عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
لباس الكاهن

        أقصد بـ "لباس الكاهن" لا ما يتّشح به أثناء الخدمة الليتورجية بل خارجها، الأَسودَ أو ما يعادله مما يتّخذه في جيئه وذهابه. هذا تختلف في شأنه الآراء وتتفاوت فيه الممارسات. ثمّة مَن يؤثر اللباس التقليدي، أقلّه الغمباز، وثمّة مَن يتمسّك باللباس المدني. هذا بين الكهنة. أمّا الناس فمنهم مَن يستحسن هذا ويستقبح ذاك، ومنهم مَن تُعثره هذه الممارسة أو تلك، ومنهم مَن لا يبالي لا بهذه ولا بتلك. ولك من ألوان الغمباز، أحياناً، ما تنوّع، أسود أو أبيض أو بنّياً أو خمرياً أو رمادياً أو ما سوى ذلك، ولك بعض الإضافات، لمَن رغبوا، جبّة أو قلّوسة أو سترة بلا كمَّين وقبّعة رهبانيّتين. البادي أنّه لا نمط موحّد والفرق بين الكاهن والكاهن، أحياناً، ما يستذوق هذا ويستنسب ذاك. بعض الأساقفة يبالي وبعضهم لا يبالي. كأنّما الأمر، بعامة، قليل الأهمية، شخصي المنحى، أقلّه في بعض الأبرشيات، ولا دلالة له تُذكَر.

        الخوض في هذا المبحث، أيٌّ أوفق وأيّ أنسب، جدلي وربما غيرُ مُجْدٍ، لذلك أقصر القول على خبرة عرفها وقناعة بلغها أحد مَن أعرف كاهناً وقد نقلها إليّ وأنقلها إلى مَن يهمّه الأمر علّ فيها نفعاً.

        في مطلع كهنوته كان مقتنعاً بأنّ الكهنوت ليس باللباس وكان على ردّ فعل حيال التقليدية في هذا الشأن، ضنيناً بحرّيته وفكره أنّ لباس الكاهن غير عملي ويعيق الحركة ويباعد ما بين الكاهن والناس. لا أَطَالَ شعره ولا أرخى لحيته واكتفى من ارتداء الغمباز بالزيارات الرعائية، بعضِها، هنا وثمّة. أكثر الناس قبلوه كما هو وارتاح إليه فريق منهم. قلّة عابوه. وبدا لعينيه كأنّه بلغ معادلة عملانية طيِّبة.

        ومرّت السنون وبدأ، يتغيّر. اكتشف، تعلّم. نظرته تعدّلت. خبرته تبلورت. فمال إلى قناعة أخرى.

        ثلاثة تبصّرات، في شأن اللباس، استقرّت في وعيه لمّا يدركْ أهميّتها في مطلع عهده بالكهنوت:

        أول ذلك أنّ اللباس لغة وأنّه ينتمي إلى هويّة الكاهن، إلى نحو تعامله مع أوساطه وشعبه. طبعاً، اللباس، بحدّ ذاته، لا يصنع الكاهن، لا ينفع ولا يضرّ. ولكنْ له دلالته وله مستقرّه ومناخه في مدارك الناس. اللباس، في هذا السياق، ليس حيادياً، تمرّ بصاحبه ولا تبالي به. شرطة المرور، بدءاً، تميّزهم من لباسهم. لستَ بإزائهم كما أنتَ بإزاء العاميّين من الناس. ما يحضرك مختلف. انتباهك يتفاوت. تصرّفك وأنت تقود سيّارتك يتغيّر. الأمر نفسه يُقال عن المحامين والقضاة. لو لم يكن اللباس ذا دلالة وأهميّة لما كنتَ تجد قطاعات برمّتها تميل إلى أنماط من اللباس تدل على مواقع محدّدة لها في أوساطها. هذه، لعمري، حركة وجدانية تلقائية لدى الناس في شأن صورة الأفراد والجماعات عن نفسها وطريقة إطلالها على ما عداها. ليس الأمر مختلفاً فيما خصّ الكهنة. ثمّة أوقات لمّا يكنْ فيها اللباس محدّداً، لكنّ الوجدان العام مال، قليلاً قليلاً، إلى تحديده. وأنت، أساساً، لا تقف بإزاء مَن يلبس الغمباز والجبّة كما تقف بإزاء مَن يلبس المدني. قد يعجبك وقد لا يعجبك، هذا موضوع آخر. قد ينتابك، بإزائه، شعور بالراحة أو بالإنزعاج، هذا شأن مختلف. في كل حال أنت، بإزائه، غير حيادي، في مواجهة حضور مؤسّساتي مميّز ذي دلالات فذّة تحرّك فيك مشاعر ومواقف محدّدة، سالبة أو موجبة، سيّان. من هنا أنّ الإصرار، في قناعة صاحبي، على غضّ الطرف عن لباس كاهن إنّما ينتمي إلى فئة ردود الأفعال ولا ينتمي إلى ناموس الوجدان وطبيعة حركته. اللباس باق لغة أساسية في حياتنا، شئنا أم أبينا، ولا يوافق أن يُخضَع لاستنساب الأفراد في المطلق، ففي لباسي ما هو لسواي. أُخاطبك بلغة اللباس أيضاً.

        وثاني التبصّرات أنّ اللباس مرآة يَبين فيها وعي المرء لذاته ونظرتُه إلى نفسه. صاحبنا فَهِم أنّ بعض المناسبات أو الأحوال أو الظروف تستدعي تعديلاً في اللباس، بين الكهنة. هذا أمر لا يُقاس عليه لأنّه لا يطعن في المبدأ. المرونة، وفق الظروف، حكمة. ولكنْ أن يُضرَب الصفح عن اللباس الكهنوتي عداءً ويُكتَفى بالمدني، حداثةً، فهذا، في خبرة صاحبي، مؤشّر على تمسّك بما ينتمي إلى دهرية المسرى. مَن عرفهم صاحبي على هذا المنحى عرفهم، في آن، في الكثير من الأحيان، سالكين بحسب روحيّة هذا الدهر. يأتون، بسهولة أكبر، تصرّفات لا تليق. حرّيتهم في التدخين وشرب المسكر في المحافل العامة مثارٌ للتسآل. حرّية في غير الحقّ. اللغة التي يتعاطونها. النكات التي يتطارحونها. الاهتمامات التي يبدونها. قهقهاتهم. حبّهم للمآدب. شراهتهم. تصرّفاتهم لا تنمّ عن تقوى وعن رزانة وخفر بل عن خفّة وانحلال. حضورهم واشتراكهم في حفلات الغناء والرقص، خلافاً للشرع الكنسي، يُسيء إلى انتمائهم إلى كنيسة المسيح. ليس أنّ اللباس المدني للكاهن يؤدّي إلى ذلك كلّه، ليس بالضرورة، بل ينتمي إليه، قليلاً أو كثيراً، ويترافق وإيّاه. ثمّة أمر ملاحَظ أنّ صاحبي قلّما وقع على كاهن احتقر اللباس الكهنوتي ووجد فيه تقوى ووقاراً بل تحرّر مسلكي زائد. قد يكون مثقّفاً، بليغ الكلام، لكن تصرّفاته لا توحي كثيراً بمخافة الله ولا تبني النفوس في الروح. المرء متى جعل نفسه في هكذا مناخ لا يمكن إلاّ أن تكون صورة كهنوتِه لديه أدنى إلى الوظيفة أو إلى النظرية لا إشعاعاً إلهياً وخدمة سماوية وتمثّلاً للوصيّة في التفاصيل، في رعاية شفّت فاستبانت للرعيّة تقديساً واحتضاناً وتعليماً، على قداسة في السيرة الذاتية.

        وثالث التبصّرات أنّ اللباس الكهنوتي حماية للكاهن ومذكّر له بأنّه للمسيح وكنيسته وليس لنفسه. المفترض في اللباس الكهنوتي أن يكون معيناً على التوبة والتقشّف والنسك. البساطة، في هذا المجال، عين التقى. المبالغة في التأنّق في لبس الأثواب الكنسيّة انحراف، تمثيل لا تمثّل للتراث. في المبالغة فولكلور. المهم أن يساعد الخارج في تقشّف الداخل، في العفّة، في المعاينة الداخلية، في الصوم والصلاة. الثوب يغطّي الجسد. يعطي الكاهن الفرصة، يساعده على التحوّل من اهتمامات الجسد إلى اهتمامات القلب، إلى حياة التوبة. حتى في خلوته، قلّما ينظر الكاهن القويم في جسده أو يُبين لأهل بيته بعض عريه. هذا جزء من عفّة المسرى حتى لا يُؤخذ الكاهن بلحميّة البدن وحتى لا يظنّ أحد، بمَن فيه عائلته أنّ له دالة عليه بالجسد وخاصة زوجته. الكاهن، في هذا السياق، رجلٌ مُفرز لله، لا هو لنفسه ولا لزوجته ولا لأولاده بل هو وأهل بيته للربّ. هو الذي يُطلق، في بيته، هذه العلامة الموسيقية الإلهية. هو الإيقونة المباشرة لله في أهله وبين رعيّته حتى لا يسلك في نسطورية السيرة فيقيم في اللاهوت، من جهة علاقته بالله، وفي الناسوت، من جهة علاقته بالناس. الكل عندنا لله، رمز لحضرة الله في كل تفصيل. في المسيح لا نقف، لا سيما الكاهن، عند شيء في هذه الدنيا بل الكل إناء للحضرة الإلهية، مركبة نارية إيليّاوية إلى الملكوت ناساً ودنيا.

        هذا ما بلغَتْه قناعة صاحبي. والقناعات ليست برسم الفرض بل الإيحاء والتأمّل، لا سيما في الأيام العجاف التي يظنّ فيها الكلّ أنّه معيار الأرثوذكسية ومرجعها. الحقّ، اليوم، ثقيل والتراث الحيّ محتقَر. لا شكّ أنّ الدهرية المعاصرة أدخلتنا في بابل جديدة لم تعد لغة الوجدان التراثي فيها، بين المسمَّين مؤمنين، واحدة. لذلك قل كلمتك، في كل حال، وليسمع مَن يسمع وليصمّ الأذن مَن أراد ولينتقد مَن ينتقد. ها أيام تأتي تكون كلمة الله فيها عزيزة لأنّ القلوب مائلة بالأكثر إلى معلّمين مستحكّة مسامعهم يخاطبون الناس بما يرغبون فيه. يعفّون عن الحقّ وكلمة الحقّ لأنّ فيها اضطهاداً لهم!

                    

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

2 تشرين الأول 2005
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share