<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
نقاط على الحروف
المؤسّسة القاتلة
حالة مَرَضيّة
(٣)

   لم تعد لمؤسّسة الخدمة – ولنسمِّها "مؤسّسة الخدمة الاجتماعيّة" – بعامّة، في الكنيسة، علاقة بـ"خدمة الموائد"، ولو كانت قد خرجت، تاريخيًّا، منها!. لعلّها تطال بعض الفقراء، لكنّ الفقير ليس همَّها!. فقدت، روحيًّا، شرعيّتها، وباتت كيانًا غريبًا عن روح الكنيسة!. مع ذلك، لا زالت تعمل، في الكنيسة، باسم الكنيسة، وإليها يذهب، واقعًا، مال، ليس بقليل، كان يُفترض أن يُنفَق على الفقير، لو كانت الممارسة قويمة!. ولهذا دلالته، أنّ الموازين القيّميّة اختلّت!.

   المال الّذي يصبّ في صندوق المؤسّسة، بشكل عطايا أو من بعض الأوقاف، يُطرح بشأنه سؤالان: هل قصد الواهبين للمؤسّسة الكنسيّة أن تُقدَّم العطايا فيها للمحتاجين أم لغير المحتاجين، للخدمة أم للاستثمار والتّجارة؟ هذا متروك للضّمير الجواب عليه!. ثمّ الأوقاف، أصلاً، أليست، في الحسبان، موقوفة لسدّ حاجات الفقراء؟ فإذا لم تكن كذلك، فما مبرِّر قبول الكنيسة لها، أو حتّى الاحتفاظ بها؟!. أفهم، على هذا الصّعيد، أن تكون مؤسّسات الخدمة الاجتماعيّة، عينُها، موقوفة لخدمة الفقراء، ولكن لا أفهم، ما يُتعاطى كأنّه بديهة، أن تكون للكنيسة ممتلكات، بشكل أوقاف، وهي غير موقوفة لخدمة، أو لخدمات محدّدة ولا تذهب إليها!. في مثل هذه الممارسة خلل جوهريّ في مفهوم الوقف وتشويه لمعنى العطاء!. كذلك أفهم أن تكون للكنيسة مدرسة ومكتبة، ونظير ذلك، لسدّ الحاجة إلى الإعداد العلميّ لخدّام الكنيسة. هذا مشروع ويدخل في نطاق "خدمة الكلمة"!. ولكنْ، هذه، في ذاتها، أوقاف، المفترض أن ينفق المؤمنون عليها!. كذلك دور العبادة!. إذًا، لِمَ الأوقاف غير محدّدة المرمى؟ إرثٌ من السّابقين؟ كانوا غيارى على الكنيسة، وراموا سدّ حاجاتها!. أترانا استعملناها حيث ينبغي؟ بالأحرى، خلقت مناخًا مريضًا في الكنيسة، حيث تُركت جهةُ استعمالها لاستنساب القيِّمين عليها، فصارت، بالأكثر، مضغة للأهواء والمحاسد والأنانيّات الفرديّة والجماعيّة!.

   لا نبالغ إذا قلنا إنّ الأوقاف تأتي، في واقعها الرّاهن، لتُطفئ روح الشّركة في الكنيسة!. لا شكّ أنّ روح الشّركة كانت، بعامّة، في الأساس، وراء إيقاف هذه الأوقاف للكنيسة!. نحن كنيسة تأتي من عوز، لا سيّما خلال الحقبة العثمانيّة!. ولكن، لا شكّ، في المقابل، أنّ سوء تعاطي هذه الأوقاف، بمرور الأيّام، أو حتّى عدم تعاطيها بالمرّة، عطّل ويعطِّل روح الشّركة إلى حدّ بعيد!. حين تكدِّس ما هو، أصلاً، للفقير وتمنعه عنه، يتوقّف القادرون على العطاء عن العطاء الحلال!. وحين تنفقه في غير موضعه، على نحو مشبوه، يتّهمونك بكلّ أنواع التّجاوزات!. إذ ذاك، تجدك، بتواتر، محتاجًا، فتمدّ يدك وتسأل صدقة، أو تتحايل على أهواء النّاس، باسم الكنيسة، أو "تتاجر" بالقدسات (بطرشيل، طلاقات...)، فتلقاك، إذ ذاك، في أسوأ حال!. لا الأوقاف تعود تُجدي نفعًا ولا النّاس يُعطون عن غيرة على بيت الله!. يستقيل المؤمنون ويصيبهم الإحباط ويُضرَبون باللاّمبالاة، فيعتبرون أنفسهم غير معنيِّين إلاّ بشؤونهم الخاصّة!.

   كلّ هذا يوَلِّد ويزكّي في الوجدان تصوّرًا أنّ الكنيسة هي المقامون عليها، الممسِكون بزمام السّلطة فيها، والقابضون على مقدّرات الأوقاف لديها!. عامّة المؤمنين تمسي مهمّشة بالحسبان!. هكذا تجدك، في الكنيسة، بإزاء واقع لا كنسيّ!. لا تعود الكنيسة شركة، جماعة متراصّة!. ولا يعود الرّابط بين الرّوم الأرثوذكس إنجيل المحبّة!. لُحمتهم الدّاخليّة تنفكّ!. يتفرّق شملهم ولو التقوا!. لقاؤهم عابر!. لا يبقى من الكنيسة إلاّ بعض الوجوه، هنا وثمّة!. تستحيل الكنيسة، عمليًّا، طائفة بشر، نوعًا من التّجمّع الرّخو ذي الشّعارات الدّينيّة!. أقول "الرّخو" لأنّي مقتنع أنّ الرّوم الأرثوذكس، حتّى كطائفة، في هذه الدّيار، مبعثَرون ومخيِّبون للظّنّ!. الطّوائف الأخرى أكثر تراصًّا منهم!. لا شيء يجمعهم إلاّ الحكي والطّقوس!. مشروعهم الطّائفيّ فاشل!. حيث لا محبّة تجمع ليس ما يجمع!. النّصوص العقديّة، الّتي لا تُترجَم روحًا ومحبّة، لا تكفي لتماسك الكنيسة!. تستحيل شعارات جوفاء!.

   على هذا، لا يعود الجامع بين أبناء الطّائفة مسيحَ الرّبّ. تتولّد بينهم، في أحسن الحالات، عصبيّة ما. تتراوح مواقفهم بين اللاّمبالاة، حيث ثمّة مَن لا تعني لهم الطّائفة شيئًا، والإحباط، حيث يرتع القوم في المرارة، والتّعصّب الأعمى، حيث يجد قوم منهم نفسه، في بلد طائفيّ، بحاجة إلى سند عصبيّ ولو مرضوضًا!. اللاّمبالون يتردّدون على الكنيسة متى كانوا بحاجة قسريّة إلى خدمة فيها وكذا المحبَطون!. والمتعصّبون لا تعني لهم الرّوح الكنسيّة شيئًا؛ يؤخذون بالشّكل!. يفتخرون بالنّاس لأنّهم روم، ولو لم تكن لهم أيّة علاقة بالكنيسة؛ ويفتخرون بالمؤسّسات لأنّها للرّوم، ولو لم تكن حتّى في خدمة فقراء الطّائفة؛ وتكفيهم المطالبة بحقوق الطّائفة، حتّى لو لم ينالوا نصيبًا من هذه الحقوق!. أمّا الكبار، في الطّائفة، فلهم فيها مطيّة موافقة لمراميهم وأمجادهم ومصالحهم، تحت ستار الغيرة عليها!.

   كلّ هذا يعيدنا إلى مؤسّسات الخدمة الاجتماعيّة في الكنيسة!. إنّها، واقعًا، مؤشِّر لوجود مناخ طائفيّ باهت، واهٍ، بعامّة، لا علاقة له بالكنيسة!. ما كان يمكن لتلك المؤسّسات، بصيغتها الرّاهنة، أن تستمرّ، لو لم يكن المناخ الطّائفيّ الحاضن لها متقلقلاً ضحلاً مفكَّكًا!. أن يعتبرك الآخرون طائفة شيء، ولكن أن تعتبر أنت كنيستَك طائفةً أو لها وجه طائفيّ، شيء آخر تمامًا!. المأساة أنّ أبناء الكنيسة باتوا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم طائفة، ولو في الشّكل!. لا الفكر ولا السّلوك بقيا كنسيَّين!. كنيسة في أزمة وطائفة في وهم!. هنا الطّامة الكبرى!. الوجدان التوى وانحرف وتشوّه واستغرب!. آثروا التّفه وما عادوا، من حيث يدرون ولا يدرون، مبالين بالملكوت!.

   لذا عندك مشكلة وجدان انعطب!. لم يعد الوجدان كنسيًّا!. الأزمة، في العمق، أزمة إيمان!. الجهل الرّوحيّ عمّ!. فكيف تتعاطى الكنسيّات، والحال هذه، بوجدان طائفيّ؟ تصير الكنسيّات، بالأكثر، وقودًا لتوجّهاتك الطّائفيّة، ولِعصبيّاتك الرّوميّة الجوفاء!. تكتفي، من الكنسيّات، بالمظاهر والقشور والانتفاخ!. شعارات بلا روح، طقوس بلا عبادة، عِلم بلا قلب، كلام بلا رحمة، مؤسّسات بلا خدمة، علاقات بلا محبّة!.

   لا إمكان تغيير كبير، في هكذا مناخ، في وجهة المؤسّسات!. الأكثرون لا يعون أنّ ثمّةَ مشكلة!. لذا تقبلها بفخر، إذا كنت طائفيًّا، وتقبلها على مضض، بوجع قلب، إذا كان لك حسّ كنسيّ، وتعتبرها متوحشّة إذا احتدّت الكلمة فيك!. تفسدك!. تلطّفها!. تتجاهلها!. في كلّ حال، تتعايش وإيّاها، بانتظار تغيير جذريّ نهضويّ في الوجدان، تظنّه يأتي في المدى، وتَعد نفسك به، وتعمل من أجله صادقًا، وما يأتي!. تجدك في الخيبة، ويرتحل ذهنك، تمنيًّا، إلى إمكان حدوث معجزة!. أو لعلّك تنكفئ لتهتمّ بشؤون نفسك وما أمكنك فعله بين النّاس!. لكنّك تعرف، في قرارة نفسك، أنّ البِرّ، في الزّمن الأسود، يهن، وأنت، روحيًّا، في العاصفة!. من كثرة الإثم تبرد المحبّة!.

   أنّى يكن الأمر، فليس لعبيد الله أن يقفوا بطّالين!. يعرفون أنّ خدمة الكلمة لا تؤدَّى، على نحو مُجْدٍ، إلاّ إذا كانت مؤسّسة على خدمة المحبّة؛ لكنّ خدمة المحبّة تهشِّمها وتهمِّشها مؤسّسات الخدمة الاجتماعيّة، في الكنيسة، باطّراد!. تحتاج إلى بدائل. ما البدائل؟ كيف توقف الأذى والتّداعيات السّالبة لمؤسّسات الخدمة الاجتماعيّة هذه؟ كيف تلمس القلوب بالحنان، في زمن القسوة والإعراض، فيما تبثّها كلمة الحياة، في مناخ ملوّث امتلأ ضبابًا أسود؟ إن لك في ذلك تحدّيًا روحيًّا كبيرًا!. أنت، بشريًّا، بإزاء المستحيل، ومع ذلك، اقتحمه، رغم كلّ شيء، بالصّلاة، أوّلاً، فإنّ لك، في نعمة ربّك، معينًا!. لا حقّ لك في أن تُحجم إلى أن يأتي سيِّدك على السّحاب، ولو لم تكن مقتنعًا بجدوى ما تعمل!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

31 أيار 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share