<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
إمّا اقتحام جحيم الآخر
وإمّا الهلاك!.

"فقط الشّهيد سيكون باستطاعته، أمام منبر المسيح،

أن يقف مدافعًا عن مضطهديه... هذا هو انتصار

الضّعيف في الظّاهر، والقويّ بالله".

(أسقف شهيد).


❖  قال الجاهل في قلبه: "ليس إله"!. وقالوا في سرّهم والعلن: "لو كان الله موجودًا لما كان هناك مثل هذا القدر من الظّلم والشّقاء والألم في العالم"!. من جهة أخرى، جادل الجاهلُ العارفَ: "لو سلّمنا بأنّ آدم وحوّاء خطئا، فما ذنبي أنا؟. لماذا عليّ ان أتألّم من أجل خطيئة غيري؟".

يا حبيباه، وحده آدم لم يأتِ من أب وأمّ. حتّى الرّبّ يسوع، الآتي بالرّوح القدس، كانت له أمّ. ما تبقّى من البشريّة أتى من أب وأمّ. إذًا، كلٌّ من طبيعة والديه. هذه سنّة الحياة. هكذا خُلق. ثمّ إنّ خصال ومزايا الّذين سبقوه ترسب، بقدر أو بآخر، على نحو أو على آخر، في طبيعته الموروثة. كذلك تؤثّر فيه الجماعة الّتي يحيا في كنفها، والبيئة الّتي تحتضنه!. هذا كلّه، وأكثر، ممّا نعرف وممّا لا نعرف، يجعله مَن هو وما هو!. هذا يجعل أنّ لكلّ إنسان ثلاثة أبعاد متلازمة: بُعد جماعيّ، وبُعد كونيّ، وبُعد شخصيّ فرديّ. ليس أحد جزيرة. ليس أحد قائمًا في ذاته. كلّ يؤثّر في العالم ويتأثّر به. كلٌّ منفتح بالتّكوين على العالم. ليس أحدٌ كيانًا مغلَقًا. كلٌّ يحمل وطأة الكلّ في نفسه. فإذا ما حاول أن يقطع نفسه عن بعض العالم، تعرّض للنّقصان. وإذا ما حاول بإصرار أن يقطع نفسه عن سائر العالم، مات كيانه!. الانفتاح الإيجابيّ للواحد على العالم شرط للحياة المزدهرة. في المبدأ، أنت مسؤول عن كلّ العالم، وكلّ العالم مسؤول عنك!. كلّ العالم، بمعنى، له حضوره في كلّ أحد!. فإذا ما أعرضتَ عن واحد، فإنّك تُعرض، فيه، عن العالم بأسره!. وإذا ما التزمتَ واحدًا، على نحو القولة: "أحبّ قريبك كنفسك"، تكون قد التزمت العالم برمّته!. هذا عكس الأنانيّة تمامًا؛ لأنّك، إن انفتحت، كيانيًّا، على إنسان واحد، تكون قد انفتحت على العالم كلّه!. وأقصد بالانفتاح الانفتاح الكامل!. تعامِل الآخرَ كأنّه نفسُك تمامًا؛ لا كأنّه امتداد لنفسك - هذه أنانيّة - بل كأنّه نفسُك، ما يَستدعي أن تنسى نفسك، أن تتخطّى نفسك، أن تَخرج من نفسك، أن تموت عن نفسك، لتلقى نفسك في الآخر!. بكلام آخر، إذ تتّخذه، إذ تلتزمه لذاته، خِلوًا من كلّ غرضيّة خاصّة بك، تحقّق نفسك، تجد نفسك، تحقّق البعد الجماعيّ الأساسيّ الّذي فيك، في اتّخاذك إيّاه، ومن ثمّ في اتّخاذك العالم كلّه فيه. أنت العالم مصغّرًا. بدونك، طالما وُجدتَ فيه، يكون ناقصًا!. وحضورك فيه فذّ!. أنت لا تُستبدَل وغيرك لا يُستبدَل!. ثمّ البعد الجماعيّ الّذي فيك يبدأ بالقوّة وينتهي بالفعل!. يتكمّل بالجهد لا تلقائيًّا. عليك أن تتعب من أجله ليتحقّق فيك وتحيا، وتتحقّق فيه ويحيا، أو تسيّبه فيموت فيك ويعاني وتموت أنت، في ذاتك، كإنسان!. تصير مسخًا!. إنسان لا يتبنّى العالم، ولو في شخص واحد، يستحيل سِقطًا!. يخسر والعالم يتألّم من حيث لا يعي الأكثرون!. إذا إنسان تألّم، تألّم العالم!. وإذا تألّم العالم، لا يسع الإنسان إلّا أن يتألّم وإلّا توحّش!. التّوحّش ثمرة الوحشة!.

❖  أنت لستَ جسدًا ووظائف. أنت حسّ وقلب في جسد. أنت روح في لحم ودم. كيف تستدلّ على ذلك؟. من كونك حرًّا وتحبّ!. الله روح لذلك محبّة هو. خَلَقَكَ لتكون مثله: لتحبب!. من الرّوح، أي من المحبّة، كانت الحياة، وهي كائنة!. من الرّوح حيي الجسد!. من محبّة الله!. الخصب والإحياء من العدم من خاصّيّة المحبّة!. الرّوح، والمحبّة ضمنًا، هو الّذي يحيي!. الجسد لا ينفع شيئًا (يوحنّا)!. الرّوحُ ليست مادّةٌ تعيقه!. حتّى الجسد قابل لأن يتروحن كلّه ولأن يدخل، في الرّوح، والأبواب مغلَقة!. يسوع هو الباكورة والبكر، ونحن لنصير كنيسة أبكار!. لذا، أُعطي الإنسان أن يكون لا محدودًا في محدوديّة!. هذا يُعطى له إن أراد. أقصد الإنسان، لأنّ الله يشاء ذلك، في كلّ حين، لأنّه محبّة. يكفي الإنسان، من الأعماق، أن يستجيب: ليكن لي بحسب قولك!. نستطيع أن نطال كلّ ما في العالم لأنّ الله منَّ علينا بأن نطاله هو، أو، بكلام أدقّ، متى رغبنا إليه، من كلّ القلب، أن يطالنا!. ليس بُعد مكانيّ بين إنسان وإنسان يباعد ما بينهما!. القرب والبعد مسألة قلب!. ما يعجز عنه الجسد يحققه الرّوح!. ليست السّماء هناك، على بعد مليارات السّنوات الضّوئيّة، بل هنا، في القلب!. أنتم هيكل الله، وروح الله ساكن فيكم!. ولا الجحيم مسألة مسافة بل غربة!. تُقبل إلى ربّك أو تُدبر عنه، كما تُقبل، بالله، إلى كلّ مخلوق، أو تُدبر عنه!. لقد سُرَّ ربُّك أن يعطيك قلبه، إن تُقتَ إليه!. بالمحبّة يصير الإثنان، كلُّ اثنين، جسدًا واحدًا، الله وأنا، أنا وأنت... المحبّة أن تأخذ قلب ربّك! هذا معنى قوله تبارك اسمه: "أنا قلت إنّكم آلهة وأبناء العليّ تُدعَون"!. أنت لا تأخذ من ربّك قوّةً. تأخذ قلبًا، وبالقلب اقتدارًا!. كلَّ شيء بمحبّة!. قوّةٌ لا تأتي من حبّ لتبني، تأتي من شرّ لتدمّر!.

❖  تتألّم، يا حبيبي، لأنّك شريك المتألّمين!. هذا امتياز عظيم وليس لعنة. هذا للفرح لا للحزن!. للعزاء لا للشّقاء!. تريد أن تفرح بنفسك؟. هذا سقم!. أنت لتفرح بغيرك!. الفرح الّذي تستمدده من ذاتك وَهْمٌ وسراب!. الآخر، أُعطيتَ أن يكون فرحَك!. تبكي مع الباكين وتفرح مع الفرحين!. في كلا الحالين تفرح!. تفرح في الرّوح!. في العسر واليسر، في الضّيق والتّوفيق!. الفرح الحقّ من الشّركة!. تفرح في كلّ حال!. هذه حكمة الله في خلقه: أن يفرح الإنسان في كلّ حين!. افرحوا في كلّ حين، وأقول، أيضًا، افرحوا... لأنّك أنت معي!. أنت فرحي، يا فرحي! كلّ شيء جعله ربّك، إثْر صلبه، للفرح!. بالصّليب أتى الفرح إلى كلّ العالم!. خلاصة القول أنّ الفرح، في المسيح، بات مقيمًا في الألم!. يكفيك أن تتألّم من أجله، لتفرح!. واعجباه!. هذا للعالم غباء ولنا حكمة!. الألم، للّذين لا يعرفون الله، تجلٍّ للضّعف ومطرح للانحلال، ولنا، نحن المؤمنين، قمّة ثابور ونقطة التقاء النّاموس والأنبياء!. في عتمات المعاناة سُرّ النّورُ أن يقيم، وفي الموت، كلّ يوم، على نحو ما عبّر بولس، في المسيح، تفيض سواقي النّعمة!. على هذا، "إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة، استحسن الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة" (1 كورنثوس 1: 21)!.

❖  ليس أحد يرث ذنبًا. ميراثه حبّ وألم. الكلام على الذّنب يأتي من فردانيّة حقوقيّة. لا أنا موجود في ذاتي، ولا أنا كائن حقوقيّ. الكائن، في زمن الفردانيّات بامتياز، ليس في فرادته وحسب، ولو كانت لكلّ فرادته، بل، بالأولى، في فرادة في الانعطاف. ليس ما هو لي ما يحَقّق إنسانيّتي، بل ميلي، بما لي، إليك!. أنت منيتي!. فلأنّ الإنسان قلب، لذلك في حركتي في اتّجاهك أصير إنسانًا!. أنا ليست لي حياة في ذاتي. ولكن، حتّى مَن له حياة في ذاته - ربّك - لا يتجلّى إلّا في حركته في اتّجاه الآخر!. هذا لأنّ الله له حياة في ذاته، لكنّه محبّة في آن!. لذا الله ثالوث!. ملء الحقّ وفوق الحقّ! ملء المحبّة وفوق المحبّة!. وملء الحياة وفوق الحياة!. لا الآب ولا الابن ولا الرّوح القدس يقف عند حدود الحياة في ذاته، بل الله، آبًا وابنًا وروحًا قدسًا، يتجلّى، في العمق، وأعمق من العمق، في حركة لا تتوقّف باتّجاه الآخر!. ملء حياة الله، في ذاته، مزدوجة بكونه محبّة!. الآب يأتينا كآب لأنّه يتجلّى في الابن!. والابن يأتينا كابن لأنّه يشهد للآب!. والرّوح القدس يأتينا كروح قدس لأنّه يأتي من الآب بالابن، ليحدّث عن الابن، ويتجلّى في القدّيسين، ومن ثمّ ليأتي بالجميع، في الابن، إلى الآب!. هكذا تعرف البشريّة الله، متى أقامت في محبّته، آبًا وابنًا وروحًا قدسًا، وتكون لها حياة أبديّة (يوحنّا 17: 3)، إذ تصير واحدة فيه (يوحنّا 17: 21)، ويكون اللهُ الكلَّ في الكلّ (1 كورنثوس 15: 28) لها، متى حضرتْ النّهايةُ وسلّم المسيحُ المُلْكَ لله الآب (1 كورنثوس 15: 24)!.

❖   ثمّ المحبّة أعظم من الحقوق لأنّها الحقّ!. في اللّحظة الّتي انتُهكت، في البشرة، حقوق مسيح الرّبّ، على الصّليب، وصرخ: "في يديك أستودع روحي"، تجلّى ملء الحقّ في الفيض الأكمل لمحبّة الله، في مسيح الرّبّ، على البشريّة!. لذا كانت كلّ مقاربة حقوقيّة لعلاقة الإنسان بالله مباعدة بينهما. صليب المسيح أطاح كلّ ما له علاقة بالحقوق. أكثر من ذلك، جعل عبده في الأرض بلا حقوق. له الحقّ الّذي من فوق، نظير معلّمه، ولكن لا حقّ له في شيء هنا. والحقّ، هنا، لا يُعطاه من أحد، بل هو يقيم فيه، أي في الحقّ، في المسيح، والحقّ يقيم فيه، في المحبّة، لأنّه نمط الحياة الجديدة. فقط مَن يسلك في المحبّة يسلك في الحقّ، ويكون الحقّ مقيمًا فيه!. هذا هو النّاموس الخلاصيّ الجديد، بالرّبّ يسوع المسيح، أنّ قوّته لا تظهر إلّا في ضعفنا، في هذا الدّهر، وحقّه في قبولنا الإعراض والظّلم من أجل اسمه، وراحته، أي روحه، في تعبنا في حفظ وصاياه، وفرحه في رضانا بما يأتي علينا وعدم تذمّرنا، تسليمًا بما يرتضيه لنا، لأنّ كلّ شيء يعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله... طرق الله غير طرقنا وأفكاره غير أفكارنا. لذا، هذا لا علاقة له بمنطق النّاس ولا بعدالة النّاس. هذا نرضى به أو لا نرضى، نسلِّم به أو لا نسلِّم!. في العالم، الإيمان، أي الثّقة واليقين، يأتي بعد البرهان. هذا لأنّ الإنسان، في العالم، لا يثق إلّا بنفسه؛ لذا، البرهان يأتي أوّلًا وإلّا لا يؤمن المرء بأحد، لأنّه لا يأتمنه!. ولكن، لدى الإنسان، متى كان البُعد الجماعيّ فيه تلقائيًّا، الإيمان، او قل الائتمان، أمر بديهيّ!. الإيمان يكاد يكون شيئًا طبيعيًّا!. ما قاله بطرس ليسوع في شأن صيد السّمك: "على كلمتك ألقي شبكتي"، فأصاب، على أثر ذلك، سمكًا كثيرًا، أمرٌ من عاديّات الحياة اليوميّة، بين الّذين تجمعهم المودّات!. استجابة عفويّة جدًّا أن يقول الواحد للآخر: أعطيك كلمتي في هذا الشّأن أو ذاك، وهو حافظٌ العهدَ ولو بعد سنين مهما طالت، وإلّا اعتُبرت فعلته عيبًا ونقصًا في الرّجولة!. اليوم، في زمن الفردانيّات والتّعاطي الذّاتيّ اللّاجماعيّ، هذا الكلام بات خارجًا عن المألوف!. لذا، صار الإيمان بمسيح الرّبّ كأنّه غريب عن الوجدان العاديّ، ومن ثمّ، بالأكثر، غير واقعيّ، ما يستدعي الكلمة الكتابيّة السّيّديّة عن الزّمن الأخير، الّذي ليس ما يمنع اعتباره الزّمن الّذي نحن فيه: "متى جاء ابن الإنسان، ألعلّه يجد الإيمان على الأرض؟" (لوقا 18: 8).

❖ إذا لم يكن قريبُك في وجدانك، في حسّك، فمحال عليك أن تجد ربّك، أنّى ومهما بحثت عنه, مسيحك تلقاه إذا كنت في حال وجدانيّة داخليّة تجعلك وقريبك في تراصّ إنسانيّ، في شركة حقّانيّة وإيّاه، تحفظه في جوارحك، تتّخذه صنوًا لك، تتعاطاه عضوًا لك كما يدك عضو فيك. أما علّم بولس في أفسس أنّنا بعضَنا أعضاءُ البعض (4: 25)؟. إذا لم يكن أخوك على هذه الصّورة لديك، فكلامك في محبّتك لله كلام في الهواء!. أما قال يوحنّا الحبيب في رسالته الأولى: "إن قال أحد إنّي أحبّ الله وأبغض أخاه، فهو كاذب" (4: 2)؟. إذًا، اخوك هو مدخلك إلى ربّك. تتعبْ من أجل قريبك ليصيرَ قريبَك بالرّوح والحقّ، تلقَ ربّك!. إن تكن إلى أخيك، يكنْ ربُّك إليك!. مهما كان اتّخاذك لأخيك مكلفًا، فلا مناصّ لك من التّعب لأجله!. هذا هو الطرّيق إلى ربّك وليس إلّاه!. الحقّ أقول لكم بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصّغار، فبي فعلتموه!. أخي منبت إيماني بمسيح الرّبّ وثمرة إيماني في آن معًا!.

    إذا أردتُ أن أجعل المسيحَ حياتي، فعليّ أن أتروّض، بنعمة الله، كلّ يوم، على أن يصير أخي هو حياتي!.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

3 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share