عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
حول القدّيسة مريم المصريّة

      القدّيسة مريم المصريّة هي الخاطئة بامتياز الّتي استحالت قدّيسة بامتياز. هذا لنثق أنّه لا خطيئة بغير مغفرة، ولكي لا ييأس خاطئ من خلاصه. مهما كانت خطيئة الإنسان جسيمة فرحمة الله أكبر. الخلاص للجميع، ولا فرح، لدى القوّات السّماويّة، يساوي الفرح بخاطئ واحد يتوب. السّماء والأرض تشتاقان إلى توبة الخاطئ شوقهما إلى الحياة المتدفّقة من جنب السّيّد. لذا لا مبرِّر إطلاقًا للإنسان لأن يحزن أو يستسلم أو ييأس. مهما كانت إرادته ضعيفة، ومهما كانت الخطيئة مستقوية عليه ومهما كانت قدرته على المواجهة معدومة، فإنّ الرّبّ الإله، بنعمة منه، يُنهضه فتُشفى إرادته وتُمسي الخطيئة ضعيفة تجاهه ويشتدّ ساعده ويصير قادرًا على المواجهة بقوّة. الإنسان يتجدّد. تأثير الشّيطان عليه يضعف. لا يشعر، بعد، بالعجز. نعمة الله مع رغبة الإنسان تصنعان المعجزة. نعمة الله دائمًا قويّة، لكنّها لا تفعل إلاّ متى توفّرت الرّغبة العميقة في نفس الإنسان. النّعمة تعين الرّغبة. تجعلها أشدّ. تولدها كقوّة عزم، كنيّة قلب، كفكر يملك على النّفس، لكن الإنسان يحتاج لأن يقدِّم من الحسّ الملحّ ولو قدرًا صغيرًا، لأن ينوجع، لأن يحزن على حاله، لأن يشتهي أن يكون غير ما هو عليه. من الجبّ، من الأسى، من التّمنّي، إذا ما تأوّه الإنسان، وإذا ما اقترن تأوّهه باسم الله، فإنّ الله يسمعه ولا يتركه بل يبادر إليه. الله قلب ويلتقط حركات القلب. كلّه عطف. كلّه حنان. "ينظر ما في الأعماق ممّا في السّماء وممّا على الأرض. يُنهض المسكين عن التّراب ويرفع البائس من المزبلة. لكي يجلسه مع الرّؤساء، مع رؤساء شعبه" (مز 112: 6 – 8).

       لذلك الحكم، بحسب الظّاهر، غير محقّ. ليس همّ الله إلى ظواهر الأمور. عينه ليست على كيف يبدو الإنسان، بل عينه وأذنه كلاهما على ما يجول في قلب الإنسان. انتباهه كامل لأقلّ نأمة في كبده. "سمعت أنينهم ونزلت لأنقذهم" (أع 7: 34).

       مريم المصريّة كانت عاشقة خطيئة. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّها كانت تملك طاقة حبّ كبيرة لله، لكنّ الشّيطان، من خلال المجتمع والنّاس وظروف الحياة، من خلال الّلعب على أهواء النّفس، ضلّلها وملأها من دوار الشّهوة واختلس ما هو، أصلاً، لله، وجعله لعشق الذّات، ومن ثمّ للشّيطان. كانت مريم خاطئة، على قامة غير عاديّة. امتهنت الخطيئة، لا لكسب ماديّ. لم تستعمل جسدها كسلعة. بلغت بالخطيئة مستوى الفنّ المظلم. دخل الشّيطان إلى عمق أعماقها. لا شكّ أنّها تعاطت الخطيئة إلى مستوى العبوديّة، لكنّها انحدرت بها، أيضًا، إلى مستوى العبادة السّوداء. تجرّعت الخطيئة حتّى الثّمالة، لذلك بلغت، في عشق الذّات، حدًّا متقدِّمًا. الحسّ بالله، لديها، تخدّر بالكامل. كان الله فيها كامنًا، حاضرًا مغيَّبًا، قريبًا غريبًا. الخطيئة، في تكوينها، كانت مادة ألوهة عبثيّة. في خضم الفتوّة اختبرت مريم الحرّيّة تفلّتًا. أعطتها الخطيئة، وهمًا، ما جعلها تشعر بأنّ لها حياة في ذاتها. اهتزّ كيانها، في الخطيئة، بشعور شيطانيّ، أنّها إله وتتعاطى الألوهة. سرّ الخطيئة الكذبة الّتي تردِّد قولة الحيّة للإنسان أنّه لن يموت وأنّ الخطيئة مادة حياة أبديّة فإن تعاطاها انفتحت عيناه الدّاخليّتان وكان كالله عارفًا الخير والشّرّ.

       مريم المصريّة، في خطيئتها، كانت في هذيان. لذا كانت في وضع المقتحم لكلّ النّاس، لكلّ الأماكن، لكلّ الظّروف. سطوة حسّ الخطيئة عليها جعلتها تتخطّى حدود الوقاحة إلى الظّنّ بأنّها قادرة على أن تملك بجسدها ونفسها الوثّابة كلّ مَن حولها.

       لم تَدْرِ مريم أنّ ما يعتمل فيها كان غبيًّا. حكمة الخطيئة غباء. احتاجت إلى صدمة، إلى صفعة كيانيّة، إلى وجعة قلب، إلى وخزة ضمير. "استيقظ أيّها النّائم...". لم يُتَح لها أن تلج باب كنيسة القيامة. كلّ أبواب الخطأة مفتوحة للخطيئة، ولكن لا باب البرّ. لا أحد بالخطيئة يقتحم الله! إذًا باب السّماء موصد دون الخاطئ إلى أن يتوب. إلى الآن كان الله، في كيان مريم، حاضرًا مستبعَدًا، كان تحصيل حاصل. ظنّته أنّه غير فاعل، أنّه حياديّ، أنّه يماشي الخاطئ، أنّه يغضّ الطرْف عنه. لكن ساعة تأتي، وقد أتت الآن، حين يصحو ويَصعق ويوجع. الله محبّة. الخاطئ الغارق في خطيئته يظنّ المحبّة ضعفًا ويستخفّ بها. ولكنّها ولا أقوى، ولكنْ على رقّة ولا أرقّ، على لطف ولا ألطف، على حنوّ ولا أحنّ. في ذاتها، المحبّة لا عنف فيها، لكنّها متى تجلّت في حياتنا تكون ولا أعنف لأنّها توقظ فينا ما هو مزروع فينا منذ البدء. كيان الإنسان معجون بمحبّة الله، فإن لم نسلك فيها، متى داهمتنا، كانت إلينا قوّة عنف هائلة. استحالت في حسّنا جحيمًا!

       أتت مريمَ آلامُ المخاض الكيانيّ. إلى أين المفرّ؟ لا تستطيع أن تعود إلى الوراء، إلى الخطيئة، لأنّ الخطيئة، في محضر الله، استبانت خاطئة جدًّا. ولا تستطيع أن تتقدّم إلى الأمام إلاّ بالتّوبة. التّوبة تمثّلت ضرورة حياة واستمرار. الخطيئة، بلا قصد ممّن وراءها، أتت بالخاطئ إلى ما فيه خيره. شاء الشّرّير للإنسان، بالخطيئة، هلاكًا، وإهلاكًا، فشاء الكليّ الصّلاح له، بها، توبة وخلاصًا. "مِن قِبَل الرّبّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا".

       وخبرت مريم، بعنف، وجعَ التوبة، وجعَ الحبّ، وجعَ المثول، في القلب، في محضر الله. صارت إلى وجه ربِّها بتواتر، وهذا موجع، لأنّ النّفس التّائقة إلى ربّها تحتاج إلى نقاوة، وحيث لا نقاوة تنوجع النّفس، فيصير الكبد مأخوذًا كما بنار. ليس أنّ اللهَ منشئٌ تلك النّار، بل الخطيئة بإزاء محبّة الله. لذا عانت مريم شديدًا. بطولة المسرى هنا تُدهش. مستحيل على العاديّين أن يأتوا ما يأتيه التّائبون كمريم. إنّها قوّة المحبّة الإلهيّة المستعادة فيها حتّى النّقاوة الكاملة. بعد ذلك يسود سلام المسيح في القلب ويقيم الفرح.

       مذ ذاك يتحوّل وجع القلب إلى إلفة بالعالم، إلى لهف عليه. ينوجع المرء على العالم. يتّحد به. الحبّ يعبّر عن ذاته بالألم على خطايا العالمين. هذا ألم مفرح نابع من جوف الله. بَلا، الله، بالرّوح، يتألّم لأنّه محبّة. كابد صليب المحبّة قبل أن يكابد صليب اليهود والرّومان. قبل أن يعاني صليب خطيئة البشريّة واسترسالها فيها عانى صليب انصراف البشريّة عنه. المحبّة، بإزاء الخطيئة، مصلوبة على رجاء البرّ والتماس القيامة. لا يعاني الله كما يعاني البشر ولكنّه يعاني. يعاني ولو كان بلا هوى. لا نعرف كيف، لكنّنا نعرف أنّ الأمر حاصل. يكفينا علامة أنّ ابن الله تجسّد. جاء في الكفن وصعد إلى السّماء بعدما سُجّى في الكفن. لم يكن ممكنًا لمسيح الرّبّ ألاّ يموت. صليبه في الجلجثة كان مؤشِّرًا لصليبه في الكيان بعدما سقطت البشريّة وتغرّبت عنه.

       وعاشت القدّيسة مريم المصريّة، بعد ذلك، على الأرض، كما في السّماء. لم تعد من هنا. صارت من هناك هنا. لذا بلغت. صارت إنسانًا مكتملاً. امتلأت من حضرة الله، من روح الله، من محبّة الله. استحالت قدّيسة بامتياز. حوّلت الأرض الّتي مشت عليها سماء. صارت قبلة الفرح الإلهيّ لكلّ إنسان يتوب. الباقي تفاصيل!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

21 أذار 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share