عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
أعطني أن أفهم!

       سألتني أخت كيف نتعاطى خبر الفتية السّبعة الّذين في أفسس، المعيَّد لهم في 4 آب و22 تشرين الأوّل، كلّ عام. هؤلاء قيل عنهم إنّهم، في زمن من أزمنة الاضطهاد، في القرن الثّالث الميلادي، ربّما في حدود العام 251، تمسّكوا بإيمانهم بالرّبّ يسوع وصلّوا ودخلوا مغارة أسلموا فيها الرّوح، طبيعيًّا، بتدبير الله. ثمّ سُدَّت عليهم فتحة المغارة. فكانوا فيها إلى العام 446 حين جرى فتحها، أيضًا بتدبير الله، فعادوا إلى الحياة وكأنّه لا زمن مرّ عليهم، فكانوا في الوجدان علامة على قيامة الرّاقدين. حدث ذلك، كما قيل، في وقت كان ثمّة نزاع ناشبًا بشأن قيامة الأجساد في الكنيسة. فاتُّخذ الحدثُ مؤشِّرًا إلهيًّا في الشّأن المطروح ودليلاً محسوسًا على القيامة في الجسد. العيد انحفظ في الكنيسة جيلاً بعد جيل وذاع حتّى خارج الكنيسة فعُرف الفتية السّبعة في أفسس لدى المسلمين بـ "أهل الكهف".

       السّؤال الّذي يتبادر، أوّلاً، إلى الذّهن، في أوساطنا المعاصرة هو: هل يُعْقَل أن يكون ما قيل عن الفتية السّبعة قد حصل في الواقع، أم هو خبر مختلَق، خرافة أو أسطورة لا أساس علميًّا ولا تاريخيًّا لها؟ عَقْل أكثر النّاس يطرح هذا السّؤال ويشيح عن هذه الرّواية، اليوم، تلقاءً لأنّه هكذا تَشَكّل وهكذا تُنشَّأ الأجيال الرّاهنة. على أنّ ثمّة شريحة من النّاس تتمسّك بأنّ ما قيل قد حصل قد حصل بالفعل ولا يمكن إلاّ أن يكون كذلك، وإلاّ كان الإيمان في خطر! ثمّ الكنيسة شاهدة عليه، والله قادر على كلّ شيء! إذًا بالنّسبة لهذه الفئة من المؤمنين، الشّكُّ بصحّة ما نُقل مُعثِر، ومن ثمّ غير مقبول. الفريق الأوّل من النّاس له معطى آخر ينطلق منه أنّ ما لا أساس علميًّا أو تاريخيًّا له، ولو في المبدأ، يتعذّر التّسليم به. طبعًا لا يمكنك أن تكون مؤمنًا بالرّبّ يسوع دون أن تقبل بأنّ العجائب والخوارق تحدث. على أنّ هذا، وإن سلّمت به، فإنّه لا يعطيك الحقّ في أن تعمِّم مبدأ "الله قادر على كلّ شيء" في قراءتك لكلّ حدث أُورِد في التّراث، لأنّك إن فعلت تطيح الوجه التّاريخيّ من حياة يسوع وسيرة الكنيسة في العالم، ولا يعود ممكنًا التّمييز بين ما للكنيسة من كشف إلهيّ وما يمتّ إلى الخرافات والأساطير بصلة. إذًا التّعلّل بكون الله قادرًا على كلّ شيء سيف ذو حدَّين! قد يأتي ببعض النّاس إلى الإيمان وقد يأتي بغيرهم إلى الاستخفاف بالإيمان! فأيّ جواب نعطي لهذا الفريق وذاك؟ هل من منظور آخر غير ما هو معروض؟

       في المنظورَين المشار إليهما أعلاه، لا يمكنك أن تجيب لا بنعم ولا بلا. كما لا يمكنك أن تتبنّى أيًّا من المنطقَين كما هو. للتّراث منطق خاص به. ليس كلّ سؤال يطرحه النّاس، لنا، في شأنه، جواب في كنيسة المسيح. سأل قوم، مرّة، الرّبّ يسوع بشأن إنسان وُلد أعمى: "مَن أخطأ، أهذا أم أبواه حتّى وُلد أعمى؟ فأجابهم: لا هذا أخطأ ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه!" التّراث الكنسيّ هو، تمامًا، من الفكر الّذي لا ينتمي، بالكلّيّة، إلى النّاس، في هذا الدّهر بل جزئيًّا! لا هو من فكر جماعة دون ما سواها ولا من زمن دون غيره. صحيح أنّ في التّراث ما هو من فكر وعِلم وتاريخ أزمنة شتّى، لكن التّراث أرحب من أن يُحصَر ويُستَفحَص، قطعًا، في إطار ثقافيّ محدّد. وهذا مردّه طبيعة التّراث. في التّراث بعدان: بُعد روحيّ وبُعد إنسانيّ. البُعد الرّوحيّ ينزل من فوق وينبثّ في التّاريخ والجغرافيا والفكر والحياة، وكلّ ما للإنسان. والبُعد الإنسانيّ هو اللغة الّتي يعبِّر بها روح الرّبّ عن ذاته في كلّ زمان ومكان. الرّوح لا تعبير حصريًّا له، لذا يتخطّى، أبدًا، اللغة الّتي يُتداول بها. وهو قابل أيضًا لأن يأتي في كلّ لغة إنسانيّة، حضارةً أو فكرًا أو طريقة حياة، مهما بدا أنّ ثمّة تباعدًا أو حتّى تنافرًا بين ما يتعاطاه النّاس على صعيد البَشَرة من لغات. لذا ينبثّ روح الله في لغة المتعلّمين وغير المتعلّمين سواء بسواء، في لغة ذوي المنطق العلميّ المرموق وكذا في لغة الّذين لا يعرفون، وفق مقاييس هذا الدّهر. الرّوح يندرج في لغة الفلاسفة والعلماء وأيضًا في لغة الفلاّحين والصنائعيّين الأميّين. المفاهيم الّتي النّاس عليها، الرّوح يكلّمهم بها سوى الخطيئة مهما كانت. حتّى ما هو خطأٌ علميًّا ويظنّ قوم أنّه صواب هذا أيضًا يتكلّم به الرّوح. الرّوح لا يخضع لا لعِلم ولا لمنطق بشريّ! "الرّوحيّ يحكم في كلّ شيء وهو لا يُحكَم فيه من أحد" (1 كو 2: 15). الرّوح وجهته كيان الإنسان وقلبُهُ. والعقل أداة. لذلك ينفذ الرّوح، بلا عائق، إلى كيان الإنسان حتّى من خلال ما يظنّه، ولو مخطئًا، أنّه صائب. الرّوح يكلّمنا بالعجائب والخوارق إذا كان وجداننا يقبلها، كما يكلّمنا بالمنطق السّديد والعِلم السّامي إذا كانا لنا ذا قيمة. ما يجعلنا نفهم ونقبل، إلهيًّا، ليس ما في عقولنا بل ما في قلوبنا! الفهم الرّوحيّ، تراثيًّا، ليس رهنًا بما في الدّماغ، بل بما في القلب أوّلاً. فإذا كان ما في القلب على تواضع وعلى شوق إلى الحقّ وعلى نقاوة في السّيرة فإنّ ما في العقل، مهما كان مثمَّنًا، فقط، إذ ذاك، يصير لغة كيانيّة مقبولة للتّراث بلا عائق. المعتقدات السّاذجة واللغة البسيطة، والحال هذه، تكون مؤاتية للتّعبير عن التّراث، سواء بسواء وأدقّ المعطيات الدّراسيّة، تاريخًا وعلمًا وثقافة!

       انطلاقًا من هذا المنظور، فإنّ الكيفيّة الّتي يأتينا بها التّراث نوقّرها كما هي، لأنّها حاملة روحَ الله. واللغة الّتي تأتينا بها نُبقي عليها بحرص كبير حتّى لا نطيح الرّوح إذا ما عمدنا إلى تغييرها أو الاستخفاف بها. حتّى إذا بلغَنا الرّوحُ بآنية ضعيفة واهية، حضاريًّا، فمَن نحن لنقاوم أو نرفض ما ارتضاه الرّوح أدوات لخلاصنا؟! هذا لا يمنع، طبعًا، أن نعبِّر نحن، بجهدنا واستنارة الرّوح، عمّا ورد، بلغة محدَثة. بالعكس، هذا أمر ضروريّ. ولكن ما ورد لا نعبث به لأنّه أوسع، بما لا يُقاس من أفهامنا. فقط نتّضع في الفكر والقلب، بالصّوم والصّلاة، حتّى نلتقط، كيانيًّا، ما يشاؤه الرّوح لنا. بعد ذلك نخرج به، تعبيرًا، بلغة نخاطب به أهل جيلنا حتّى يخلصوا. أمّا البسطاء في المعرفة العقليّة، بيننا، فلا نعثرهم ولا نستخفّ بما يقولونه وبما يؤمنون به، إلاّ إذا كان ضلالاً مبينًا وهرطقة. إذ ذاك، نصلحهم بروح الأخوّة. فيما عدا ذلك إذا ما كان قوم لينبنوا بخبر كخبر الفتية السّبعة في أفسس فلا نعثرنّهم! دعوا البسطاء على بساطتهم لأنّ لمثل هؤلاء أيضًا ملكوت السّموات! أمّا الّذين لا تسمح لهم مفاهيمهم بأن ينتفعوا، بالرّوح، من رواية كرواية "أهل الكهف"، فلا بأس عليهم. لا تسخروا ممّا يعتبره سواكم جدّيًّا جدًّا! هناك مجال للجميع أن يتملأوا من روح الرّبّ بطريقة وبأخرى. لا نلغينّ ولا نستخفنّ بما ارتضى الرّبّ الإله أن يعبر به إلى قلوب سوانا! لا حقّ لأحد في أن يجعل معرفته في مستوى المطلق، أو أن يكون عثرة لإخوته، إن لم يكن من اللغة والفكر البشريّ على موجة واحدة وإيّاه!

       التّراث، إذًا، هو للجميع بلا استثناء لأنّه حمّالة روح الرّبّ. نوقّره كما ورد، لأنّ اللغة والمعنى لا ينفصلان، ونترك للجميع أن يتفاعلوا وإيّاه، كلٌّ على طريقته، بنعمة الله. وإذا ما كنّا لنحرص على البسطاء من السّقوط في الأوهام، فإنّنا نحرص، بالقدر عينه، على المتعلّمين والفهماء، بعلوم هذا الدّهر، من السّقوط في عبادة العقل، ومن ثمّ إطاحة روح الله. هؤلاء بحاجة إلى حفظ وأولئك أيضًا. والحافظ هو روحُ الرّبّ؛ هو يحفظنا ولكن بتواضع القلب! لذا صلّى يسوع للآب هكذا: "أحمدك أيّها الآب ربّ السّماء والأرض لأنّك أخفيت هذه عن الحكماء وأعلنتها للأطفال" (مت 11: 25). الأطفال هم المتواضعون! والمتواضعون هم الّذين يخلصون لأنّهم يقتبلون روح الرّبّ، لا هَمَّ أكانوا كبارًا أم صغارًا، متعلّمين أم جاهلين بعلوم هذا الدّهر! المهمّ أن يعلّمهم روح الرّبّ في كلّ حال... بالتّواضع!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

15 أب 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share