<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
الحرّية

         عندما تقول "حرّية" ماذا يخطر ببال الناس؟ الحرّية السياسيّة، حرّية التعبير، الاقتصاد الحرّ إلخ. ولكن ما قيمة الحرّيات السياسيّة والإعلامية والاقتصادية إذا كان الإنسان عبداً لخطيئته؟ "كل مَن يعمل الخطيئة هو عبدٌ للخطيئة" (يو 8: 34). ماذا نقصد بأن يعمل الإنسان الخطيئة؟ نقصد بذلك أن يكون الإنسان أنانياً، أن يكون عابداً لنفسه، لفكره، لرأيه. ونقصد بذلك، أيضاً، أن يكون الإنسان متكبّراً، أن ينظر إلى نفسه كأفضل من الآخَرين، كأنّه أكثر فهماً من الآخَرين، كفوق الآخَرين، كسيّد. نقصد أن يستصغر الآخَرين، أن يحتقرهم، لا في العلن بالضرورة بل في قرارة نفسه. نقصد بأن يعمل الإنسان الخطيئة أن يكون سعيُه، في كل حين، إلى تحقيق رغبات نفسه. هو وما يخصّه، من قريب أو بعيد، يكون الهدف من كل ما يعمل ويقول ويفكّر فيه. طبعاً قد يتمظهر بالغيرة والودّ في تعامله مع الآخَرين، لكنّه، في أعماق نفسه، يتوخّى الوصول إلى تحقيق نوازع نفسه من خلال الآخَرين ومن دونهم أيضاً. السؤال، إذاً، ما قيمة الحرّيات العامة إذا كان الإنسان عبداً لخطيئته، بهذا المعنى الذي ذكرناه؟ لا قيمة لها بالمرّة! بل الحرّيات، في هذه الحال، تكون مجالات لتعاطي كل إنسان خطاياه بحرّية، سواء بشكل منظّم، من خلال القوانين، أو بشكل متفلّت. في العالم تُعتبر مثل هذه الحرّية قيمة أساسية تُصنَع الثورات وتُشَنّ الحروب من أجلها. رغم ذلك تبقى هذه الحرّية، إنسانياً، عديمة القيمة. الحرّية في الخطيئة ليست حرّية، بالمرّة، مهما كانت ألوانها وأمداؤها، بل عبودية. إذاً، ليست هذه هي الحرّية التي نحتاج إليها لنصير أحراراً.

       إلى أيّ حرّية نحتاج؟ نحتاج، أولاً، لأن نصير أحراراً من الخطيئة. هذه لا تأتيك من خارج نفسك بل من داخلك. حرّيتك الحقّ رهنٌ بمشيئتك لا بأهل السياسة ولا الاقتصاد ولا الاجتماع ولا الإعلام. فقط إذا أردتَ تستطيع أن تصير حرّاً. الظروف الخارجية تضغط لكن ضغطها لا يمكن أن يصل إلى حدّ حرمانك من قرارك أن تصير حرّاً. الظروف الخارجية يمكن أن تجعلك شهيداً لكنّها لا تقوى على تصميمك أن تبقى حرّاً. شهداء الكنيسة خير مثال. ضغطوهم بكل الطرق والوسائل المتاحة لهم ليُخضعوهم فلم يتمكّنوا منهم. كانوا مصمّمين على أن يكونوا أحراراً حتى الموت. حبّهم للحرّية كان لا أقوى من كل الضغوط وحسب بل من الموت نفسه.

       من جديد نسأل: على أيّ حرّية نتكلّم؟ نتكلّم على حرّية الحقّ الذي قال فيه يسوع لتلاميذه: "إنّكم إن ثبتّم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي. وتعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم" (يو 8: 31 – 32). الحقّ هو الذي يحرّر، يعطي الحرّية. والحقّ هو يسوع وكلام يسوع. "إن حرّركم الابن [يسوع] فبالحقيقة تكونون أحراراً" (يو 8: 36). والحقّ أيضاً هو الكلام الإلهي. يسوع تكلّم بكلام الله (يو 7: 16؛ 14: 10). لذا "كلامك حقّ" (يو 17: 17). لا مسافة بين يسوع وكلام يسوع. إن قبلتَ كلامه تكون قد قبلتَه. إن سلكتَ في كلامه تكون قد أحببتَه. "إن أحبّني أحد يحفظ كلامي" (يو 14: 23). لذا إن حفظتَ كلام يسوع، أي إن قبلتَه وسلكتَ فيه، عرفتَه، عرفتَ يسوع، صرتَ عشيراً له، عرفتَ الحقّ. والحقّ، إذ ذاك، يحرّرك. طبعاً يحرِّرك من الخطيئة. لاحظ! هذا تحرير. أما الحرّية فهي أن يُعطى لك، فوق التحرير، روح الله الذي هو روح الحقّ. لهذا السبب قيل "حيث روحُ الربّ هناك حرّية" (2 كو 3: 17). أن تكون حرّاً، في نهاية المطاف، معناه أن تقتني روح الربّ القدّوس. هذا يُعطَى لك بحفظ الوصايا الإلهية ومساهمة الأسرار المقدّسة. هنا لا تعود الحرّية تحريراً وحسب، بل باقتناء روح الربّ تجري فيك حياة الله، الحياة الأبدية. تصير والله واحداً بنعمة الله غير المخلوقة. تصير مثل الله. تنعم بالحرّية لأنّ الله حرّ.

       ما معنى أنّ الله حرّ؟ معناه أنّ الله لا يخضع للضرورات والحتميات. لا يخضع للنواميس أيّاً تكن. هو السيّد ولا سيّد إلاّه. لذا لا ندعو لنا سيّداً على الأرض لأنّ سيّدنا واحد في السماء. ولذا نصلّي "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض". أن تكون لنا الحرّية الحقّ معناه أن نصير أسياداً من سيادة الله، لا نخضع، من بعدُ، للضرورات أيّاً تكن. حيث تسود مشيئة الله كل نواميس الطبيعة تكون خاصعة لله. والإنسان، بالله، يصير سيّداً عليها، إلهاً بالنعمة من الذي هو إله بالطبيعة.

       كل ما يمكن أن يُعتبر خوارق وعجائب وفائقاً للطبيعة في هذا العالم، يُعتبر في عالم الله، في الكنيسة، في سِيَر القدّيسين، في ملكوت السموات، طبيعياً. كما أنّه في الفردوس لم يعرف الإنسان العجائب بل كان كل شيء مسيّراً بقوّة الله وحكمة الله، كذلك يكون الحال بالنسبة للذين تملأوا من روح الربّ وتقدّسوا. السير على الماء والانتقال من مكان إلى مكان بلمح البصر وإطعام الآلاف من القليل من الخبز والسمك، وكذا إقامة الموتى وشفاء المرضى وطرد الشياطين، كلّها أمور طبيعية متى اشتملتنا حضرةُ الله ونعمتُه. الذين يَعتبرون عجائب الإنجيل منافية للطبيعة ويتنكّرون لها يتكلّمون من ضمير ملوّث ووجدان مشبَع بالخطيئة. والذين يَعتبرون عمل الله فوق ما هو طبيعي لم يُقم فيهم، بعد، روح الربّ، لذا يقولون بالخوارق. أما القدّيسون الذين صاروا هياكل للروح القدس فهؤلاء يتعاطون ما هو لغيرهم منافٍ أو فائقٌ للطبيعة باعتباره الطبيعة الأصيلة للطبيعة البشرية التي نشأنا عليها وللطبيعة المادية التي نقيم فيها. فحيث لا خطيئة هناك يكون روح الربّ والطبيعة الأصيلة والحرّية الحقّ، هناك يكون الله الكل في الكل. الله يقيم في الناس وهم يقيمون في الحقّ والحرّية.

       هذه هي الحرّية التي نبحث عنها. وحده روح الله معطيناها. ما نلتمسه، في العمق، ليس تغيير العالم بالسياسة بل تغيير أنفسنا... بالتوبة. بعد ذلك يصير بإمكاننا أن نقيم ولو مع الوحوش ولا مَن يقدر أن يستعبدنا.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

17 شباط 2008
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share