الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
نقاط على الحروف
الأرثوذكسيّة والقوميّات

      لست أشاء الكلام على تاريخ القوميّات وتطلّعاتها. هذا أكثره تنظير ومعلومات برسم التوثيق، وما ذلك منظور هذه المقالة. الكلام، دائمًا، في هذا الدّهر، غير الواقع. إسمع تفرح، انظر تحزن! الواقع، أبدًا، مخيِّب! ابن الله، وجوديًّا، هو الكلمة لأنّه لا مسافة بين واقعه وكلمته. هذه وذاك واحد. بين البشر الأمر مختلف. أفكار النّاس تمنّيات وتصوّرات وتبريرات، أمّا واقعهم فأهواء متوارية، وأحيانًا وقحة. لذا أقتصر، في كلامي، على تأثير القوميّات، والكتل البشريّة، بعامة، في واقع الأرثوذكسيّة، هنا وثمّة.

       الانتماء إلى تراث حضاريّ واحد، في أبعاده الفكريّة والتاريخيّة والجغرافيّة والعرقيّة واللغويّة، أمر تلقائيّ بالنّسبة للجماعات. وليس ما يضير أن يشعر النّاس بالتّعاطف فيما بينهم في هكذا سياق. للبشريّة عائلات، كبيرة وصغيرة، ولكلّ منها، رغم كلّ شيء، جمالاتها وقيمها وشِيَمها. واقع القبيلة، أو القطيع، أمر لا مفرّ منه. ليس إنسان جزيرة، طالما هناك ناس يجتمعون ولو على فكرة أو على رؤية واحدة فهناك قبيلة أو قطيع يتكوّن ولو كان عرضة للفكاك بعد حين. ولكن في القبيلة ما يُغني، وفيها ما يسيء. فيها النبل وفيها المُعيب. التّجربة، دائمًا ما كانت، في كلّ مكان وزمان، ولا زالت، أن تقبع الجماعة في أنانيّتها الجماعيّة، ومن ثمّ أن تفصل نفسها، وجدانيًّا، عن سواها، وأن تقتصر علاقتها بغيرها من الجماعات على التّحالف معها، لتلاقي مصالحها وإيّاها، أو العداء لها لتضارب مصالحها وإيّاها. هذه تجربة، لا بل واقع، كان الجميع أبدًا مستأسَرًا له. خارج هذا الإطار كانت هناك، دائمًا، مودّات، ولا شكّ، ولكنْ كانت تُلتمس على الصّعيد الشّخصيّ، وهي شواذ على قاعدة الجماعة. هذه الحالة الفكريّة حكمت وتحكّمت بالبشريّة ولا زالت إلى حدّ بعيد. هذا إرث السقوط. البشر قلّما يتكلّمون لغة القلب الواحد. ما يتجاذبهم يتراوح بين الأنانيّات الفرديّة والأنانيّات الجماعيّة. المحبّة، في هكذا منظور، لا محلّ لها من الإعراب. هناك مصالح. والجماعات تكبر أو تصغر أو تضمحل طالما كانت عرضة لابتلاع بعضها البعض أو الانصهار في بوتقة مصالحها المشتركة.

       وحده مسيح الرّبّ تصدّى، في العمق، لهذا الواقع الكيانيّ المريض في الإنسان والجماعات. انعطافه على السامريّة والكنعانيّة وقائد المئة، الغرباء عن إسرائيل، وكذا على العشّار والزّانية، بإزاء ذوي البرّ الذّاتيّ، كان الطّعنة السّاطعة للقوميّة اليهوديّة والحزبيّة الفرّيسيّة وسواها من الحزبيّات في إطار الموزييك العبريّ القديم للجماعات اليهوديّة. ثمّ لمّا خرج الرّسل إلى العالم، بالكرازة بكلمة الله، أضحت الكنيسة هي العائلة الجديدة بالكامل للآب السّماوي، وللآب السّماوي وحده. كلّ البشريّة صارت إليها بعدما كانت، منذ فجر التّاريخ، لمامًا، هنا وثمّة. أعلن يسوع أنّه جاء ليفرِّق الإنسان ضدّ أبيه والابنة ضدّ أمّها والكنّة ضدّ حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته (مت 10: 35 – 36). من جهة أخرى حدّد يسوع أنّ أب الجميع واحد في السّموات والمعلّم واحد المسيح والكلّ إخوة (مت 23: 8 – 10). بذلك جعل الرّبّ يسوع نفسه غريبًا، في إسرائيل، عن أنانيّتها وصلفها وعصبيّتها، وتاليًا عن قبليات أهل الأرض بعامة. وبذلك أيضًا قدّم نفسه قريبًا لكلّ الشّعوب وشدّها إليه. مفهوم جديد للقربى انزرع: أنا أصنع أقربائي برحمة من رحمة الله! الكنيسة صارت البديل! بالكنيسة انتفت كلّ القوميّات والقبليّات والأنانيّات الفرديّة والجماعيّة. بروح الحبّ صار الإنسان مواطنًا سمائيًّا على الأرض قِبلتُه ملكوت السّموات. خطأٌ التصوّر، بعد ذلك، أنّ القبائل والقوميّات، بشقِّها الأنانيّ، لا زالت مقبولة. المسيح أطاحها في روحها! وجودها، خارج إطار الكنيسة، تهديد للكنيسة دائم، ووجودها في حدود الكنيسة تهديد أكبر. كلّ صبغة قوميّة تُضفَى على الكنيسة، هنا وثمّة، تَطعن روح الكنيسة في الصّميم. غير صحيح أنّ هناك كنيسة يونانيّة وروسيّة وأوكرانيّة وعربيّة ورومانيّة وبلغاريّة. هناك كنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسوليّة في مكان واحد، بغضّ النّظر عمّا إذا كان هذا المكان في اليونان أو في الرّوسيّا أو في أوكرانية أو في بلاد العرب أو في رومانيا أو في بلغارية أو سواها. المكان الواحد هو لتحديد محلّ اجتماع الذين يدينون بالإيمان الواحد بيسوع، لا لتحديد تبعيّة الكنيسة لقوميّة ما، كائنة ما كانت هذه القوميّة. ليست الكنيسة مطيّة للقوميّات والقبليّات! الكنيسة التي تطغى عليها الرّوح القوميّة تموت ولو كان لها تراث حضاريّ ولا أرقى. لا تعود فيها روح! هيكلاً عظميًّا تضحى! ما أُعطي لنا هو أن نسوق كلّ فكر إلى طاعة المسيح (2 كو 10: 5) لا أن نسوق المسيح إلى خدمة أنانيّات وقوميّات أبناء هذا الدّهر. لذا كانت القوميّات في الكنيسة، إلى اليوم، أكبر تهديد لثبات الكنيسة ونقاوتها واستمرارها، وعلينا أن نرفضها ونقاومها بكلّ قوّة ليبقى حقّ الإنجيل هو الإطار الأوحد لنا وليبقى يسوع المعلّم والآب السيّد ونحن جميعاً إخوة بروح الرّبّ.

       في ضوء ما تقدّم عار علينا أن تكون كنيسة أورشليم، اليوم، ساحة صراع بين القوميّة اليونانيّة والقوميّة العربيّة! ألا نرى الموبقات التي تُرتكب باسم الله، في هذا الإطار، هناك؟! اليونانيّو القوميّة يخشون العرب ويقمعونهم ويخنقونهم والعربيّو القوميّة محبَطون، متمرمرون، حاقدون؟! النّفوس محشوّة بالشكّ والريبة والنقمة والبغضاء والنّفور والعداء؟! لقد جعلنا كنيسة أورشليم، بموقفنا وتصرّفنا، مغارة لصوص فكريّة نبيع فيها كلام الله والطقوس والقوانين والأماكن المقدّسة والأوقاف بما نُغذّي به أنانيّاتنا الفرديّة والجماعيّة؟! أهذه كنيسة المسيح؟! أهذه هي الكنيسة التي بذل يسوع نفسه من أجلها؟! أهذه هي العروس؟! لا، أبدًا، ليست هذه هي كنيسة المسيح، بالمعنى الصّارم للكلمة، في أورشليم! فقط، بكلّ أسف، بعض جزر ووجوه، هنا وثمّة، لا زالت تحفظ الأمانة لكنيسة الرّسل والقدّيسين، والأكثرون، بمَن فيهم المتنفّذون، باعوا أنفسهم لأهوائهم وهذا الدّهر وجعلوا أنفسهم، في الكنيسة، خدّامًا لضدّ المسيح وهم لا يعلمون!

       كذلك عار علينا أن تتحوّل الكنيسة في الأميركا إلى جملة فروع للكنائس القوميّة في العالم القديم! لقد أضحت الكنائس القوميّة الأرثوذكسيّة، في بعض المدن الأميركيّة، أدنى إلى السّفارات الكنسيّة وحتّى السياسيّة للكنائس الأمّ والبلاد الّتي هي فيها! ألا ترون أنّ الأرثوذكسيّة الحقّ ليست هي التي تجمعنا في الأميركا بل أنانيّاتنا القوميّة في قبائل جاهليّة؟! نفهم أن تقام الخِدَم في بعض الكنائس باللغات القوميّة للمهاجرين الجدد، ولكن ماذا عن الذين صار لهم خمسون سنة وما فوق في الأميركا؟ ألا نرى أنّ القلوب، هناك، ليست واحدة ولا الأيدي متشابكة لخدمة الله ولا الهمم متكاتفة للشّهادة للأرثوذكسيّة ولا النّفوس مبالية بالكنائسانيّة الأرثوذكسيّة القويمة؟! كلّ لنفسه! ألا نرى كيف تُستَغَلّ الكنائس الأرثوذكسيّة لمرام قبليّة وسياسيّة واقتصاديّة؟! لماذا هذه كنيسة للأنطاكيّين (اللبنانيّين أو السّوريّين أو الفلسطينيّين) وتلك لليونان وتلك للروس وتلك للرومان، ولا تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر من دقائق معدودة؟! لماذا لا نستطيع أن نشترك في العبادة والمحبّة والتعليم بتواتر ما دمنا ضمن أرثوذكسيّة واحدة وأرض واحدة ولغة واحدة؟! لماذا لا نستطيع أن نتعاون لنكرز بالأرثوذكسيّة في وسط جائع إليها؟! لِمَ هذا التشرذم؟! لِمَ تلك المسافات بين القلوب؟! أكثير الطّلب أن تكون الأرثوذكسيّة وحدها مظلّتنا دونما قوميّات أو قبليّات؟! لا ليست القوميّات المطبّعة والعابثة بالكنائس في الأميركا من الله بل ضدّ الله! إنّها عوامل تفريق وإضعاف وتيئيس وعثرة لكنيسة المسيح، لا سيّما لعنصر الشّباب والمستنيرين والمهتدين إلى الأرثوذكسيّة! القوميّات، بأشكالها الإنّية، بحاجة لأن تقاوَم بكلّ الطرق الممكنة في الأميركا لتبقى الكنيسة عروس المسيح وحده. أرثوذكسيّة الرّوح والحقّ لا تتماشى أبدًا والرّوح القوميّة! إمّا أن نسوق كلّ فكر إلى طاعة المسيح أو ترسّخنا القوميّات الأرثوذكسيّة في الكنيسة الدّهريّة في العالم ونتلاشى ككنيسة جامعة!

       وما يقال في الأميركا وأورشليم يقال في الكنائس الأرثوذكسيّة القوميّة والقبليّة الأخرى، الرّوسيّة والأوكرانيّة واليونانيّة والرومانيّة والصربيّة وسواها. الدّخول في التّفاصيل جارح في الصميم! الأرثوذكس اللبنانيّون في الكويت يذهب معظمهم إلى الكنيسة المارونيّة لأنّ أكثر الكنيسة الأرثوذكسيّة هناك من السّوريّين، بمَن فيهم الكاهن!!! كفانا عبثًا! إنّ تطبيع القوميّات في الكنيسة الأرثوذكسيّة تجيير للأرثوذكسيّة لمرامي هذا الدّهر! ونتساءل: ألا خروج من هذا النفق المظلم! بلى، بنعمة الله والصّوم والصّلاة والحكمة والصّحو وتضافر جهود الخُلَّص والصّوت الصّارخ، ولو في البرّيّة أحيانًا، نستطيع كلّ شيء أمانة لحقّ الإنجيل. عدوّنا، في هذا الزّمان الرّديء، لم يعد أكثره من الخارج بل في الدّاخل! لذا النّداء للجميع هو هذا: "لا تشتركوا في أعمال الظّلمة غير المثمرة بل، بالحريّ، وبّخوا عليها" (أف 5: 11). السّكوت على الإثم المبين، في هذا الزّمان الرّديء، شيطان أخرس!

       والرّبّ يسوع المسيح المعين!

                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

17 كانون الثاني 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share