بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
ظهور إلهيّ!

     في 24 تشرين الثّاني 2010 أطلق القراصنة الصّوماليّون سراح زوجَين هما راحيل وبولس شاندلر بعدما احتجزوهما مدّة 388 يومًا. الزّوجان بريطانيّان. الزّوجة عمرها 56 سنة والزّوج 60 سنة. وصفا معاناتهما الرّهيبة في كتاب أصدراه بعنوان: "المخطوف".

     قبل إطلاق سراحهما بستّة أشهر باشر لاجئ صوماليّ إلى بريطانيا، اسمه ضاهر عبد الله قضيّة، كانت المملكة المتّحدة قد استقبلته، في عداد جمع من اللاّجئين الصّوماليّين سنة 1997 م، أقول باشر سعيه لإطلاق سراح المخطوفَين. دافعُه، ظاهريًّا، كان دموع أولاده الّذين أبدوا أنّهم لا يستطيعون، من بعد، أن يتطلّعوا في وجوه أقرانهم الإنكليز من لاعبي كرة القدم، خجلاً ممّا فعله مواطنون سابقون لهم في صوماليا براحيل وبولس شاندلر. ودافعه كلاجئ، دافع ضاهر، كان شعوره بأنّه مدين لبريطانيا بحياته وحياة عائلته، وأنّ من حقّ المملكة المتّحدة عليه أن يعمل كلّ ما في وسعه لإطلاق سراح المخطوفَين، حتّى لو كان عليه أن يعرِّض نفسه لخطر الموت ويدفع حياته ثمنًا! ضاهر، في بريطانيا، كان سائق تكسي، وفي بلاده، سابقًا، رجل أعمال!

     عاد الصّوماليّ الغيور إلى موطنه السّابق. وإذ استفاد من معارفه السّابقين توصّل إلى معرفة المنطقة الّتي كان الزّوجان محتجزَين فيها. ذهب إلى هناك. أقام اتّصالات. وصل إلى شيوخ القبائل. تمكّن من إقناعهم بضرورة الضّغط على الخاطفين لإطلاق سراح المحتجزَين. تكبّد مشاقَ لا توصف! أخيرًا أثمرت جهوده ورضخ القراصنة وعُيِّن مكان تسليم المخطوفَين له! كان عليه أن يتقدّم منفردًا، رافعًا يديه إلى فوق! المخاطرة كانت كبيرة! شعر، في نفسه، في عمق نفسه، أنّ الموت على بُعد دقائق منه. ارتجّ كيانه! لم يكن أمامه خيار آخر. شعوره بالحميّة، وهو بعيد عن المواجهة شيء، واستعداده لبذل نفسه بإزاء الموت من أجل الآخرين شيء آخر تمامًا! رغم كلّ شيء قال في ذاته بشهامة: قد أتت السّاعة! لا بدّ من إتمام ما جئت من أجله! حتّى لو قتلوني أكون قد فعلت كلّ ما في وسعي! إنقاذُ المخطوفَين كان أعظم لديه، في تلك اللّحظة، من حياته! تقدّم أعزل! كان الخاطفون في الجهة المقابلة. فلمّا رأوه وحيدًا وليس له ما يهدِّدهم به أطلقوا سراح المخطوفَين! فأخذهما، ليس من دون مخاطرة، ونقلهما إلى مكان آمن!

     مطلبُ الخاطفين كان مالاً بالملايين! أُرسلت دفعتان منه قيمتهما في حدود الـ 750 ألف دولار أميركيّ. قيل إنّ أكثر من نصف المبلغ جمعه اللاّجئون الصّوماليّون! رغم ذلك لم يكتف الخاطفون، وكانوا، دائمًا، يطلبون المزيد، حتّى بدا أنّ المال، مهما بلغت قيمته، كان أقلّ من أن يشبع نهم الخاطفين!

     فلمّا عاد ضاهر إلى بريطانيا، استُقبل في مطار هيثرو استقبال الأبطال! أكثر ما اهتمّ ضاهر، بعد لقاء المحتجزَين، بأن تؤخذ له صورة معهما لكي يرى أولاده ما فعل من أجلهم ليكون لهم فخرٌ وسط أقرانهم! أمّا راحيل وبولس شاندلر فقد باشرا حملة لجمع المساعدات للشّعب الصّوماليّ. تصوّرهما كان: لو درى الخاطفون بفظاعة ما فعلوا لما فعلوه! من هنا الحاجة، في نظرهما، إلى تثقيف مَن لا يعلمون بما يجعلهم أكثر شفافيّة في علاقتهم بالآخرين، أقرباء لهم أو غرباء عنهم!

     ليس واضحًا، ممّا قرأتُ، ما إذا كان ضاهر عبد الله قضيّة مسيحيًّا أو مسلمًا. كذلك ليس واضحًا ما إذا كان راحيل وبولس مؤمنَين أم لا. أنّى يكن الأمر فإنّ ما حدث، عندي، ظهورٌ إلهيٌّ، لا شكّ فيه!

     مَن الّذي أنقذ المخطوفَين؟ الدّولة؟ كلاّ! لم تشأ الدّولة أن تدخل في مفاوضة مع الخاطفين ولا أن تدفع فدية لتحريرهما. الدّولة لا تتعامل مع قراصنة. سياستها وهيبتها لا تسمحان لها بذلك! إذًا السّلطة عاجزة لأنّها أسيرة مفاهيمها الخاصّة وصورتها عن نفسها! هذا أعظم لديها من إنقاذ إنسانَين، ولو من مواطنيها! إذا ما كانت السّلطة أعجز من تحرير إنسان واحد من معاناته، فلا قدرة لها على تحرير شعب برمّته! ربّما نجحت في تحرير العديدين ممّا تتصوّره هي أنّه خطر عليهم! لكنْ هذا يجعل هوّة بين النّاس، أفرادًا، كما هم، والفكرة الّتي تكوِّنها السّلطة عنهم! لا خلاص بالسّلطة والأنظمة، إذًا، مهما كانت!

     مَن الّذي أنقذ المخطوفَين؟ البحريّة الإنكليزيّة الّتي كانت قريبة من المكان، ودرت بما جرى؟ كلاّ! لو تدخّلت لجرت، على الأغلب، تصفية الرّهينتَين! إذًا، لا السّلطة فقط كانت عاجزة بل القوّة أيضًا!

     مَن الّذي أنقذ المخطوفَين؟ ذووهما؟ كلاّ! طبعًا سعوا لجمع المال افتداء للرّهينتَين وبلّغوه المكان الّذي عيّنه الخاطفون. لكن جشع القراصنة كان وراء المزيد بلا حدود! لذا، المال، أيضًا، لم ينفع!

     مَن الّذي أنقذ المخطوفَين إذًا؟ لا السّلطة ولا القوّة ولا المال كان، كيانيًّا، على موجة المحتجزَين! المحبّة أنقذتهما! روح الفداء! روح البذل! صحيح أنّ الشّعور بالممنونيّة لعب دوره في نفس ضاهر! وصحيح، أيضًا، أنّ دموع أولاده أثّرت فيه! وصحيح، أخيرًا وليس آخرًا، أنّ ضاهر ربّما شعر بالخوف على مصيره في بلاد ملجئه! لكن هذا كلّه ما كان يمكن أن يكون كافيًا ليتكبّد ما تكبّد ويلقي بنفسه في عمق خطر الموت كما فعل! هذا، كيانيًّا، مستحيل! ليس ما يمنع أن يكون ضاهر قد راوده شعور بأنّه قد ينجح، ولكنّه شعر، بعمق، في آن، كما قال، أنّ خطر الموت عليه كان حقيقيًّا جدًّا لأنّ القراصنة كانوا في وضع متوتّر للغاية، وكان بينهم أحداث ليس سهلاً عليهم أن يضبطوا أنفسهم! ثمّة لحظة، بإزاء الموت، لا يمكن إلاّ أن يملك فيها روح البذل على قلب الإنسان، إذا ما كان في صدد إنقاذ غيره! على هذه اللّحظة، بالذّات، أتكلّم؛ على الحسّ العميق الّذي ينتاب الإنسان فيها! لا أتكلّم على ما سبقها ولا على ما تبعها، ولا على ما قاله الآخرون وما حاولوا أن يفسِّروا به ما جرى! في تلك اللّحظة، تمامًا، كانت حياة المخطوفَين لدى ضاهر أثمن من حياته؛ صارا قريبَيه، أخوَيه بالرّوح، فأبدى، بما فعل، أنّه كان مستعدًّا، بالكامل، لأن يبذل نفسه من أجلهما! ضاهر كان مهيَّئًا لذلك. هذا لا شكّ فيه! مشقّات الأشهر السّتة والإصرار على النّجاح إلى المنتهى كان الدّليل! ولكنْ ما جعله يعبر الجسر، من حبّ الحياة كإنسان إلى اقتبال الموت من أجل الإنسان، لم يكن منه! هذا كان من روح الله! وحده مسيح الرّبّ كإنسان ارتمى، إراديًّا، على الصّليب، لخلاص البشريّة جمعاء، كلِّ فرد فيها! لذا، ضاهر، من حيث يدري ولا يدري، كان، بما أقدم عليه إزاء غريبَين، في اللّحظة الحرجة، تجلِّيًا من تجلّيات مسيح الرّبّ، وشاهدًا، في الرّوح، له! "ليس حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه". ثمّ "مَن يحبّ يعرف الله ومَن لا يحبّ لا يعرف الله لأنّ الله محبّة"! بمعموديّة البذل الكامل من أجل الإخوة، يصير الإنسان، في نهاية المطاف، من معدن المسيح!

     يوم كفّ المسيحيّون، هنا وثمّة، عن الشّهادة الكيانيّة لمحبّة المسيح المبذولة، في التّاريخ، خرجوا على الكنيسة وكانوا لمسيحهم شهود زور! ويوم تعود المحبّة المبذولة لتملِّح سيرتهم وما يطالعون العالم به، في أوساطهم، تشرق صورة الكنيسة فيهم، من جديد، ويطلّ مسيحهم من خلالهم لينادي العالَمين: "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثّقيلي الأحمال وأنا أُريحكم" (مت 11: 28)!

     مسيحيّون بلا محبّة نحاس يطنّ وصنوج ترنّ (1 كو 13: 1)؛ قناديل مزيَّنة ولكن لا زيت فيها! والمصير: "يأتون من المشارق والمغارب ويجلسون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب... أمّا بنو الملكوت فيُلقَون في الظّلمة الخارجيّة" (مت 8: 11)! كل ما يُقال عنهم ويُنسَب إليهم، حضارةً وتراثًا ولاهوتًا وطقوسًا وقوانين وحتّى كتابًا مقدَّسًا وقدّيسين وآبائيّات، كلّه، وما شاكله، يتعاطونه كوثنيّات ما لم يكن مغمَّسًا، معمّدًا، بمحبّتهم للرّبّ الإله من كلّ القلب والنّفس والقدرة وبمحبّتهم للقريب كالنّفس (مر 12: 30 – 31)! المسيحيّة معموديةٌ لحياةٍ جديدة لا تتحقق إلا بالموتِ عن الذات من أجل الله؛ ومن خلاله من أجل الإخوة! من دون الموتِ الباذلِ للذات تبقى المعموديةُ في مستوى الماء، ومن ثم في الشكلِ فقط، ولا تصير، كيانيًا، عن حقٍ، معموديةً بالماء والرّوح!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

18 أيلول 2011
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share