عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
سرّ الألم!.

   الألم سرّ عظيم. لا سرًّا بمعنى ما هو خفيّ، بل سرٌّ بمعنى أنّه حقيقة واقعيّة تفوق مدارك البشر، وتفوق، بواقعيّتها، كلّ ما للنّاس، لأنّها حقيقة من فوق، وواقعيّتها ذات طبيعة إلهيّة بشريّة. عند الّذين لا يؤمنون بالرّبّ يسوع، هذه عثرة أو جهالة. أمّا عند مَن يعرفون السّيّد فهذه بديهيّة كالماء والهواء اللّذين من دونهما، في هذا العالم، لا إمكان حياة. هكذا الألم سرّ الخلاص، أو قل الحياة الأبديّة الّتي يُسبغها الرّبّ الإله على الّذين يؤمنون به. ليس أنّنا نرغب في الألم بل نقرأه بطريقة تختلف عن الطّريقة الّتي بها يقرأه العالم. ولأنّنا نقرأه كحاجة خلاصيّة، نتعاطاه كأمر أساسيّ، اختصّتنا به محبّة الله وحكمته، وعلى عكس ما يظنّه العالم، لاستعادة العافية الكيانيّة، ومن ثمّ، لتحقيق الإنسان الجديد فينا، باقتناء روح الرّبّ. الألم، عندنا، معاناة نكابدها، لا خلاف في ذلك، لأنّنا بشر. لكنّه، في آن، شيء آخر، لأنّ ابن الله تجسّد. هو إنسان، بكلّ معنى الكلمة، ولكنّه إله أيضًا. هذا جعل كلّ بُعد من أبعاد حياة الإنسان المؤمن بالإله المتجسّد، الرّبِّ يسوع المسيح، يعكس وجه الإله الإنسان. لقد بتنا نختبر، بصورة تلقائيّة، حضور الله، بالنّعمة، في ترابيّتنا: النّور، في المبدأ، بات مقيمًا في الظّلمة، والفرح في الحزن، والعافية في المرض، وكذلك السّلام، الّذي يفوق كلّ عقل، في الألم...

    لماذا الألم؟. لأنّ آدم، وذرّيّته من بعده، إلى آدم الجديد، الرّبّ يسوع المسيح، له المجد، لم يشأ أن يثبت، في الفردوس، في كلّ ما هو حسنٌ خلقه الله، في البدء، وجعله فيه. فقط، كان عليه أن يطيع الله في وصيّة واحدة أساسيّة: من كلّ شجر الجنّة تأكل - إذًا مباهج الفردوس قاطبة، كانت له بلا ألم - إلّا من شجرة معرفة الخير والشّرّ، فإنّك يوم تأكل منها موتًا تموت!. في كلّ ألم شيء من الموت، كما أنّ الموت، كيانيًّا، هو تمام الألم!. الألم، هنا، قد يتضمّن الوجع الجسديّ وقد لا يتضمّنه!. في كلّ حال لا يعادل الألم وجع الجسد!. لكن الألم مؤشّر حرمان من رضى الله، ومن ثمّ، من نعمته. هذا لأنّ الإنسان خرج عن طاعة إلهه. ليس أنّ طاعة الله فرضٌ، كمِن خارج الإنسان. كلّا، أبدًا!. الطّاعة من كيان الإنسان كناموس الطّبيعة من الجسد. فقط ناموس الطّبيعة مزروع في الجسد، بغير إرادة الإنسان؛ أمّا الطّاعة، الّتي هي حاجة للكيان أحشائيّة، فرهن بإرادة الإنسان!. طبعًا، ناموس الطّبيعة والإرادة متداخلان متفاعلان!. لذا كانت وصيّة الطّاعة، من لدن الله، تكميلًا لخليقته، الإنسان، نابعةً من محبّته، ومن ثمّ من رعايته للإنسان لا من سلطته عليه!. الطّاعة في المحبّة هي للحفظ والعناية لا للقهر والإلزام!. يقتبل الإنسان أو لا يقتبل؟. هذا وقف عليه!. هذا امتياز معطًى من الله له بالخِلقة!. فإن اقتبل يكون قد اقتبل ما لخيره، وإن لم يقتبل يكون قد امتنع لأذيَّته!. ومتى أطاع، والحال هذه، يكون لا فقط قد اقتبل ما لخير نفسه، بل، بالأَولى، محبّة الله، الّتي هي مصدر الوصيّة للإنسان. هنا، بالضّبط، يكمن ناموس الحرّيّة. الحرّيّة الحقّ لا علاقة لها بفعل الإنسان ما يشاء: حرّيّة الخيار، ولو كان فيها خيار!. ليس التّأكيد للخيار أو للخيارات، بل لخيار الطّاعة، ومن ثمّ المحبّة، لأنّ الطّاعة لله، ومن ثمّ المحبة، اختياريّة!. فقط، خيار المحبّة يحقّق الحرّيّة، لأنّ خيار المحبّة، وحده، هو ما أُعطيت حرّيّة الإنسان من أجله!. أَطِحِ الطّاعة لله، ومن ثمّ محبّته، تُطِحْ حرّيّة الإنسان!. الخيار، من منطلق النّزوة، لا معنى له ولا قيمة. لقد كانت الحرّيّة من أجل المحبّة، عبورًا بالطّاعة، لأنّ المحبّة لا تُعرف، بمعنى أنّها لا تُختبَر، إلّا بالحرّيّة!. ولكنْ، حيث لا محبّة تُفتقد الحرّيّة الحقّ!. حيث لا محبّة يقيم الإنسان في الخلل الكيانيّ، في الخطيئة!. وكلّ مَن يصنع الخطيئة يكون عبدًا للخطيئة!. إذًا الخطيئة تطيح الحرّيّة وتُلقي في العبوديّة!. إذًا، بالحرّيّة الحقّ، أي بالحرّيّة الّتي تفضي إلى المحبّة، من منطلق الطّاعة لله، بالوصيّة، الله العارفُ بخير الإنسان والسّاعي إليه، وصولًا إلى اقتناء الإنسان المحبّة، لأنّ الله محبّة، أقول بهذه الحرّيّة الحقّ يكتمل الإنسان وتتحقّق إنسانيّته!. الألم، كيانيًّا، هو معاناة الإنسان، الّذي يتوق لأن يحقّق ذاته، ولا يستطيع، مهما فعل، لأنّه يقيم خارج السّياق الإلهيّ، المتمثّل بوصيّة الطّاعة، المفضية، وحدها، إلى محبّة الله، ومن ثمّ إليه وإلى معرفته!.

    في العمق، هذا هو الألم أنّ الإنسان، كمشروع إنسان، لا يستطيع أن يصير إنسانًا مكتملًا، على مثال الله، إلهًا، ممتلئًا من روح الله، من حيث إنّ الإنسان صيرورة محبّة لا صيرورة أهواء!. يبحث عن الماء في الصّحراء فلا يجد!. يبحث في الواقع، من دون جدوى، فيغرق في الخيال، في عالم افتراضيّ، إيهاميّ، فيزداد شعورًا كيانيًّا بالجفاف، واللّامعنى، والسّأم، والفراغ، والوحشة... ما أعطاه إيّاه الله للفرح يصير للحزن، فيتحوّل إلى اختراعات كثيرة، على قولة سفر الجامعة (7: 29)، ليلهو، فلا يكون نصيبُه سوى العدم الكيانيّ!. بطانة سيرته برمَّتها تكون الحزن الكيانيّ!. مهما فعل ومهما اقتنى، لا مسرّة!. يمثِّل الفرح ولا يقدر أن يتمثّله، لأنّه لا يستطيع!. لذلك يموت، في كيانه، كلّ يوم!. ألمه جحيم الفراغ، يطالعه، رغمًا عنه، مهما طلب أن يموِّهه!. يسير الرّكبُ، بالإنسان، والحال هذه، من ألم إلى ألم، من موت إلى موت!. ذكرى العدم تكدّه!. على هذا، يسير الألم بإنسان الخيلاء من الألم إلى موت الجسد، لا ليكفّ ألمه، بل لينفتح على ألم بلا إمكان تمويه، بلا خيال، بلا تعزيات إيهاميّة... ألمٌ صرف!. ألم صارخ!. ظلمة قصوى!. دود لا يموت!. الإنسان، إذ ذاك، يتشوّه كيانيًّا!. يُضرَب بالبرص الدّاخليّ!. ماذا يحدث، بعد ذلك؟. الله، وحده، العارف!. لم يُعطَ لنا، هنا، أن نعرف سوى ما ينفعنا!.

    فقط، يبقى التّسآل!. لماذا؟. قولة السّيِّد عن يهوذا الإسخريوطيّ: كان خيرًا لذلك الإنسان لو لم يولَد، مَهول!. لا سيّما إذا ما امتدّ، بمقدار أو بمقادير، إلى كلّ الّذين يموتون في خطاياهم!. الموت، بمعنى الفناء، يصير مشتهى الإنسان المسخ لكنّه لا يستطيع أن يبلغه!. هذا هو الألم الجحيم!. الألم في الجسد ليس بشيء قياسًا بالألم بعد الجسد!. بالجسد، تسعى لأن تحيد عن مواجهة الألم، بالخيال!. بدون الجسد ماذا تفعل؟!. "أين أذهب من روحك؟. أم أين أهرب من وجهك؟" (مزمور 138: 7).

    على أنّه مهما حجب الرّبّ عن الإنسان الجواب، لا يسعه سوى أن يسأل!. والتّسآل، في الحقيقة، لا يمكن إلّا أن يفضي إلى استنتاج!. ما نعرفه عن الله المحبّة لا مطرح فيه لألم كيانيّ لا قرار له، يمتدّ في المدى إلى ما يمكن ألّا يقف عند حدّ!. مَن أعطانا هبة السّعي إلى الفهم لا يمكنه أن يتوقّع منّا ألّا نطلب الفهم!. أمران نفقههما لأنّهما من تعليم الكنيسة المقدّسة. الثّالث هو ما يحيِّرنا؛ نعرف فيه أنّنا لا نعرف، لكن ما نعرفه يؤهّلنا لأن نعرف أنّه محجوب عنّا تربويًّا، ونعرف مصبَّه ولو كنّا لا نعرف لا تعرّجاته ولا متاهاته!.

    نعرف، أوّلًا، أنّ ابن الله، كما سكن في جسدنا، يسكن في ألمنا وموتنا!. هذا نختبره بالنّعمة الّتي تنزّلت على الّذين يؤمنون بالرّوح والحقّ!. إذًا، للألم، بهذا المعنى، بعدان: واحد أفقيّ يعرّفنا بهشاشة البَشَرة، وأنّه لا جواب إلّا من فوق؛ وواحد عموديّ تؤتى فيه البركة علينا من لدن العليّ. هذا ما تعبِّر عنه أقوال كتابيّة كالتّالي: "ضلّوا في بريّة غامرة ولم يجدوا طريقًا إلى مدينة عامرة. جياعًا عِطاشًا وقد ذابت أنفسهم فيهم. فصرخوا إلى الرّبّ في ضيقهم فنجّاهم من شدائدهم وهداهم إلى الطّريق الصّالحة لينطلقوا إلى المدينة العامرة" (مزمور 106: 4 - 7)!.

    ونعرف، ثانيًا، أنّ الإنسان كائن اجتماعيّ، هو من الجماعة كالعضو من الجسد. ما يصيبه يتردّد في الجماعة. لا أحد يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته. لذا يحمل الجماعة وتحمله. جسديًّا ونفسيًّا قد يبدو قائمًا في ذاته. روحيًّا وكيانيًّا، مصيره رهن باتّخاذه مصيرَ الجماعة وكلَّ عضو فيها. به تخلص الجماعة وبالجماعة يخلص!. في نهاية المطاف، مهما أساء إلى نفسه، فإنّه، إن عرف أن يُحسن إلى الآخرين، إن عرف أن يبذل نفسه من أجلهم، فإنّه يخلص!. ما عصى به إلهَه قابل، في لحظة، لأن ينقلب إلى طاعة له، بالوصيّة الجديدة: أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم!. ونعرف، تاليًا، أنّ سرّ الألم مرتبط بسرّ القلب!. إلى أيّ حدّ يقتبل القلب، المخلوق على صورة الله، أن يبقى غريبًا عن الله، بعيدًا عنه، غارقًا في خطيئته؟!. هل إلى ما لا يُحدّ؟. إذا ما آلت الخطيئة إلى ألم، وإذا ما تعاظم الألم، وانتفت به، للإنسان، كلّ مسرّة وتعزية، أما يُتوقّع أن يُفضي الألم بالإنسان إلى توبة إلى الله؟!. التّوبة فعل، لكن توبة لصّ اليمين أبانت أنّها يمكن أن تقتصر على حسّ عميق!. هذا عبّر بالكلام: "أمّا نحن فبعدل لأنّنا ننال استحقاق ما فعلنا... اذكرني يا ربّ متى جئت في ملكوتك" (لوقا 23: 41، 42)؛ فإذا ما كان الرّاقدون، المتمرّغون في آلامهم، أعجز عن الكلام، أفما يسمع الرّبّ الإله أنين أرواحهم؟!. ومتى سمع، أيتجاهلهم كأنّه لم يسمع؟!. النّابض بالمحبّة أبدًا، أيُعقل أن يلتقط طَلْق الماخض ولا يعينها على الإيلاد؟!. ما هذا الكلام أنّ الإنسان يصنع أبديَّته هنا، وبعد ذلك يفوته القطار، إن تخلَّف؟!. غبيّ أنا ولا معرفة عندي، لكنّي عارف بالله رحيمًا، رؤوفًا، ليس إلى الانقضاء يسخط ولا إلى الدّهر يحقد!. لعمري، في المسير إلى وجه الله تربيات: الوصيّة تربية والنّسك تربية والألم، أيضًا، تربية!. ابنك تؤدّبه بالكلمة، بالمثال، وتؤدّبه، أيضًا، بالعصا!. في عالم تعاظُمِ العثرات، تهن الكلمة ويندر المثال، فماذا يبقى غير العصا؟!. كلٌّ، إذ ذاك، مضروب بعصا نفسه!. لا يضرب ربّك أحدًا إلّا بالدّمع ووجع الكيان، أقصد الله لا الإنسان؛ وحتّى متى عاينه مضروبًا بآلام خطاياه ما كفّ وجعُه عنه وما كفّ عن انتظاره، في صحوه، عائدًا إليه!. الخنازير هي الّتي قادت الابن الشّاطر إلى التّوبة، عن غير قصد منها، وكان الأب الآب، في الانتظار، بكامل الرّجاء!.

    مَن جعل الصّليب سبيلًا إلى القيامة قادر أن يجعل الألم، على إيلامه، سبيلًا إلى الخلاص!.

 عفوك، سيّدي، بارك!.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

12 تشرين الثاني 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share