<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
نقاط على الحروف
المخلّع والنور

        ... وجاء بالمخلّع إلى يسوع أربعة رجال. تصرّفهم غريب! كان يسوع في بيت وكان الناس يملأون المكان، فلم يجد الأربعة من أين يدخلون. فصعدوا على السطح ودلّوه مع الفراش، الذي كان عليه، من بين الأجرّ "إلى الوسط قدّام يسوع" (لو 5: 19). النصّ الإنجيلي يقول إنّ يسوع، لما رأى إيمانهم، قال للمخلّع: "أيّها الإنسان مغفورة لك خطاياك".

        على إيمان الأربعة غفر يسوع للمخلّع خطاياه. ليس ما يمنع أن يكون إيمان المفلوج سبباً إضافياً لغفران خطاياه. السياق، في كل حال، يدلّ على ذلك. اللافت أن يكون إيمان مَن حملوه سبباً أيضاً. إذاً لا تُغفر خطايا أحد لإيمانه الشخصي وحسب. الآخرون لهم دور. لهم مساهمتهم. إيمانهم له تأثيره. وإيمانهم تجلّى بهذه الغيرة التي أبدوها، بهذا الإصرار على أن يقدّموه إلى يسوع، على أن يجعلوه قدّامه. صعدوا على السطح. دلّوا المخلّع من بين الأجرّ. هذا معناه أنّ الجماعة هي التي تخلّص. يكفي الجماعة أن تكون غيورة على خلاص الفرد، وأن يكون الفرد مؤمناً بالجماعة. إذاً لا يخلص أحد مفرداً. كلّنا يساهم في خلاص بعضنا البعض. "احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا أتمّوا ناموس المسيح" (غلا 6: 2). هذا، طبعاً، بحاجة إلى محبّة متّقدة، إلى عنف في الصلاة، إلى إلحاح في الطلب من الله. الصلاة الشكلية لا تنفع. الفتور في الطلب لا يقدّم أحداً إلى يسوع. الشوق، الحرارة في الالتماس شرط. والله يستجيب. يريد أن يستجيب. لا يمكن إلاّ أن يستجيب. لأنّه محبّة. كل محبّة تستدعيه. كل شيء مستطاع للمؤمن، لمَن يحبّ.

        وماذا يفعل يسوع؟ يغفر الخطايا. يصالحنا مع الله. يقرّبنا إلى الله. الخطيئة هي الغربة عن الله. هي الانقطاع عن الله. مَن يخطئ لم يعرف الله. إذاً مغفرة الخطايا هي معرفة الله، أي استعادة علاقة المحبّة معه. أن تشملنا رحمة الله من جديد. أن تسكن فينا نعمته. أن يستقيم مسارنا الداخلي. أن نستردّ توازننا. الخطيئة تجعلنا في حال اختلال. غفران الخطايا يجعلنا في حال اتّزان. لذا كان غفران الخطايا أعظم العطيّة. في خبر المخلّع كأنّنا بالكلام على عطيّة الله في سياق حال التخلّع الداخلي لدى هذا الإنسان. يسوع ينزل إلى جذر المشكلة. الفالج الذي أصاب البدن إنما كان علامة على التخلّع الذي أصاب الكيان. هذا، تماماً، ما يفعله الطبيب الماهر. شخّص يسوع المرض جيّداً وداوى منه الكبد. يسوع لا تهمّه معالجة الظواهر بل الأسباب. مَن انغفرت خطاياه برئ في الجسد ولو استمرّ مريضاً. طبيعة الظواهر المرضيّة، إذ ذاك، تتغيّر. قد يُشفى منها وقد لا يُشفى، هذا لا يعود مهمّاً. متى برئ الكيان يصير القلب في الفرح. لا يعود المرض للحزن، للأسى. فرح القلب يجعل الإ،سان يتخطّى ما للجسد مهما كان مؤلماً. المرض، إن بقي، والعافية، إن حلّت، يكونان كلاهما للمنفعة. لا يعود المرض للموت بل لأجل مجد الله.

        لم يُبرِء يسوع المخلّع في الجسد لأنّ شفاء الجسد هو الأساس. كان يمكن ألاّ يشفيه من الفالج. كلامه يدلّ بوضوح على أنّ المطلوب أولاً هو غفران الخطايا. لكنّه شفى ما للجسد لعلّة أبرزها: "لكي تعلموا أنّ لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا قال للمفلوج لكَ أقول قمْ واحمل فراشك واذهب إلى بيتك" (لو 5: 24). هذا حتى نعرف، من ناحية، أنّه القدير، وحتى نتعلّم، من ناحية أخرى، أن نكتفي بما يعطينا هو إيّاه، أي بمغفرة الخطايا.

        من هنا أنّ المعجزة الكبرى التي اجترحها يسوع كانت غفران الخطايا. كل عجيبة أخرى إنما القصد منها أن نعرف أنّه القادر على مغفرة الخطايا. لسنا نتوجّه إليه، إذاً، باعتباره صانع عجائب، بل باعتباره مَن يبثّ فينا الحياة الإلهية من جديد. لذا لا نسأل أن نرى منه عجائب كما سأل هيرودوس (لو 23: 8). نسأل أن تكون لنا روحه.

        المعجزة الحقيقية أن يتغيّر قلب الإنسان. كل شيء فيه، إذ ذاك، يتغيّر. بدل الكراهية يحلّ الحبّ، بدل البخل الكرم، بدل العنف الوداعة. فقط ساعتذاك لا يعود للموت مكان. كل شيء ينبض بالحياة. حتى الموت، موت الجسد، يصير للحياة. الحياة، عند هذا الحدّ، تملأ كل شيء حتى الموت. المسيح قام، وعلى كلمة الذهبي الفم: "لم يبق في القبر ميْت". القيامة، كل يوم، هي غفران الخطايا. هذا اسم يسوع، هذا ما فعله، هذا ما حقّقه "لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21).

        لذا لم نعد نسأل شيئاً سوى أن نَخْـلُص من خطايانا. كل ما عدا ذلك يُعطى لنا ويُزاد. بمغفرة الخطايا تحلّ البركة من جديد. يستبين الغثّ من الثمين. يُعرف الحقّ من الضلال. ليست خبرة أعظم من أن يتنقّى الإنسان من خطاياه. كل شيء فيه يصير جديداً. يعاين الله، يتبيّن مقاصد الله، يعمل عمل الله. يصير حاضراً لدى الله والله فيه.

        "طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم يعاينون الله". الشفاء الحقّ، في نهاية المطاف، يقترن بالمعاينة. الله يُرى. الثالوث يُرى. نعاينه وجهاً لوجه. به نعاينه. بنوره نعاين النور. من دون نور الله تبقى النفس مخلّعة ويبقى الجسد للموت. الله تجلّى كنور ليصير الإنسان نوراً. بذا يصير الإنسان نور العالم. نور المسيح يضيء للجميع.

                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

14 تشرين الأول 2007
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share