من المهمّ جدًّا أن يصلّي المؤمن مع عائلته. الصّلاة تجتذب نعمة الله، ويشعر بذلك كلّ أعضاء العائلة، حتّى أولئك الّذين قست قلوبهم. صلّوا معًا دائمًا. (الأب تدّاوس الصّربيّ).يكمن سرّ الاتّضاع في تقبّلنا لكلّ ما يسمح الله بحدوثه، في حياتنا.(القدّيس بايسيوس الآثوسيّ).ليست الرّحمة أن تحسن إلى الآخر من جيبك، فَحَسْب؛ بل أن تسمح للآخر بأن يجلس بجانبك، من دون أن تبعده، حتّى بأفكارك.(الشّيخ أرسانيوس باباتسيوك).لا توجد المحبّة من دون الاتّضاع، ولا الاتّضاع من دون المحبّة. كما يهرب السّارق من نور الشّمس، يحتقر المتكبّر الاتّضاع.(القدّيس نيقوديموس الآثوسيّ).إن لم تلقَ المسيح في هذه الحياة، فلن تلقاه في الحياة الأخرى.(الأب سيرافيم روز).
نقاط على الحروف
مؤسّسة ملتبـِسة!

     التبس على فلان الأمر أي اختلط واشتبه وأشكل. أذكر، حين كنتُ طالب لاهوت في الولايات المتّحدة، في أوائل السّبعينات، أنّي نزلت، مرّة، إلى نيويورك، ومررت بالشّارع الخامس. أمر أشكلَ عليّ! لفتتني واجهة أحد محال الألبسة الأنيقة، فيما يبدو! شبه صبيّة في الواجهة لا تتحرّك! أهذا لحم ودم بالأنيق، أم هو تمثال؟ أتمثالُ عارضة أم عارضةٌ تمثال؟ إلى هذا الحدّ كان الشّبه! دنوت من الموضع من باب الفضول. فماذا اكتشفت؟ كانت هناك إنسان فتاة أخذت وضعيّة تمثال!

     هذا كان التباسًا كبيرًا، والمفاجأة كانت أكبر! أن يُتعاطى إنسان كتمثال!

     أخشى أن تكون أبرز مؤسّسة في المجتمع، اليوم، أعني المدرسة، قد أضحت ملتبسة، إلى حدّ اعتبار الإنسان تمثالاً فكريًّا فيها، أمرًا تلقائيًّا، إلى حدّ بعيد!

     المدرسة هي مؤسّسة المجتمع بامتياز. تحمل رؤيته وتتشكّل بها وتُنشئ الأجيال عليها وتُعدّهم لدخول المجتمع والانخراط فيه والعمل على إنمائه وفقًا لها.

     أيّة رؤية يحتضن مجتمع اليوم؟ طبعًا، عندك استثناءات هنا وثمّة. لكنّ الطّابع الغالب للرّؤية الأشمل يجعل المضمون دهريًّا. دهريّ بمعنى التّركيز على ما للإنسان، بعامّة، في هذا الدّهر، في حدود المكان والزّمان ههنا. هذا لا يعني، بالضّرورة، أن تلغي ما لله ومسيحه وكنيسته. الإلغاء، بالخبرة، وأقصد به الإلحاد الفكريّ الكامل، ثبت فشلُه في التّاريخ! بإمكان المرء أن يغضّ الطّرف، في داخل نفسه، عن الله، لكنّه لا يستطيع أن يلغيه من ذاته! الله، في قلب الإنسان، أعمق جذورًا وأرسخ جبلّة (inné) فيه، من أن يطيحه فكر أو قصدٌ واع لديه. الدّهريّة لا تلغي الله بل تشوِّهه وتغيِّر طريقة تعاطي الإنسان معه. تشوِّهه بمعنى أنّها تَعرضه كجملة أفكار وأحاسيس، كموضوع، كمادّة تعليميّة، وتطيحه كحضور، كإله حيّ، كسيِّد للحياة، كخالق، فيه تقوم الخليقة. هذا يحوِّر تعاطي الإنسان معه. بدل أن يكون الله هو مَن يدور حوله الإنسان، يصير الإنسان هو مَن يدور حوله الله! الموقف من الله يصير صنميًّا! تستخدمه استخدامًا ضمن طقوسيّة وفرائض تمارسها في مستوى الفكر والمشاعر والمادّة، فتحفظ شكلَ الله، تمثالَه، بمعنى، وتفرغه من كلّ مضمون إلهيّ روحيّ حيّ!

     من المفارقة بمكان أنّ الدّنيا قامت ولمّا تقعد على الكنيسة الكاثوليكيّة لأنّها أجبرت غاليليو، في القرن السّابع عشر، على أن يتخلّى عن قولته الفلكيّة الصّحيحة إنّ الأرض تدور حول الشّمس. ومع ذلك، أكثر العالم، اليوم، لا يبالي بالطّعن الثّابت بغاليليو العلم الإلهيّ القائل إنّ الإنسان/الأرض يدور حول الله/الشّمس الرّوحيّة! لا شكّ أنّ في ذلك عمى رهيبًا!

     الإلحاد ليس بشيء قياسًا بالدّهريّة. الدّهريّة أخبث بما لا يقاس! إنّها الإلحاد الكيانيّ! الإلحاد "المؤمن"، إذا صحّ التّعبير!

     ما الّذي تضربه الدّهريّة، وضعيًّا، في حياة البشريّة؟ إذا كان الهمّ الأوّل للدّهريّة أن تشدّ الإنسان، بصورة محوريّة، إلى ما هو هنا والآن، فهذا يجعل أنّ الحياة الأبديّة، في الوجدان، تفقد معناها وقيمتها وقوّتها. إذا لم تكن لِتحيا في الحياة الأبديّة، في ملئها، منذ الآن، ولأجل الحياة الأبديّة؛ إذا لم تكن الحياة الأبديّة هي حياة الله، الّتي يبثّها الرّبّ يسوع فيك، منذ الآن، فأيّة قيمة لها تبقى؟ ليست الحياة الأبديّة حياة تأتي، فيما بعد، بعد الموت الجسديّ. الحياة الأبديّة نمط حياة جديدة تمامًا! ليست موضوعًا زمنيًّا! الحياة الأبديّة هي الحياة الإلهيّة الّتي نحيا فيها، بجدّة كاملة، في كلّ تفصيل من تفاصيل حياتنا في اللّحم والدّم، منذ الآن وإلى الأبد، عبورًا بموت الجسد!

     ثمّ متى أطاحت الدّهريّة لديك الحياة الأبديّة، أطاحت حقيقيّة مسيح الرّبّ والحياة في المسيح، وعطّلت عمل الرّوح القدس في حياتك. مسيحك، إذ ذاك، ولو استمررتَ مؤمنًا به، حتّى لا نتكلّم على الّذين لا يؤمنون، يستحيل مسيحًا أخلاقيًّا، اجتماعيًّا، فكريًّا! يستحيل شعارًا! ولو تعاطيته كلاميًّا فإنّك تتعاطاه صنميًّا! إذ ذاك، تقول بالوصيّة لكنّك لا تبالي بحفظها! لا تعود الوصيّة لديك للحياة الجديدة! تمسي فكرة دماغيّة وشعارًا وتنظيرًا يدغدغ النّفس! على هذا تُسلِّطُ العقلَ دون الكيان، والمشاعرَ دون العبادة بالرّوح والحقّ، على المسيح ووصاياه والحياة الأبديّة، فلا يبقى لك من روح الله شيء إلاّ الأجوف! تؤمن إلحاديًّا وتعبد وثنيًّا وتستعيض عن الحياة الرّوحيّة بالأخلاقيّات الاجتماعيّة! وتكتفي!

     الدّهريّة إفراغ للمسيحيّة من مضمونها وإبقاء عليها في الشّكل! الدّهريّة مسيحيّة ملتبسة، لا تُبقي لك من مسيح الرّبّ إلاّه صنمًا! "هذه آلهتكَ يا إسرائيل" قال هارون للشّعب بعد ما صنع لهم تمثالاً على صورة ما يرغبون!

     المدرسة، بعامّة، اليوم، هي مؤسّسة الرّوح الدّهريّة بامتياز في المجتمع! تعلِّم العلوم والآداب والفنون والمهارات، وينخرط فيها المتعلِّمون بشتّى أنواع الأنشطة؟ طبعًا! لكنّ الرّوح الّتي تبثّها هنا وهناك وهنالك هي روح الدّهريّة! حتّى في أكثر المدارس التّابعة للكنائس، حتّى لا نقول كلّها، الحال هي إيّاها! حتّى التّعليم الدّينيّ في هذه المدارس لا قيمة فعليّة له، لأنّه يعلِّم الإلهيّات كمعارف فكريّة، وهذه لا قيمة لها ولا حياة فيها ولا تثمر، إلاّ فيما ندر، إلاّ في خلفيّة المسيحيّة الحيّة. وهذه أين تجدها؟ طالما المسيحيّة الحيّة مفتقَدة في البيت المعتبر مسيحيًّا وفي الرّعيّة، إلى حدّ بعيد، فالتّعليم الدّينيّ يكون بديلاً عن المسيحيّة الحيّة. يستعيض عن العبادة بالرّوح والحقّ بالمسيحيّة النّظريّة. كذلك لا تتولد عن التّعليم الدّينيّ مسيحيّةٌ حيّة؛ وإذا ما حصل مثلُ ذلك فإنّه لا يكون من فعل التّعليم الدّينيّ بل من تحريك هذا التّعليم لأصالة في وجدان بعض التّلامذة. الفضل الأوّل هو لهذه الأصالة لا لخصب ذاك التّعليم!

     وأنت، بكلّ أسف، واجدٌ نفسك ضمن الحلقة المفرَغة للرّوح الدّهريّة في المجتمع! المجتمع مالَ، بمرور الوقت، إلى الرّوح الدّهريّة. النّاس باتوا مشبَعين بها. أكثر مؤسّسات المجتمع يضخّ دهريّةَ المسرى! لذلك يُسلمون أولادهم إلى مدارس الرّوح الدّهريّة دونما تسآل! ثمّ المدارس، بما تنتجه، ترسّخ الرّوح الدّهريّة، بالأكثر، في المجتمع، وهكذا دواليك. في ذلك، لا فرق بين المسيحيّين وغير المسيحيّين. لكلّ جماعة، شكلاً، ديانتُها، والدّيانة الجامعة، اليوم، هي الدّهريّة! هذا معناه، كنسيًّا، أنّنا إذ نُسلم أولادنا للمدارس القائمة، نُسلمهم لا فقط لتلقّن العلوم والآداب والفنون والانخراط في شتّى الأنشطة الثّقافيّة والرّياضيّة والعلميّة، بل نسلمهم، في آن معًا، للتشبّع من روح الإلحاد العمليّ. المدارس، في عمقها، لا يقتصر دورها على التّنشئة الفكريّة والفنيّة، بل يتعدّاه إلى التّنشئة الوثنيّة! هذه، عمليًّا، مدارس لاهوت دهريّ! تبثّ الإلحاد والكفر العمليَّين، وأحيانًا الفكريَّين، وتنشئ على الشّكّ بالله والاكتفاء بالإنسانيّات المزعومة، وتروِّض على تقديس العقل والعلوم، وعلى إخضاع الله ومسيحه وكنيسته لهذه وذاك، وتشحن النّفوس غرورًا وتحثّها على البرّ الذّاتيّ والمجد الباطل والاستخفاف بكلّ ما يدعى تراثًا كنسيًّا وإنسانيًّا أصيلاً! قديمًا وقع اليهود في هرطقة فظيعة! صاروا يقدّمون أولادهم ذبائح لمولوك، إله العمّونيّين، في وادي هنّوم، الّذي استُقيت منه لفظة "جهنّم"! اليوم، نقدِّم أولادنا ذبائح في "هياكل" المدارس، ليملِك عليهم، بصورة خفيَّة، مولوك روح هذا الدّهر ويصرفهم عن المسيح ويُلقيهم في الكفر والإلحاد!

     نُسَرّ بأنّ أولادنا يتعلّمون وينالون الشّهادات العالية ويتبوّأون المراكز المرموقة؟! ماذا إذًا؟ ما قيمة أن نضحّي حتّى بقُوْتِنا لنعلِّم أولادنا في أحسن المدارس، ولا نبالي لا بتنشئتهم على محبّة مسيح الرّبّ، ولا على حفظ الوصيّة، ولا على الصّوم ولا على الصّلاة، ولا على مخافة الله، ولا على التّوبة، ولا على محبّة الآخرين...؟ لو كنّا لنبالي عشرة في المائة مبالاتنا بتأمين مدارس أولادنا، بتنشئتهم على الفضائل المسيحيّة وتعاطي الأسرار الكنسيّة والتّقوى، لامتلأت بيوتنا ورعايانا قدّيسين! المسيحيّون الأوائل كانوا يحذرون إرسال أولادهم إلى مدارس الوثنيّين حتّى لا يتلوّثوا بروحهم الوثنيّة. والّذين كانوا يرسلونهم كانوا يهتمّون، أوّلاً، بتربيتهم على محبّة الرّبّ يسوع وحفظ وصاياه. إذ ذاك، ما كانوا يتعلّمونه كانوا يستعملونه لدحض فكر الوثنيّين وإجهاض الرّوح الوثنيّة والتّبشير بالمسيح بلغة الوثنيّين، وباستعمال حجج الوثنيّين! فماذا نقول، اليوم، ونحن نتغاضى عن تنشئة أجيالنا على روح الرّبّ ونسلمهم إلى مدارس الوثنيّين وروح الوثنيّين وفكر الوثنيّين وطريقة حياة الوثنيّين؟! أيّة ثمار نحصد؟ أولادنا، بسيوف الفكر والرّوح الوثنيَّين، يطعنون أنفسهم وإيّانا! الكتاب المقدّس يطعنونه بفكر الوثنيّين! وصايا الرّبّ يستعيضون عنها بممارسات الوثنيّين! العبادة يستبدلونها بأنشطة الوثنيّين! لم يعد المسيح وروحه فخرنا! نفتخر بأنفسنا، بأهوائنا، بعلمنا الدّنيويّ، بشهاداتنا، بوظائفنا، بأموالنا، بمكانتنا، بإنجازاتنا، وحتّى برذائلنا! فوق كلّ ذلك نلبس الصّليب وندخل الكنائس ونساهم الأسرار الكنسيّة! حِسُّنا يموت! إيماننا يموت! خزيُنا في عين الله صار بَرَكة في عين أنفسنا! حتّى متى!!!

     ماذا بقي لنا؟! "هذا الشّعب قد اقترب إليّ بفمه وأكرمني بشفتيه وأمّا قلبه فمبتعد عنّي بعيدًا! يخافني ويعبدني بتعاليم وضعها البشر... يا لَتحريفكم! هل يُحسَب الجابلُ كالطّين حتّى يقول المصنوعُ لصانعه: ما صنعتني، والمجبول لجابله: لا عقل لك؟" (إشعياء 29: 13، 16).

     كفانا خداعًا! مدرسة واحدة نحن مكلّفون ومساءَلون عنها: مدرسة الفضيلة والحياة الإلهيّة والتّقى! مدارس هذا الدّهر لا هي فضيلة ولا الانخراط فيها فضيلة! يتعلّم أولادنا علوم هذا الدّهر أو لا يتعلّمونها، هذا لا يزيدهم ولا ينقصهم قيمة في عين الله، ولا يُفترَض، في عيون المؤمنين! علِّموهم مسيحكم أوّلاً! ثمّ علِّموهم أنتم أساسيّات علوم الدّنيا إذا كنتم فقراء! وإذا أرسلتموهم إلى المدارس الدّهريّة فاحرصوا أشدّ الحرص على أن يأخذوا المفيد منها دون أن يمتصّوا سموم الرّوح الدّهريّة فيها! هذا يستدعي حضوركم المسؤول في ما يتعلّمون! وإذا ما تسنّى لكم أن تجتمعوا، بضعَ عائلات مؤمنة محبَّة لله، فانشئوا أنتم مدارس توافق مقاصد إيمانكم ومرامي حياتكم في المسيح! في نهاية المطاف لا يقلقنّ أحد، ولا يعانينّ مُركَّبَ نقص! لا يجوز ولا يليق بالمؤمنين أن يكون همّهم الأساس أن يتعلّموا من علوم الدّنيا القليل أو الكثير، بل أن يحبّوا الله ومسيحَه وكنيسته وبعضهم بعضًا كثيرًا! الباقي نحيا فيه بما تيسَّر! مَن عاشر مدارس هذا الزّمن، وبقي، رغم ذلك، في الحقّ، يعرف أنّ ما أقوله حقّ!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

17 حزيران 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share