عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
الرفاه والصلاة

        سألني: "ما السبب في أنّ العديد من المؤمنين، اليوم، يُبدي تعباً من الصلوات الكنسيّة؟" قلت: "لأنّ النفوس، بعامة، ضعيفة". "ولِمَ النفوس ضعيفة؟" "لأنّها اعتادت سهولة الحياة أسلوباً". الحياة، في الماضي، كانت شاقّة. أبسط الأمور، اليوم، لم يكن ليتوفّر، في الماضي، إلاّ بجهد وتعب ليس بقليل. اليوم، توفير الخبز، مثلاً، أمر ولا أيسر. يأتيك موزّع الخبز ومشتقّاته حتى إلى باب دارك دونما زيادة في الكلفة. في الماضي، كان أهل الدار يصحون باكراً جداً، في الثانية أو الثالثة صباحاً، لينخلوا الطحين، ثمّ ليعجنوا العجين، ثمّ لينتظروه يختمر ثمّ ليريحوه ثمّ ليقطّعوه ثمّ ليرقّقوه ثمّ ليخبزوه بعد أن يكونوا قد أعدّوا الصاج والحطب وجمّروه، أو يرسلونه إلى الفرن وينتظرون دورهم، وهكذا إلى أن يصير العجين خبزاً في المعجن. هذه قصّة كانت تتكرّر كل بضعة أيام. وماذا عن الغسيل والكوي والتنظيف والطبخ والجلي؟ وعن عَلْف الخرفان وحلْب البقر وصنع الألبان والأجبان وإعداد المؤن؟ وعن زرع القمح والحبوب؟ وحدِّث ولا حرج عن أتعاب التنقّل من مكان إلى آخر، سيراً على الأقدام، أو على الدواب أو على الجمال. الحياة كانت صعبة لذلك كانت الحاجة ماسة إلى أبدان صلبة وإلى نفوس قوية. الحياة نفسها كانت تعلّم الناس الصبر والانتظار وتحمّل الشدائد وتشدّ الناس إلى التعاون فيما بينهم. وماذا تقول عن الأمراض وعدم توفّر الأدوية والمستشفيات والأطبّاء. والحياة، بعامة، كانت قصيرة المدى لا فقط بسبب عدم توفّر العلاجات والوقاية بل بسبب الإرهاق أيضاً. كان الناس، لطبيعة حياتهم، متّجهين، بصورة تلقائية، إلى حياة الصلاة والاتّكال على الله. الإنسان، عموماً، كان يشعر بضعفه وقصوره وحاجته إلى الله. عنصران أساسيان كانا يشدّان الإنسان إلى الله: أنّه معتاد على بذل الجهد وأنّ الله ضرورة لحياته. اليوم الإنسان معتاد على الرخاء ومستغنٍ عن الله في الكثير من أموره. من هنا أنّ أكثر المؤمنين اليوم لا يختلفون في شيء، في أسلوب حياتهم، عن الذين لا يؤمنون. لذا أضحى الله إليهم، واقعاً، في وجدانهم، داعماً لمنهجهم الدهري في السيرة. من هنا الشكلية في صلاتهم وتعبُهم وقِصَرُ باعهم. الإنسان، اليوم، بحاجة إلى نسك إرادي لتستقيم قناته، إلى شيء من الفقر الطوعي، إلى الصوم والصلاة أسلوب حياة، ليستعيد حيوية علاقته بالله. من أين يأتي بهذا كلّه إذا كانت نفسه ضعيفة ولا يحرم نفسه شيئاً من طيِّبات الحياة، وما أوفرها وما أيسرها وما أكثرها وما أغراها في هذه الأيام؟ لا شيء غير الشدائد القصرية تجعله يستعيد شيئاً من مناخ العلاقة الحيّة مع الله: المرض، الكوارث الطبيعية، الحروب الخ... فلا عَجَب إن كان المؤمن اليوم يطلب تقصير الصلوات وتخفيف الأصوام. ولا غرابة إن تحوّلت عماداتنا وأعراسنا ومآتمنا إلى منتديات اجتماعية وإلى مراسح استعراضية. أحدهم علّق على قِصَر نَفَس الناس الصلاتي بالقول، الذين يأتون في أوّل صلاة السَحَر شخصان أو ثلاثة. في أواخر صلاة السَحَر يرتفع العدد إلى عَشرة. قبل الإنجيل، في القدّاس الإلهي، يصير العدد ثلاثين. قبل المناولة المقدّسة يبلغ العدد ثمانين. وقت المناولة المقدّسة يزيد العدد إلى المائة. بعد ذلك، عند توزيع البروتي، يصل إلى المائة والعشرين. لماذا؟ لأنّ الناس، عموماً، ما عادوا يملكون نَفَس الصلاة. كثيرون يدخلون الكنيسة ليضيئوا شمعة ويتمتموا كلاماً غير واضح أو يقفون متظاهرين بالصلاة، أو يقبِّلون إيقونة ثمّ يخرجون وقد أدّوا ما يعتبرونه واجبهم. في النفوس موات كثير! هذا هو الجو العام. الكهنة يؤثّرون ولا شكّ، إن عدلوا، لكن الواقع المنحرف أكبر منهم بكثير.

        فلا عَجَب إن قال بعض آبائنا، على نحو موجع، الناس بحاجة إلى الحروب والكوارث، وهي آتية لا محالة لأنّهم صاروا غرباء عن الله. الله يشاء خلاص البشريّة، لكن البشريّة سكرى أهواء النفس والجسد، والرفاه اليوم يساعد، فما الذي يفعله الله ليخلِّص الناس؟ ينزع نعمته منهم ويسلمهم، بكل أسف، للآلام والضيقات والهموم ليتوبوا إليه ويخلصوا، ليحصّلوا مرغَمين ما لم يحصّلوه بالنسك الطوعي، بالصوم والصلاة الإراديَّين.

        الزمان لا شكّ، اليوم، رديء. الدهرية أخطر بكثير من الإلحاد. إذا كان الإلحاد تنكّراً فلسفياً لله فالدهرية تنكّر عملي له. واقع الناس يجنح بهم، من حيث لا يدرون، إلى إفراغ المسيحيّة من مضمونها الأخروي. الكنيسة، في وجدان الأكثرين، أضحتْ ذات مضمون دهري. الاكتفاء بأمور هذا الدهر أضحى ميزة أكثر مَن يسمَّون على الإيمان اليوم. النفسانيات تحلّ محل الروحيّات، والعبادة أدنى إلى الوثنيّة، والله، في الواقع المعيش لأكثر الناس، صنم نفسي أو فكري يُعبَد لارتباطه، في الوجدان، بأهواء البشر أو قبلياتهم أو فردانيتهم. عملياً الإنسان انحدر إلى عبادة ذاته، والله صار أدنى إلى علامة لهذه العبادة للذات.

        السؤال يُطرَح، هل من خروج للإنسان من هذا المأزق أم صار الإنسان على قسوة قلب لم يعد معها قادراً على التفلّت من قيود أهوائه. الجواب جدليّ ولا شكّ! لكن البادي، في كل حال، أنّه لا دخول إلى ملكوت السموات إلاّ بضيقات كثيرة، إما يفرضها الإنسان على نفسه فرضاً أو تفرضها ظروف حياته عليه بنتيجة استغراقه في الغربة عن الله!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

14 أيلول 2008
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share