<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
الكنيسة والمال

     ثمّة مَن يقول في الكنيسة: "لا تستطيع أن تعمل إلاّ إذا كان عندك مال". يتكلّمون على أبرشيّة غنيّة وعلى أبرشيّة فقيرة، طبعًا بالمال. البعض يتشكّى أنّه ورث أبرشيّة أو رعيّة فقيرة. يجعلون توفّر المال شرطًا لإمكان العمل. هذه مقاربة غريبة عن طبيعة الكنيسة الحقّ. هل صار مسيح الرّبّ أسير "مامون"؟! هذه هرطقة! إذا كان لنا أن نتكلّم على شرط أساسيّ لإمكان إتمام عمل الله في كنيسة المسيح، فهذا الشّرط هو الإيمان الحيّ، والإيمان الحيّ وحده، بالرّبّ يسوع!

     الإيمان بالله لا يكون موفورًا إلاّ إذا كانت لدى المؤمن ثقة به. والثّقة تُتَرجَم اتّكالاً عليه. والاتّكال على الله يأتي من يقين. واليقين يجعلك عارفًا من أجل مَن تعمل. ومَن تعمل مِن أجله يعطيك أن تعي ماذا عليك أن تعمل وكيف تعمله. ثمّ متى عرفت ماذا وكيف تعمل فإنّك تعمله من دون همّ. تعمل بما أوتيت. بما عندك، لا بما ليس لديك. تنطلق من حيث أنت. طبعًا بجدّ وأمانة. وتستمرّ بما تيسّر. لا همّ ما يكون عليه حجم عملك بل أن تتَمِّمه بضمير حيّ، من كلّ قلبك، بأمانة. هذا يكفيك ويُشعِرك بالامتلاء ويقدِّسك ويقدِّس مَن حولك. وإرادة الله، في نهاية المطاف، قداستُكم.

     أمّا متى شاءك ربُّك أن تعمل ما لا طاقة لك عليه في حالك الرّاهنة، فسلام عليك! لا تضطربنّ! هو يزوِّدك بما يلزم. لا تقارن عملك بعمل غيرك! ليس سواك مقياسًا. المقياس ما قسَمَه ربُّك لك. هذا تعيه إن كنتَ أمينًا. المهمّ أن تبقى عينُك عليه وروحُك إليه. تتحرَّك وفق ما يبثّه فيك. وإن التبس عليك الأمر فلا تتوانَ عن الانكباب على الصّلاة والصّبر والانتظار. إذ ذاك، بعد وقت أو وقتين، يتّضح لديك ما يكون قد غمُض عليك من تدابيره.

     في كلّ حال، يشاؤك ربُّك أن تبقى بلا همّ. الهمّ يشوِّش القلب ويجرح الإيمان. اهتمَّ، فقط، بصون الصّلة به، بنقاوة قلب، أي بالصّلاة؛ والباقي يُكشَف لك بوضوح، في القلب، في أوانه.

     لا تستعجل ولا تتباطأ! للأمور، عند ربِّك، أوقات. أمّا نحن، فإن استعجلنا فمن عدم إيمان، أو من رغبة في الإنجاز السّريع. في الحال الأولى، ينقطع الاتّصال بالله، أو، أقلّه، يتشوَّش. نعمل كمَن إليه تعود المبادرة. وهذا سببٌ للضلال. نحن، فقط، نتلقّف ما يُلقى في قلوبنا. في الحال الثّانية، إذا ما احتدَّت فينا الرّغبة في الإنجاز السّريع، كان وراء ذلك إثباتٌ للذّات وميلٌ إلى حبّ الظّهور وجوع للمجد الباطل. أمّا إذا تباطأنا فلفتور يعتورنا، ولا تلبث شهادتنا لله أن تتحوَّل كلامًا أجوف. هذا يجعل أن عليك أن تروِّض نفسك على الانتظار، بصمت وكفاية معًا، وأنت تتابع ما بين يديك على نحو حثيث. ليس معطًى لكم أن تعرفوا الأزمنة. المعطى لك هو أن تجعل نفسك بالأمانة والصّلاة والصّبر والاتّضاع آلة في يد الله. "لتكن مشيئتك". ليس معنى ذلك أن تكون آلة صمّاء، بل أن تعمل وتتعب لتجعل نفسك رهن مشيئة ربِّك، كما لو كنتَ آلة، ولكنْ حيّة، بين يديه. هذا كلّه، إن تحقَّق، أتى من إيمانك بالله وصبَّ في حبِّك له.

     على هذا النّحو تسير الأمور في إتمام عمل الله، كما يليق، والباقي تفاصيل. هذا يتطلّب فقرًا إلى ربِّك وتحرّرًا لديك من كلّ غرضيّة ذاتيّة. تجعل نفسك خادمًا، في الحقّ، لا سيِّدًا، ولا تسعى لأن تكون سيِّدًا تحت ستار الخدمة. ليس المهمّ كيف يظهر عملُك بل ما هو عليه. معاييرك ينبغي أن تكون داخليّة. عينك على ما هو غير منظور، وتسعى وِسعَك لأن تقيم خدمتُك في الخفاء. همّك أن تعمل لأن يبقى في حدود مقاصد ربِّك، لا في مدى تصوّراتك في شأنها.

     من هذا المنطلق، لا قيمة للمال في ذاته، في الكنيسة، ولا دور، ولا اعتبار. ربُّك، متى شاء، وفّره لك بطرق أنت لا تعرفها، ومن خلال مَن لا تحسب لهم حسابًا. قلوب العباد لديه يحرِّكها في الاتّجاه الّذي يرغب فيه للخير. أنت لا تحتاج لأن تتمسَّح بأذيال الأغنياء كما لتؤدّي لمسيحك خدمة. هذا رخيص ومُذِلّ، لمسيحك ولك. الأغنياء تحبّهم كالفقراء، لأنّ الجميع في موقع الفقير إلى ربِّه. ولكنْ إن حابيت الأغنياء ابتغاء كسب أو رفعة صرتَ حقيرًا لديهم واستأسروك، وظنّوا أنّ بإمكانهم، بك، أن يستأسروا مسيحك ولو سايروك ولاطفوك. وهكذا تقدّم عن مسيحك شهادة زور. وعوض أن يتعلّم الأغنياء، من خلالك، أن يتبرّكوا بما يعطونه، ويتهافتوا عليه (العطاء)، يكونون مجرَّبين بالانتفاخ واعتبار ذواتهم قادرين على التّحكّم بك وبكنيستك ومسيحك! أنت متى آمنت بربّك في الحقّ سلّمت نفسك وما بين يديك إليه، وما أتَحْت لأحد أن يتعاطاك بدالة بشريّة! إن استعبدت نفسَكَ لأحد، ولو باسم مسيحك، ما عدتَ مؤمنًا لأنّ عبادتك لذاتك تكون قد طَغَتْك! مسيحك يكفيك! النّعمة الإلهيّة، إذ ذاك، تكمِّلك. أنت فقط تحمل نفسك إليه، وتجعل نفسك، في الصّلاة، بين يديه! حسبُك أن تلاحظ ما يشير به الرّوحُ عليك وحسُّك!

     لا يكلّفك ربّك جهدًا وينسحب. بدونه لا تثبت في شيء مهما كان طفيفًا. ثمّ ليست حاجة ربّك لا إلى عقلك ولا إلى قوّتك ولا إلى تدابيرك. واحدًا يستدعيه ربُّك فيك: "قلبك"! بعد ذلك تجيّش عملَك وتحشد قواك. هذا من الطّبيعة لأنّك إنسان! ولكنْ، عليك بتنقية قلبك إليه أوّلاً! كلّ شيء، إذ ذاك، ينتظم! وإلاّ لا منفعة من كلّ ما لديك! تقتل ربَّك وتعمل ما تعمله باسمه زورًا. تظنّ أنّك تعمل لربّك فيما تعمل لنفسك. تقول مجدَه وتعمل لمجد نفسك. تُعلي سيادته كلامًا وتقيم ذاتك سيِّدًا باسمه. ولا تلبث أن تجيِّر رضاه لنفسك، وكأنّك لدى النّاس نصف إله! تصادره! وبذا تلغيه، وأنت تدري ولا تدري، وتمسي عابدًا لذاتك، مقيمًا لأوثانك! يصبح ربّك، قليلاً قليلاً، ثِقلاً عليك. تقتله إذ يموت إحساسك العميق به، ولا تبقى لك من عبادته إلاّ الطّقوس؛ ولا من معموديّته إلاّ الماء والاحتفال والأثواب؛ ولا من تسابيحه إلاّ أنغام الأناشيد؛ ولا من تماجيده إلاّ الأصوات المتلوِّنة بالمجد الباطل، ولا من السّيرة الرّوحيّة إلاّ الغنائيّات المتحفيّة؛ ولا من عقائده إلاّ رصف الكلام، ولا من قوانينه إلاّ ما يخنق الرّوح!

     مَن ليس أمينًا في الفقر لا يمكنه، عند ربّه، أن يكون في الغنى الأرضيّ. ولِمَ تحتاج إلى مال؟ لإكرام ربّك أم لكرامتك وتعظّم معيشتك؟! كرامة ربّك صليبُه! لإطلاق مشاريعك؟! مشروعك وحيد: أن تبثّ روح ربّك في إخوتك، وكلمته في أفئدتهم، ومحبّته في ثنايا أحشائهم! بناء النّفوس هو البنيان؛ وهذا، فقط مَن علا فيه بنيانُ الرّوح يقدر أن يساهم فيه! ما ليس عندك لا يمكنك أن تعطيه. كيف تُشرك الآخرين بما ليس موجودًا عندك؟ لم يكن لابن الإنسان موضع يسند إليه رأسه. بالعكس، مَن كان صندوق المال لديه استبان سارقًا ولصًّا، وانتهى، وقد أسلم ربَّه بثلاثين من الفضّة!

     مسيحنا عابر أبدًا! نحن أمّة أنبياء وسوّاح في الأرض! نجول في صحراء هذا الدّهر التماس أورشليم العلويّة. وخيمتُه ليس لها مكان، بعد، في الأرض، لأنّه ما عاد ساكنًا في حجارة بل في قلوب لحميّة. التّشوّف، أبدًا، هو إلى الرّحيل إلى وجه الله. المؤسّسات نقيمها لخدمة الفقراء والحاجة، وما هاجسنا أن نبقى في حدود الخبز واللّباس والدّواء كأنّنا خدّام اجتماعيّون. مُلتمسُنا الخبزُ السّماويّ ودواء التّوبة لنُشفَى من الخطيئة والموت. صحيح أنّ الفقراء مذبحُنا في القلب بالحبّ، ولكنْ، فقط، ليعلموا أنّ الرّبّ يسوع حيّ ومحبّة، ويحبّهم فينا، حتّى، متى عرفونا نطعمهم خبزَ الأرض، يطلبوا الخبز السّماويّ وعقاقير الخلاص إلى حياة أبديّة. أما قيل: "اعملوا لا للطّعام البائد بل للطّعام الباقي الّذي يعطيكموه ابن الإنسان"؟ كنيسة القلب، كنيسة الحبّ، كنيسة الحياة الأبديّة، كنيسة التّألّه، هي ما علينا أن نبنيها، بمؤسّسات ومن دون مؤسّسات، بمال ومن دون مال، حتّى لا تستحيل الكنيسة مؤسّسة من هذا الدّهر، وحتّى لا تمسي في الوجدان والأكباد شعارات في الهواء! حيث يسود روح الرّبّ تنتظم الأمور تلقاء، وحيث لا روح، ولو انتظمت المؤسّسة، تلقانا بإزاء كنيسة متحفيّة! لذا يسوع رأسمالنا، يسوع مؤسّستنا، يسوع رعايتنا، يسوع قِبلتنا، يسوع ملكوتنا! لسان حال المؤمن بإزاء المؤمن والجميع هو لسان حال الرّسول المصطفى بإزاء أهل كورنثوس: " لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا" (1 كورنثوس 2: 2). فيه، وفيه وحده، بعد ذلك، يُعطى لنا كلُّ شيء ويزاد...

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

25 تشرين الثاني 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share