<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
الجسد والقربان

       في وجدان الأكثرين، اليوم، أنّ الجسد لحم والنّفس أحاسيس وخيالات ورغبات لحميّةُ الطّابع. هذا موقف جسدانيّ نفسانيّ للإنسان من ذاته. حركته الكيانيّة، والحال هذه، هي من الجسد وإليه. يعيش من أجل جسده وبه وله. هو متعته وهو شقاؤه. يدور حوله وفيه يتركّز وجوده. هو عاشق جسده. يعلفه، كما تُعلَف الحيوانات، ليستهلكه. يعلفه بالعناية به وبكلّ ما له علاقة به، فيتامينات، معادن، بروتينات، أدوية، راحة، رياضة، استجمام، أدوات تجميل، الخ، ليستهلكه أي ليستعمله في ما ترغب به نفسه، وفقًا لأهواء نفسه، في عشقه لذاته، في نرجسيّته، في ما يُشبع عُجبَه بنفسه، في ما يرضي كبرياءه، غضبيّته، محاسده، متعه الخ. وطالما الإنسان لحميّ النّظرة إلى نفسه والوجود فالحاجة متداخلة بالهوى لديه: الأكل بالشّراهة والحبّ بالزّنى والصّداقة بالغيرة والحسد والخدمة بالمنافع الشّخصيّة والحقّ بالرّياء واللّطف باللّياقات الكاذبة. لذا تطغى المظهريّة عالمه والباطنيّة مواقفه. في نهاية المطاف، الإنسان اللّحميّ النّفسانيّ لا يحبّ إلاّ نفسه، وفي عشقه لذاته همُّه الأساس استغراقه في لحميّاته ونفسانيّاته. هذا هو الإنسان وهذا هو عالمه! كلّ ما ابتدعه ويبتدعه قائم على أساس هذه الرّوحيّة وهذه البنية التّحتيّة. خذ مثلاً لك عالم الطّبخ والطّبّاخين والمشروبات وثقافة الطّبخ وآداب المائدة، أيَّ خطّ بإمكانك أن تضعه فاصلاً بين حاجة الإنسان إلى الطّعام وهوى الشّراهة لديه؟ هكذا يتعاطى اللّحميّ جسده إلى أن يهن ولا يعود قادرًا على أن يلبِّي رغبات الإنسان، إذ ذاك يرمّمه وِسعه إلى أن يصل إلى حدّ العجز عن ترميمه، فيمسي الجسد عبء ويطغى على النّفس الإحباط. تبقى الأحاسيس والمشاعر والخيالات ويرحل الإشباع، إلى أن يحلّ الموت، ربّما بعد آلام ومعاناة قد تشتدّ وتعنف ويحاول الإنسان خلالها أن يخفِّف عن نفسه ما قدر بالمسكّنات حتّى يبلغ العجز الكامل ويرتحل.

       على هذا النّحو يعيش الإنسان الدّهريّ، اليوم، في مستويَين متداخلَين متلازمَين: مستوى دوديّة اللّحم، من حيث إنّ اللّحم دود ومأكل للدّود، ومستوى دوديّة النّفس من حيث إنّ عشق النّفس استهلاك ذاتيّ وروح عدميّة وعودة إراديّة إلى وجود عدميّ. هذا إذا ما اعتبرنا الإنسان بطبيعته انعطافيًّا من جهة الآخرين وفي الانعطافيّة يوجد ويحقِّق وجوده. من هنا أنّه في مقابل النّظرة الرّاهنة إلى الإنسان من حيث هو لحمانيّ من جهة الجسد وإمتاعيّ من جهة النّفس، ثمّة نظرة أخرى إليه ووجدان آخر يمكن أن يتكوّن لديه، فيه تُلتمَس، في الحقيقة، أصالته، أنّه مخلوق ليكون قربانًا من جهة الجسد وانعطافيًّا من جهة النّفس. ماذا يعني هذا الكلام؟

       الإنسان، كتابيًّا، مخلوق على صورة الله ومثاله. هذه جعل لها آباء الكنيسة جملة تفاسير، منها أنّ ما هو من المواهب الطّبيعيّة للإنسان هو من الصّورة، وما يصير إليه الإنسان، على شبه الله، هو من المثال. على هذا لا تكتمل إنسانيّة الإنسان في مستوى الصّورة وحسب، أي في مستوى تفتُّح المواهب الطّبيعيّة لديه، بل، بالدّرجة الأولى، في مستوى المثال، إذ يحقِّق الإنسان، بإرادته ونعمة الله، ذاته فيصير إلهًا على شبه الله ثالوثًا. أمّا الله فمحبّة وكلّ ما له ويأتيه شيمتُه المحبّة. ولو كانت لله، آبًا وابنًا وروحًا قدسًا، حياة في ذاته، فإنّ الآب لا يقيم في ذاته معتزِلاً ولا يُعرف في ذاته بل يقيم في الابن والرّوح القدس ويُعرف فيهما. الآب يأتينا بالابن والابن بالرّوح القدس. هكذا كشف الله ذاته. الرّوح يحدّث عن الابن والابن عن الآب. لذا ورد في إنجيل يوحنّا أنّه في البدء كان الكلمة والكلمة كان نحو الله، أي الآب، وربّما، أيضًا، نحو الرّوح القدس.

       هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، لأنّ الله محبّة، فقد قدّم الرّبّ يسوع، ابنُ الله المتجسّد، جسدَه قربانًا من حيث إنّه قدّم نفسه برمّتها حياة جديدة، هي إيّاها حياة الله، إلى تلاميذه، ومن خلالهم للبشريّة المقبلة إليه. التّعبير عن هذه القربانيّة جاء، بخاصة، في العشاء الأخير الّذي كان للرّبّ يسوع مع تلاميذه حين نطق: "خذوا كلوا، هذا هو جسدي، الّذي للعهد الجديد..." ثالوثيًّا، الآب، منذ الأزل، كان قربانًا، بالمحبّة، للابن وكذا الابن والرّوح القدس، كلّ للآخر وللآب السّماويّ. فلمّا تجسّد ابن الله – والجسد، في العبرانيّة، لا يقتصر على اللّحم والدّم، بل يشمل الكائن كلّه – كان طبيعيًّا جدًّا أن يتعاطى يسوع جسده من جهة التّلاميذ، ومن ثمّ البشريّة، كقربان. القربان ذبيحة والذّبيحة محبّة وموت عن الأنا، وهكذا يتجلّى الله!

       وعلى مثال الرّبّ يسوع، صُوِّر جسد الإنسان قربانًا ونفسُه محبّة. المحبّة، في كلّ حال، هي ما قصدنا بها الانعطافيّة في كلامنا أعلاه. إذًا جسد الإنسان قربان على مذبح محبّته لله، ومن ثمّ على مذبح محبّته للإخوة. هذا، بالضّبط، هو ما يجعل الإنسان إنسانًا وما يحقّق الإنسانيّة الكاملة للإنسان. الطّفل لا يأتي من تلقيح الرّجل للمرأة وحسب. هذه عملية حيوانيّة بحتة. هذا ليس فعلاً إنسانيًّا، بالمعنى الصّارم للكلمة. الطّفل، ليكون إنسانًا، يأتي من قربانيّة جسدَي الرّجل والمرأة، أي من تجسّد المحبّة العميقة الّتي يُفترض أن تكون وحدها الجامع الحقّ بين الرّجل والمرأة. الإخصاب لدى الحيوان يتمّ في مستوى الطّبيعة، أمّا لدى الإنسان ففي مستوى المحبّة والاتّحاد الكيانيّ بين الرّجل والمرأة. من هنا أنّه لا يليق الكلام، في شأن النّاس، على تلقيح وإخصاب طبيعيّ وحسب. هذا ينحدر بالإنسان إلى مستوى الحيوانيّة، ويمسي الإنسان، في النّظرة والتّعاطي، لحمًا ولحمانيًّا. هذا يجعل المثال، لدى الإنسان، حيوانيًّا لا إلهيًّا، ومن ثمّ تمسي السّيرة لديه حيوانيّة لا إنسانيّة إلهيّة. ما يميّز الإنسان عن الحيوان ليس المواهب الطّبيعيّة الرّاقية وحسب، بل، أوّلاً وقبل كلّ شيء، أنّ الإنسان معطى أن يحبّ على شبه الله، وفي المحبّة يحقّق ذاته ويصير إنسانًا، فيما الحيوان محكوم بقوّة الغريزة ولو كانت له مشاعره السّالبة أو الموجبة من جهة تعامله مع الإنسان.

       على هذا، ليس الجسد لحمًا ودمًا، ولا يليق تعاطيه على هذا النّحو، وإلاّ استحال الإنسان حيوانًا متفوِّقًا، من جهة الطّبيعة، وإمتاعيًّا مفترسًا ذاتيًّا من جهة النّفس. الإنسان، والحال هذه، يأكل الإنسان ويستغلّ ويستهلك كلّ شيء حتّى نفسه. هذا يصير شأنه، في عمق كيانه، مهما تمظهر بمظهر اللّياقة والأدب والكياسة. أمّا الإنسان الحقّ فمَن تَملّح كلُّ فكرٍ وقولٍ وعملٍ لديه بالحبّ، أي بروح الله. وهو كائن مبذول، مقرَّب، أبدًا، على مذبح الله والإخوة!

       هذا هو الفرق بين الإنسان المخلوق الصّائر على مثال الله، في جدّة الرّوح، والإنسان المشوّه المُتَحَيْوِن المُتَشَيطِنْ. أقول المتشيطن لأنّ الشّيطان هو العاشق ذاته بامتياز وأب العاشقين ذواتهم. هذا هو الفرق بين الرّوحانيّ والنّفسانيّ، بين القربانيّ والجسدانيّ. كلّ فضيلة، لدى الإنسان، في هذا المنظور، قربانيّة إلهيّة، وكلّ رذيلة حيوانيّة شيطانيّة! الإنسان قربان وجسده قربان لأنّه فضيلة كلّه في عين الله، وإن صار غير ذلك فَقَدْ فَقَدَ مقوّمات إنسانيّته واستحال مسخًا!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

30 أيار 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share