عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
ثمن المخالفة!

       مخالفات وعثرات كثيرة نسمع بها وتطالعنا في كنيسة المسيح، وقلّما نجد مَن يتصدّى لها ويعمل على وضع حدّ لها في خطّ التراث، ويُظنّ أنّها تمرّ ويعتاد عليها الناس ولا تترك أثراً. الخطر الكبير الذي نتعرّض له، في هذا السياق، أنّ اعتياد الخطأ والخطيئة يُفقدنا الإحساس بالإلهيات ويجعلنا، أفراداً وجماعات، أكثر عرضة لتسلّط الشرّير علينا. لذا الإساءة في حقّ جسد المسيح، إذا غضضنا الطرْف عنها، تنثر العثرة وتساهم في قتل الإيمان الحيّ بيسوع المسيح، ربّ المجد، وتضرب الكثيرين باللعنة. دونكم هذا المَثَل من حالات عديدة تتكرّر بيسر.

       في القانون والممارسة التراثيّة، لا يُجري الكاهن، عندنا، خدمة زواج بين رجل أرثوذكسيّ وامرأة غير مسيحيّة. هذا ضربٌ للاّهوت والقانون والعائلة المسيحيّة الأرثوذكسيّة، وتالياً الكنيسة. رغم ذلك مِثْل هذا شائع ويتعاطاه بعض الكهنة ولا يزعجهم ضميرهم، وكثير من العامة أَلِفُوا سماعه ويعتبرونه أمراً عاديّاً ويحلّون قضاياهم، على أساسه، حيث تدعو الحاجة. أما الغيارى على الكنيسة فيؤلمهم ما يحصل لكنّهم قلّما يحرّكون ساكناً، إمّا لأنّهم يعتبرون أنفسهم غير معنيّين مباشرة بما يجري، وإمّا لشعورهم بأنّ المسألة، في خضم الفلتان الحاصل، غير قابلة للمعالجة.

       أما بعدُ فقد رغب، منذ بعض الوقت، أحد أبناء الطائفة الأرثوذكسيّة، ولا أقول الكنيسة، لأنّ هذا الشاب، في الواقع، يوجَد على هامش حياة الكنيسة – إذاً رغب، وهو عازب، في الزواج من فتاة غير مسيحيّة. سأل كاهنَ الرعيّة التي يسكن في نطاقها في الأمر، فأجابه: إذا لم تَصِر الفتاة مسيحيّة أرثوذكسيّة فلا يمكنك أن تتزوّج منها في الكنيسة الأرثوذكسيّة، وهذا بحاجة إلى امتحان الفتاة للتأكّد من رغبتها الصادقة في الانتماء إلى الكنيسة، ومن ثمَّ إلى فترة تعليميّة قد تمتدّ أشهراً، وبعد ذلك عليكما، معاً، أن تخضعا للدروس نحو التهيئة للزواج. إذ ذاك، فقط، يمكن الزواج أن يُجرى. لم يشأ الشاب أن يفهم. كلّ ما قاله الكاهن لم يَعْنِ له شيئاً، ولا كان مستعدّاً لأن يقبل به. كان يريد أن يتزوّج وسريعاً مهما كلّف الأمر. لذا عاند وأصرّ. فأعاد عليه الكاهن الكرّة، ولكن على غير طائل. إذ ذاك، قال له الكاهن: إذا كنتَ مصرّاً على الزواج من الفتاة ولا تشاء الأخذ في الاعتبار ما أقوله لك، وهو ما تقوله لك الكنيسة من خلالي، فافعل، على مسؤوليّتك، ما يفعله بعض الناس، سافر إلى قبرص وتزوّج منها زواجاً مدنيّاً. فلم يشأ بل أصرّ على الزواج هنا، وفي الكنيسة الأرثوذكسيّة. أخيراً عيلَ صبر الكاهن فاتّصل بالدائرة المختصّة في مطرانيّته، فقيل له: إذا بقي طالب الزواج على عناده ولم يشأ أن يفهم فأعطِه ورقتَي المعمودية وإطلاق الحال الخاصتَين به وليذهب إلى أبرشيّة أخرى. وهذا ما فعله الكاهن. حرّر له ورقتَي المعمودية وإطلاق الحال أنّه عازب ودفعهما إليه وقال له أن يتدبّر.

       ذهب الشاب إلى أبرشيّة أخرى. وبطرق لا نعرفها استدلّ على كاهن قيل له إنّ بإمكانه أن يدبِّر الأمر له لقاء مبلغ من المال. تمَّ الاتصال بالكاهن فأبدى استعداداً لتدبير الأمر. هذا سَهْلٌ عنده لأنّه معتاد عليه! وإن هي سوى أيّام قليلة حتى جرت للفتاة معمودية شكليّة وخدمة ميرون صوريّة. لا كان هناك لزوم، لدى الكاهن، للتأكد من استعداد الفتاة لأن تصير مسيحيّة، ولا لتعليمها. وهو، أصلاً، غير كفء لهذا وذاك. ثمّ، في غضون يومَين، قام بتزويجهما بعدما أمّن، بيسر، إذن الزواج اللازم من الدائرة المختصّة في مطرانيّته.

       ليس شأني أن أُحاكم الكاهن المتفلِّت على ما فعل. هذا شأن المسؤولين عنه. الأمر، في كل حال، كما سبق فقلت، شائع ومألوف. حسبي الاحتجاج وأن أبيِّن بعض مفاعيل ما جرى راجياً أن تحرِّك معرفة هذه المفاعيل ما لم يحرّكه الاحساس بالمسؤوليّة في النفوس.

       أولاً  .  إذا كان أمرٌ، كزواج رجل أرثوذكسيّ من امرأة غير مسيحيّة، يمكن تدبيره، بطريقة أو بأخرى، في أبرشيّة ما، ولا يمكن تدبيره في غيرها، على هذا النحو الصُوَري، فهذا يعني أنّ ما يتحكّم بالممارسة، بالأحرى، هو استنساب المسؤولين وأمزجتهم وأهواؤهم. وهذا يعني، أيضاً، أنّنا لسنا، بعد، بإزاء كنيسة المسيح ذات الإيمان الواحد والشرع الكنسي الواحد، بل بإزاء مزارع ودكاكين!

       ثانياً  .  إمّا أن يكون المسؤولون في الأبرشيّة، التي جرت فيها المعمودية والزواج خلافاً للأصول والتراث، قاصرين أو متورّطين. الكاهن مطالَب، ومَن أعطى إذن الزواج مطالَب أيضاً، وكذلك مَن وراءه. أن تجري الأمور بمثل هذه السهولة معناه أنّ التجاوزات باتت مطبَّعة وأنّنا بإزاء حالة تسيّب مريعة! هذا فعل تفكيك للكنيسة من الداخل. إذا لم يجرِ إصلاحُ العطب من داخل الأبرشيّة فيجب إصلاحه من خارج الأبرشيّة وإلاّ الخطيئة أعظم! الكلّ مسؤول عن إصلاح الجميع وإلاّ يُطالَب!

       ثالثاً  .  الكاهن الذي قام بهذا العمل هو، كنسيّاً، في موقع الكافر واللصّ والتاجر: الكافر لأنّه فرّط بالقدسات التي هو مؤتمن عليها، واللصّ لأنّه اختلس ما لله، والتاجر لأنّه تاجر به وتعاطى السيمونية، أي باع القدسات بمال. مثل هذا الكاهن، إذا أقام الذبيحة الإلهيّة وأراد أن يساهم القدسات يكذب لأنّه يقول: "اقبلني اليوم شريكاً في عشائك السرّي يا ابن الله لأنّي لست أقول سرّك لأعدائك..." وهو قد أنكر معلّمه وسلّم سرّه للشيطان عدوِّه. لذلك يساهم القدسات للمرض واللعن والموت لا للحياة والبركة والفرح.

       رابعاً  .  حيث إنّه ليس ما يبيِّن أنّ الفتاة عارفة ومؤمنة ومهيّأة لأن تحمل سرّ العماد، فإنّ "التمثيليّة" التي جرت لها، عمليّاً، هي طقس كلامي أجوف، والمعمودية القائمة هي معمودية ماء وليست معمودية روح قدس، وهي، تالياً، أدنى إلى اللعنة على الفتاة وعلى زوجها وعلى مَن سهّل لها الأمر لأنّ استعمال اسم الربّ يسوع فيها كان زوراً. أبناء سكاوا الذين استعملوا اسم يسوع باطلاً قَوِيَ عليهم الروح الشرّير وغلبهم وعرّاهم وجرّحهم (أع 19). وأبناء عالي الكاهن كانوا بني بليعال (عابثين) وجعلوا الناس يستهينون تقدمة الربّ، فقطعهم الربّ الإله وماتوا شرّ ميتة، وقطع ذرّيتهم وانكسرت رقبة أبيهم (1 صم 2، 4). لا يحسبنّ أحد أن الله موضوع حيادي. كلاّ، أبداً! "مَن ليس معي فهو عليّ". وما لا يعود على الناس بالبَرَكة من استعمال اسم الله يُسبِّب لهم أذى كبيراً ولعناً. مَن يلعب بالنار تحرقه! "مخيف الوقوع بين يديّ الله الحيّ"!

       خامساً .  الزواج المسيحي انتماء إرادي واعٍ إلى جسد المسيح. فإذا لم يكن هناك وعي وإيمان وإرادة حقيقيّة للانتماء إلى جسد المسيح عند الزوجَين، فإنّ خدمة الزواج ولو أُجريت عليهما فلا قيمة روحيّة لها، وزواجهما، من جهة الكنيسة، تالياً، باطل. لا سِحْر في خدمة الزواج! ولا بَرَكة آلية! من هنا أنّ زواج الشاب والفتاة الآنفَي الذِكر هو زواج بالشكل لا بالمضمون ولو كان قابلاً لأن يُسجَّل في دوائر النفوس. مثل هذا الزواج، ولو اكتسب صفة الشرعيّة، فإنّه زِنىً على الله لأنّه قائم على تعدٍّ وعلى اختلاس ما لله وتعاطيه بنفاق، وهو يَكفُر بلاهوت الزواج المسيحي وروحيّته ويمسخها.

       هل تعلم أيّها الكاهن العابث ومَن وراءه ماذا فعلتم؟ لقد صرتم، بما فعلتم، خدّاماً لإبليس، وبعتم أسرار سيِّدكم بثلاثين من الفضّة وجلبتم على أنفسكم لعنة دنيا وآخرة وساهمتم في إفساد خراف المسيح وأعثرتم. كان خيراً لكم لو لم تصيروا كهنة، من أن تسلكوا في العبث بما لله. كان خيراً لكم لو لم تولدوا! فتوبوا عن غيِّكم قبل فوات الأوان وابكوا شقاوتكم القادمة! كفِّروا عن خطاياكم وإلاّ الويل لكم! عذابكم سيكون أفظع من عذاب يهوذا الإسخريوطي لأنّ يهوذا شنق نفسه ندماً، وأما أنتم فتبيعون المعلّم كأنّه سلعة بين أيديكم وتظنّون أنّكم "شطّار"!

       وأنتما أيّها الشاب والفتاة أتظنّان أنّ هذا الكاهن الفاسد الذي ساعدكما قد صنع بكما خيراً؟! صحيح أنّكما صرتما، في الهيئة والشرع، زوجَين، لكنّه أعطاكما سُمّاً وجعلكما ابنَين لجهنّم وتحت لعنة. لذلك توبا وابحثا عن كاهن قدّيس وسلِّما نفسيكما إلى عنايته واخضعا له في كلّ ما يقوله لكما، وإلاّ فإنّكما لن تذوقا طعم السلام في حياتكما لأنّي أراكما، كسيمون الساحر، "في مرارة المرّ ورباط الظلم" (أع 8: 23). ما فعلتماه وما جرى لكما مريع! اسمعا جيِّداً وتأدّبا! "تأدّبي يا أورشليم لئلا تجفوَك نفسي"!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

28 حزيران 2009
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share