روح العفّة هو برنامج حياة كاملة وحياة المسيحيّ الّذي يعيش في وسط هذا العالم مثل غيره من النّاس ولكنّه في الوقت نفسه يسعى ليرتفع في روحه عن أباطيل العالم متّجهًا في عفّته نحو خالقه. (الأرشمندريت الياس مرقص).العفّة تشمل كلّ شيء. ليست العفّة جسديّة فقط. الجسد لا يخطأ بل الرّوح بالجسد فهي تدنّسه أو تقدّسه، وتدنّس أو تقدّس الحياة معه. (الأرشمندريت الياس مرقص).روح العفّة هو عدم التعلّق بالأشياء الظّاهريّة العديدة بل التّأمّل بشيء واحد، بسيط غير معقّد، دائم غير متغيّر. (الأرشمندريت الياس مرقص).في العفّة وحدة الشّخصيّة واستقامة خطّ الحياة. جوّها جوّ اطمئنان وصفاء وارتفاع، فيها رائحة القداسة. (الأرشمندريت الياس مرقص). كان الآباء يستريحون من جهادهم بمضاعفة جهادهم. إنّ روح الذّبيحة حتّى النّهاية، روح المسيح المصلوب... تؤدّي وحدها إلى القيامة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
نقاط على الحروف
أنا وأنت

       الإنسان، في كل تحليل، رحمة. متى بلغ الرحمة صار إنساناً. لا أعرف ما إذا كان هناك إنسان شرِّيرا بالكلّية. الخطيئة مرض والخاطئ مريض. حياة الناس جراح عميقة منذ الطفوليّة ومن قبلُ وصولاً إلى آدم الأوّل. فتِّش ترَ! وأنّى لك أن تفتِّش في الآخرين!؟ فتِّش، بالأحرى، في نفسك تعرف. كلّما عرفت نفسك، على حقيقتها، وعمق الخطيئة ولولبيّتها، كلّما استهولت وازددت رأفة بالناس وإحساساً مع الناس. سأل تلميذ شيخه: لماذا أدين غيري؟ فأجابه: لأنّك لا تعرف نفسك! الناس للناس وجه ومرآة. ما تراه في غيرك هو، في الحقيقة، بمقدار أو بمقادير، انعكاس لما في نفسك. إذا ما كنت عفيفاً، مثلاً، رأيت في الناس عفّة. في هذه الحال حتى إن رأيت زنى بأمّ العين لا تدين، تتحسّر وينعصر قلبك وتبكي. العفّة تعلّمك الإحساس وأن ترى جذور ما ترى. تعلّمك النقاوة والنقاوة ترى نقاوة. لا يمكنك أن تعطي إلاّ مما عندك، ولا يمكنك أن تأخذ إلاّ مما تظنّ أنّك بحاجة إليه. تأخذ، أحياناً، رديئاً لأنّ فكرتك عن نفسك تكون غير ما أنت عليه. الآخر دائماً يصدمك، يكشف لك حقيقة نفسك. الآخر يفضح ما تُبطن وأنت تدري ولا تدري، تقبل ولا تقبل. المهم أن تتطلّع في ذاتك. المهم أن تبصر. المهم أن تنتفع. المهم أن تسمع. "مَن له أذنان للسمع فليسمع". أحياناً، مثلاً، تظنّ أنّك هادئ فتسمع من أحد كلمة تجرحك فتغضب. تظنّ أنّ الآخر هو العلّة. كلا بل العلّة، في العمق، فيك أنت. لُمْ نفسك لا قريبك. فإنّك إن لُمتَ نفسك صارت لك فرصة أن تصلحها. صرت أكثر انتباهاً لنفسك. ماذا تنتفع إن لُمت سواك؟ هو السبب؟ إلى حدّ ما، ربما. ولكن أنت السبب أيضاً. ما في قلبك هو السبب. لو كنتَ نقيّ القلب لصبرت على الناس وتفهّمت حالهم وبرّرتهم وبكيت عليهم. أحياناً تظنّ أنّه مستحيل عليك العيش مع الناس. نتمنّى أن نعيش لوحدنا. لو كانت فينا رحمة لاستسهلنا العيش مع الوحوش. لو كان الناس ليتفادوا الناس لأنّهم لا يُطاقون لوجد كل واحد منّا نفسه كما في جزيرة، لوحده. لا ليس الحلّ أن تتحملّ بل أن تحمل. الذين يتحمّلون ينتهي بهم المطاف بالعيش على أدوية الأعصاب، على المخدّرات. الاخر يصير جحيماً لهم. والجحيم، إن ذقناه، في الحقيقة، فلأنّه قائم فينا. أنانيّتك جحيمك، كبرياؤك جحيمك، حبّ الذات فيك جحيمك. لا الآخر جحيمك ولا الله بخالق الجحيم وملقيك فيه. الدليل أنّ الجحيم فيك أنّك ترى الآخر جحيماً وتشتهي أن تكون بمعزل عنه. أتظنّ أنّ العزلة فردوس؟ صورة الجحيم لدى بعض الآباء هي هذه: أن يكون الظهر إلى الظهر ولا يرى أحدٌ وجه الآخر. الإنسان مفطور على الحبّ. العجز عن العيش في الحبّ هو إيّاه الجحيم. الآخر، يا حبيبي، تعزية. الربّ الإله خلق حوّاء بعد آدم كمعين. كمعين على ماذا؟ كمعين على وحدته، على عزلته. العقم هو أن لا يكون هناك آخر تمتدّ صوبه. لو لم يكن هناك آخر لما كان هناك إمكان حبّ. الإنسان حبّ، الإنسان قلب. الحبّ حتّم وجود الآخر. لأنّ الإنسان محبّة خلقك الله وخلق الآخر ليتسنّى لك أن تحبّ وله أيضاً. أنا بحاجة إليك لأنّي بحاجة لأن أُحِبّ، بحاجة لأن أخرج من نفسي إليك. لو ألغيتك لما عاد بإمكاني أن أحبّ. إن خَدَمتُك خدمتُ نفسي. لا أستغلّك. أستغلّ نفسي إليك. أنا إليك حتى أكون. هكذا كُوِّنت. لو لم يعد بإمكاني أن أحبّ لفقدت إنسانيّتي. لم أعد إنساناً بل مسخاً. الإنسان حركة إلى الإنسان. بالحركة يحقّق ذاته، يصير إنساناً. ليس إنسان قائماً في ذاته. لذا كان سرّي فيك. كلٌّ في الحقيقة يبحث عن نفسه في الانعطاف على سواه، يكتمل في الآخرين، يتحقّق في حركته في اتجاههم. حتى لو لم تكن أمامي في اللحم والدم فأنت قائم في قلبي، في هاجسي، في كياني. لا أكون أنا إن لم تكن أنت فيّ. لذا كانت الصلاة حاجة كيانيّة لديّ. أُصلّي دائماً لأنّي أُريد أن أكون على صلة دائمة بك. الصلاة قمّة المحبّة، في الحقيقة. المحبّة لا تكون فقط لأنّي قادر أن أمتدّ إليك في الجسد، بل، بالأحرى وبالأَولى، لأنّي أُريد وأحتاج لأن أمتدّ إليك في القلب، في الكيان. بصورة تلقائيّة أجدني أمتدّ إليك في نفسي. لماذا أُصلّي إلى الله؟ لأنّي أودّ أن أكون إليه بصورة دائمة. خلقني لأطلبه، لأمتدّ صوبه، طلبني فخلقني وإلاّ لم أكن. في الإمتداد أستمدد روحه ومحبّته ونوره وتالياً حياته حياتي. ما فيه ينساب إليّ بالحبّ، بالصلاة، يقيم فيّ. أصير موطناً له، ابناً له، هيكلاً. الله حياتي لأنّي في امتدادي صوبه أحيا. "به نحيا ونتحرّك ونوجد" (أع 17). كذلك أُصلّي من أجل الإخوة، من أجل العالم لأنّي واجد العالم كلّه في نفسي حركة تلقائيّة، لأنّي بحاجة لأن أحبّ الناس أيضاً لأُوجد. أعرف نفسي أكثر فأعرف العالم أكثر فأرحم العالم أكثر فأُحب العالم أكثر فأُصلّي للعالم أكثر. كلا ليس الله ثالوثاً لأنّه يُعَدّ. ما يُعدّ يُحدّ والله، من جهتنا، بلا حدود. الله ثالوث لأنّه محبّة كاملة وفوق المحبّة. هكذا تجلّى. هكذا كشف نفسه. الله هو الله في الامتداد. الثالوثيّة هي الختم أنّ الله محبّة. الآب ممتد إلى الإبن والإبن إلى الروح القدس والروح القدس إلى الآب والإبن والثالوث إلى العالم والعالم إلى الثالوث. المحبّة في الامتداد كائنة. وكما الله هكذا نحن لأننا خُلقنا على صورته، قادرين على أن نحبّ ثالوثيّاً لنصير، على مثاله، كاملين بالمحبّة إذا ما أحببنا، إذا ما امتددنا، لنصير آلهة بالنعمة، بالوضع. "أنا قلت إنّكم آلهة". إذاً ليس الناس للناس جحيماً. حاشا! الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر قال عن الآخر إنّه جحيم لأنّه لم يشأ أن يعرف نفسه! الناس للناس فردوس محبّة إن كانوا يعلمون. جميل أنت يا حبيبي! كلّك حلو! أنا البشع لأنّي لا أحبّك كفاية. لأنّي أعرف، في قرارة نفسي، أنّي بحاجة لرحمتك أعرف أنّك بحاجة لرحمتي. إن لم أعرف نفسي فكيف أعرفك؟ يوم ألقاك جميلاً، بهيّاً، يوم أفرح بك، يوم أغسل أوجاعك بدموعي وأُبلسم جراحك بأنيني، يوم أُقلع عن كل تحفّظ بإزائك، يومذاك أعرف أنّي بدأت أعرف حقّاً، بدأت أصير إنساناً. يومذاك أصير في الحقّ مسكناً لنور الله، لله المحبّة. يومذاك أصير جديداً. الحبّ جديدي ومجدّدي. تصير فيّ وأنا فيك. يومذاك أكتشفك وكأنّي عرفتك لأوّل مرّة، يوم أكتشف الله فيك، يوم أكتشف نفسي فيك لأنّك أنت فيّ.

       يوم تمتلئ الأرض رحمة وتعجّ الأنهار مياهاً عدنيّة من دموع الناس على الناس في عالم يترنّح بالآلام، يومذاك نكون قد بلغنا الفردوس ولا يعود جحيم! الفردوس هنا قبل أن يكون هناك. ما لم نذقه هنا فلن نذوقه هناك! تعالَ يا حبيبي! هات يدك وخذ بيدي! ولننطلق إلى النور. الفردوس بلاك جحيم! لا أريد الفردوس بلاك!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

9 تشرين الثاني 2008
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share