بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
الرّوح والالتباس!.

   الحكم بحسب الظّاهر عرضة، أبدًا، للشّطط. طالما يسمح الله بأن يظهر الشّيطان بشكل ملاك نور وطالما أمكن الذّئب أن يتلبّس بلباس الحمل، فإنّ اليقين في الحكم بحسب الظّاهر مستحيل!. والعقل؟. ينفع، لا شكّ، ولكن في ما يخضع للقوى الإدراكيّة، ولا ينفع في ما لنوايا القلوب. فقط يتساءل، يشكّك، يتكهّن، يستنتج، استنادًا إلى المعطيات، هنا وثمّة. يصيب الهدف، عشوائيًّا، مرّة، ويخطئه مرّات. العقل، من دون استنارة القلب، يشكّل القوّة الأساسيّة الّتي تساعد في خلق وتطوير الالتباس في حياة البشر، فرادًى وجماعات!. على هذا، القصد الرّديء مع الذّكاء مآله التّفنّن في الخداع والهلاك لا محالة. فقط، إذا كان قلب الإنسان قويمًا يصير العقل أداة لمجد الله وسرور الإنسان. أمّا إذا كان القلب معوجًّا، فإنّ العقل يصير أداة للاعوجاج، ومن ثمّ في خدمة إبليس، لأنّ كلّ خطيئة هي من الشّرّير وترسِّخ سيطرة الشّرّير.

   التّمييز بين الخير والشّرّ، إذًا، لا يكون بالعقل. هذا مستحيل!. فقط التّمييز بين الخطأ والصّواب يكون بالعقل. أمّا التّمييز بين الخير والشّرّ فيكون بالقلب، بالرّوح، بالكيان... هذه مفردات نستعملها بمعنى تقريبيّ واحد... والتّمييز يتأتّى، في الحقيقة، من روح الرّبّ. متى أقام روح الرّبّ في قلب الإنسان أو روحه أو كيانه، فإنّ الإنسان، يكون، إذ ذاك، في مدار المعرفة الدّاخليّة الرّوحيّة العميقة. هناك معرفة عقليّة إدراكيّة وهناك معرفة كيانيّة روحيّة.

   كيف يتسنّى لقلب الإنسان أن يسكن فيه روح الرّبّ، وأن يصير فاعلًا فيه؟. إذا، أو متى اقتنى الإنسان التّواضع!. ما هو التّواضع؟. هو أمران في آن: أن يصير الإنسان بلا همّ وأن يتركّز اهتمامه وفرحه بالآخر!. هذا يُكتسب اكتسابًا. لا أحد يولد متواضعًا. يولد واهتمامه منصبّ، أساسًا، وبخاصّة، على نفسه. إذا لم ينشأ على الاهتمام بالآخرين، وهذا معناه، بصورة أخصّ، إذا لم يجد أمامه قدوة أو قدوات يحتذي بها - وهذا يحتاج إلى جهد وتعب - فإنّ انصبابه على نفسه سيزيد وسيتعمّق؛ ما يُدخله في دائرة الغرور المتنامي والأنانيّة والكبرياء والغيرة والحسد والعداوة من دون سبب والفرح بفشل الآخرين والأسى لنجاحهم والتّآمر عليهم والسّعي إلى التّخلّص منهم... عندما يبلغ الإنسان حدّ اللّامبالاة بما لنفسه، ويصير كالعصافير، بلا همّ؛ وكذلك عندما يألم لآلام النّاس ويطلب أن يعزّي القلوب، ويجد في ذلك غبطته، ويفرح لخير الآخرين وفرحهم دون أيّ شعور فيه يحدِّثه عمّا لنفسه: "لِمَ لهم وليس لي؟"، ساعتذاك يكون قد حقّق نفسه ويصير إنسانًا، بعد أن كان مشروع إنسان، ويقتني الاتّضاع!.

   في الحياة، مدرسة أساسيّة واحدة، لا يُستغنى عنها، هي مدرسة الاتّضاع. من هنا تنبع المعرفة الحقّ، معرفة كلّ شيء حتّى أعماق الله!. هنا يصير الإنسان إنسانًا. كلّ المدارس الأخرى، بما فيها المدارس والمعاهد والجامعات الّتي اعتدنا ارتيادها لعقدين أو ثلاثة من حياتنا، هي مدارس تخدم مقاصد وضعيّة، ذات أهداف دهريّة. هذه لا قيمة إنسانيّة حقّ لها في ذاتها. لا يصير الإنسان إنسانًا أفضل متى تخرّج من هذه المدارس والمعاهد والجامعات، يصير أعرف ببعض أمور هذا الدّهر!. يصير أفضل إذا ثبت في مدرسة الاتّضاع، من الولادة إلى الممات، وفي كلّ معارج الحياة. المؤسّسات الخالية من هاجس الاتّضاع تمعن في الطّعن بالإنسان وتشويه حقيقته، مهما سمت في مراقي العِلم والأدب والفنّ. بدون الاتّضاع، يرسِّخ العلمُ الجهل الكيانيّ الإنسانيّ، ومن ثمّ الإلهيّ، ولا يعدو الأدبُ كونه إيغالًا في الجماليّات الإيهاميّة للأنانيّات والغرور، ويستحيل الفنّ استمدادًا لمتع الإنسان بنفسه وبما لنفسه!.

   بالاتّضاع، في الحقيقة، يرتفع كلّ صرح من صروح الإنسانيّة الحقّ. به تأتي كلّ فضيلة. المحبّة إن هي سوى زرع إلهيّ ينبت في تربة الاتّضاع!. الصّدق، الصّداقة، الصّبر، الرّحمة، التّضحية، اللّطف... سَمِّ أيًّا من الفضائل، تَلْقَها من الاتّضاع تأتي!. حتّى الإيمان متضمَّن في الاتّضاع!. الاتّضاع هو الإيمان، وجوديًّا؛ هو الإيمان، بالفعل، بالرّوح والحقّ!. هو تجلّي الرّبّ يسوع على الجبل، على الصّليب!. لاهوته تجلّى في اتّضاعه الأقصى!. في إفراغه نفسَه واتّخاذه صورةَ عبد. لا صورة له ولا جمال فنشتهيه... مَن أهلك نفسه بالاتّضاع وجدها...

   بالاتّضاع، وحده، إذًا، تنجلي الصّورة، في روح الرّبّ، في العين، صورةُ الله، صورةُ الإنسان، وصورةُ العالم!. ومن دونه تربض غيوم العتمة والالتباس كثيفة على عقول النّاس وصدورهم. وما الالتباس؟. أن تعرض للعيون شيئًا وتتعاطى، في روحك، شيئًا آخر. أن يكون تعامل النّاس، فيما بينهم، قائمًا على أساس إخفاء مقاصد قلوبهم وإظهار ما ليسوا عليه. الكذب يضحى القاعدة. والكذب مع الذّكاء يصبح رصدُه صعبًا. والكذب يرقى إلى الغشّ والخداع والرّياء والتّضليل والإفساد والاستغلال... مَن لا يسلك في الاتّضاع ليس الحقّ فيه. الكبرياء مغمّس بالكذب، بالتّظاهر، لا فقط بالتّعالي بل بالرّياء أيضًا. الالتباس هو المناخ الدّخليّ لمَن لا يعرف الاتّضاع. كأمر عاديّ، يقول شيئًا ويُضمر شيئًا آخر. يوحي بشيء ويريد به شيئًا آخر. لا يشعر بذلك أنّه يصنع سوءًا. الآخرون لا يعنون له الكثير. أدنى إلى الأدوات يستغلّها ليصل إلى مبتغاه. في الظّاهر قد يبدو بعامّة مهتمًّا بغيره، ولكن بالأكثر ليخدع. إنسان بالأحرى وصوليّ. يأتيك مهذّبًا متى كان بحاجة إليك، وينصرف عنك كأنّك غير موجود إن لم تكن له منفعة منك. وراء ما يقول مصلحة ذاتيّة، ووراء ما يفعل غاية نفعيّة. الزّغل في القول والفعل مردّه الزّغل في الفكر. هذا يتخلّل كلّ شيء لديه كما يتخلّل الملح الطّعام. هذا ليس، بالضّرورة، واقع غير المتّضع، كتلةً واحدة، لكنّه، حتمًا، الفلك الّذي يتحرّك فيه!.

   أكثر من ذلك، أنّ غير المتّضع غريب عن نفسه. لا يعرف نفسه على حقيقتها. هو شيء وما يظنّه في نفسه شيء آخر. يكذب على نفسه أوّلًا ويصدّق كذبه وما ليس هو عليه لأنّه مداوم على تبرير نفسه. لا يستطيع أن يعرف نفسه لأنّه لا يلوم نفسه في شيء. وإذا لام نفسه فليتمسكن. وإذا تمسكن فليموّه ما هو عليه. لذلك الكذب نَفَس له. السّالك في الكذب يعتمد المنطق الظّاهريّ أسلوبًا ليبرِّر نفسه، ومن ثمّ ليصدِّق كذبه. يتصوّر أنّ ما هو مقتنع به هو إيّاه ما هو عليه. إنسان الكذب، بعامّة، مصنوع من تصوّرات. تصنعه شواهده!. قال فلان: كذا وقال علتان كذا!. ما يقرأه يصير فخًّا له لأنّه يتوهّم أنّه على صورة ما يقرأ!. إنسان الكذب يميل إلى تناسي خطاياه وإلى ادّعاء حسنات لنفسه ليست فيه!. إنسان الكذب، في عمق نفسه، لا يريد أن يعرف نفسه!.

   على هذا، غير المتّضع، أي مَن ليس روح الرّبّ فاعلًا به، إنسان باطنيّ، لا نصيب له في الشّفافيّة ومن ثمّ في العلاقات القويمة في شيء. قد يكون عقلانيًّا وقد يكون انفعاليًّا، بزيادة، في كِلا الحالين يختبئ وراء وجه ممسوح أو في عتمة تنعكس، أحيانًا، حتّى على سحنته. نفسُه عكرة. لا ترى ما في أعماقه إلّا إذا كنت متقدّمًا في الحياة الرّوحيّة. إذ ذاك روح الرّبّ يعطيك أن تعرفه على حقيقته. بغير ذلك، بشريًّا، النّاس لا يعرفون أحدهم الآخر ولا حتّى يسمحون لغيرهم بأن يعرفوا ما يعرفونه أو ما يظنّون أنّهم يعرفونه عن أنفسهم!. حتّى إذا كشف الواحد نفسه، ما في فكره، فإنّه لا يكشف، في الحقيقة، نفسه، كما هي، بل ما يظنّه في نفسه. لذلك، حتّى في المكاشفة، أنت بإزاء ظواهر مرضيّة ظنّيّة، ولست بإزاء كشف حقيقيّ لدواخل النّفس. يكشف الإنسان ما يريد ويبقي طيّ الكتمان ما لا يريد أو ما لا يعرف، بالأحرى. إذا لم يكشف روحُ الله حقيقة ما في نفسك، فإنّ الّذي يسمعك، يقرؤك بناء لتصوّر، أو لتشخيص، هو يصطنعه عنك. يظنّ أنّك تعاني كذا وكذا ولكن هذا ظنّ. طبعًا هذا يعقّد الأمور أكثر. بدل أن يساعد أو يعالج الواحد الآخر يُسقط عليه تصوّراته في شأنه، وهذا يزيد الالتباس التباسًا والواقع تعقيدًا، فيما الحقيقة إذا، ومتى كشفها روح الرّبّ تكون بسيطة وبديهيّة لمَن يعلمون!. مِن هذا المنطلق عِلم النّفس لا يمكنه إلّا أن يكون عِلمًا ضبابيًّا لأنّه يتعاطى ظلمات النّفس بما يعتبره "نور العقل والعِلم"، فيضحى بالقناعة الّتي تحرّك أصحابه والأسلوب الّذي يعتمدونه عِلمًا تجريبيًّا، بالأحرى، ومجالًا لتحوير واقع صورة معاناة مَن يعانون، ليصير على صورة قناعات وتصوّرات العاملين في حقل عِلم النّفس، ما يزيد على علّة مَن يعانون علّةَ عبثيّةِ مَن يعالجون، وهم لا يعلمون، أو يظنّون أنفسهم قادرين على النّزول إلى أغوار النّفس البشريّة وإصلاح ما فيها، وهم واهمون!. إن كان أعمى يقود أعمى أفما يسقط كلاهما في حفرة؟... هذا ليس حكمًا على كلّ ما لعلم النّفس. بعض تحليلاته يمكن أن تنفع ولا شكّ، ولكنْ، في الإطار السّليم!. ما دام عِلم النّفس يحيّد روح الرّبّ، ولا إقرار فيه أنّ ثمّة خطيئة تعيث في النّفس فسادًا، هي في أساس معاناة الإنسان، فإنّه يوجد ضاربًا أخماسًا بأسداس، والعاملون فيه لا يعلمون!. عِلم النّفس، بعامّة، يتعاطى ما يستحيل عليه معرفته، في جذوره، ومن ثمّ احتواؤه. يتلهّى بظواهر الأمور، وروتشتها ومكيجتها!. وفي سعي العاملين في حقله، لا شكّ، ادّعاء وقصور ووهم كبير!. عِلم النّفس، في واقعه، يعمل على تعديل داخل الإنسان وفقًا لتصوّرات ومعايير فكريّة يعتمدها، لذلك تلقاه يسعى كما إلى خلق شخصيّة بشريّة مصطنعة، على صورة البذور المعدّلة جينيًّا. تركيزه على السّلوك!. لذا يؤلِّل الإنسان بالأوهام والمسكّنات والمخدّرات!. فتكون النّتيجة أنّه يمسخ صورة الإنسان بالأكثر، ويتلفها بدل أن يعينها على استعادة مسارها الطّبيعيّ، ولا يستطيع. عِلم النّفس أكبر، بما لا يقاس، ممّن يتعاطونه!. هؤلاء جعلوا عِلم النّفس بديلًا عن الاهتمام بروح الرّبّ، وعن سيرورة الحياة الرّوحيّة!.

   زبدة القول، أنّ الإنسان، في غربته عن نفسه وعن روح الرّبّ، يعيش في عالم مشبع بالالتباس، ولا فكاك له منه: يقول الحياة ، من حيث يدري ولا يدري، ويعمل للموت، يقول السّلام ويعمل للحرب، يقول الحرّيّة ويتعاطى التّفلّت، يقول الفرح ويعمل للشّقاء، يقول البنيان ويسعى للهدم!. لذا عنوان الإنسان، المتمادي في خطيئته، هو واحد: الغباء والجهل!. ألَمْ يجهِّل الله حكمة هذا العالم؟!. الخطيئة ترسّخ الإنسان في الغباء، في حكمة الغباء!. خلق ربّك الأرض عدنًا، فيحيلها الإنسانُ، بالالتباس، في كلّ يوم، في كلّ نفس، جحيمًا!. عداوةُ الله محبّة للموت!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

28 أب 2016
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share