن من باب القصاص والاقتصاص بل من باب العلاج وتدبير المحبّة!. إنسان الخطيئة لا تناسبه الرّاحة والتّفلّت، بل التّعب وضبط النّفس، وإلّا تتحوّل اللّعنة من نفي إلى هذه الأرض إلى نفي إلى هلاك أبديّ!.

    الإنسان، في الأرض، كما في مدرسة ومستشفى. عليه أن يتعلّم الألفباء الإلهيّة ليكون له نصيب في الحياة الأبديّة الّتي يعطيها الآب لمَن يؤمنون بابنه. بعد الخطيئة، صار عليه أن يتعلّم السَّير في الوصيّة، وإلّا لا يعرف الله، ولا يحبّ الله. هذا متعب!. هذا لم يعد تلقائيًّا لدى الإنسان، كما كان لدى آدم في الفردوس. ما صار تلقائيًّا هو الميل إلى الهوى، إلى الخطيئة، إلى الموت!. في الأرض، صار عليك أن تجاهد الجهاد الحسن لتحيا. إثر السّقوط، قلبُ الإنسان صار شرّيرًا منذ حداثته، من أوّل مسيره في هذا الدّهر. لذلك الوصيّة صارت: "فوق كلّ تحفّظ احفظ قلبك يا بنيّ لأنّ منه مخارج الحياة". وكيف يحفظ قلبه؟. بحفظ الوصيّة!. وبحفظ الوصيّة، تأتي عليه نعمة الله لتبيّض قلبه من سخام الشّرّ، لتغفر له خطاياه، لتنقِّيه، فيصير أبيض كالثّلج، لتسكن فيه!.

    ثمّ التّعب في حفظ الوصيّة يستلزم تعب الجسد في تحصيل المعيشة!. بعرق جبينك تأكل خبزك. لغرضَين تعرق: لتأكل، ولتُطعِم الضّعفاء العاجزين عن الأكل من تعبهم!. الأمر الأوّل لتكون لك تعزية وفرح ممّا تأكل. ما تتعب فيه يلذّ لك بالأكثر. وما لا تتعب فيه يدغدغ الشّهوة لديك، ولا يبثّك متعة في الحقّ. والأمر الثّاني، حين تعين سواك، هكذا لوجه الله، تنتقل من مستوى الفرح بالأرضيّات إلى مستوى الفرح بالسّمويّات. قريبُك الضّعيف العاجز هو مَن ماهى سيّد السّماء والأرض نفسه به. لذا إن تحبِب المسكين هنا تحبِب السّاكن في السّماء، هنا وهناك!. "الحقّ أقول لكم بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصّغار فبي فعلتموه"!. على هذا النّحو ينقلك التّعب إلى الفرح في الأرض، ومن ثمّ إلى الفرح في السّماء، أعني به إلى شركة المحبّة للمسيح وفي المسيح!. وهذا هو الملكوت!.

    أتَرى لِمَ قلتُ لك: إنّ التّعب خير من الرّاحة؟.

    يبقى أن تعرف أنّ ربّك لا يشاؤك هنا أن تتعب فوق الطّاقة. يعزّيك، مباشرة، متى صرخت إليه: أنت تعلم كلّ شيء، وأنت قادر على كلّ شيء!. يوافيك لتوّه!. "إلى الرّبّ صرخت في ضيقي فاستجاب لي، ومن جميع أحزاني نجّاني" (مزمور). قيمة الوصيّة، يا صاحبي، أنّك متى تعبت في الرّغيف وقدّمته على مذبح الفقير، فإنّ ربّك يردّه لك منًّا، من جسده، خبزًا سماويًّا، في حركة أنافورا وبرسفورا. ترفعه إلى فوق لتأخذه من جسد مسيحك!. "خذوا كلوا، هذا هو جسدي الّذي يُكسَر من أجلكم لمغفرة الخطايا...". تزرع الأرضيّات وتسقيها من عرقك الحلال لتحصدها، بالمسكين، أغمارًا سماويّة، متى سُرَّ الرّوح أن يحُلَّ فيك!.

    هذا سرّ التّعب، على الأرض، لتُبنى به الأجيال، سليلة ربّك!. "وأكون أنا فيهم كما أنّك أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك"!.

 

 

أحد الصّليب
الأرشمندريت توما بيطار
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسيّ
4 نيسان 2021

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share