بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
ملكوت المساكين!

       "طوباكم [أيها المساكين] إذا ما أبغضكم الناس وإذا ما أفرزوكم وعيّروكم وأخرجوا اسمكم كشرّير من أجل ابن الإنسان" (لو 22:6).

       مساكين أنتم متى نظر إليكم الناس كمساكين. في عيونهم أنتم مساكين. أنتم مساكين بالنسبة إليهم متى انتفى لديكم كلُّ تعلّق بما في هذا العالم. متى كان سيّان عندكم أن تمتلكوا أو أن لا تمتلكوا شيئاً من مقتنيات هذا الدهر. متى كان سيّان عندكم أن يقول الناس فيكم حسناً أو أن يقولوا سوءاً. متى كان سيّان عندكم أن تكونوا خدّاماً أو أن تكونوا أسياداً. ما دام أنكم مكتفون بأن يكون لكم ملكوت السموات فمساكين أنتم لهذا الدهر. ما دام أنكم ساعون لأن يكون سيّدكم، في السماء، راضياً عنكم. ما دام أن همّكم هو أن تكونوا أبناء أبيكم السماوي. ما دام أن عينكم هي على ما هو هناك لا على ما هو هنا فأنتم مساكين من جهة ما لهذا العالم. لكنْ، لكم ، والحال هذه، كل شيء من جهة  الميراث الإلهي المعدِّ من قَبل إنشاء العالم. أتخور نفوسُكم في شأن القنية أو المجد أو السلطة في هذا الدهر؟ اعنفوا بإزاء ما يضنيكم!" من أراد أن يأخذ ثوبك فأعطه الرداء أيضاً!" أتجمع مالاً خوفاً على غدك؟ إن افتقرت وسلّمتَ نفسك لإلهك تكنْ حكيماً وتحظَ بالدالة عند ربّك! إن أرسل لك ربّك محتاجاً فأعطه قدر حاجته! لا تُمسك طالما لديك! المحتاج، إذ ذاك، احسبْه رسولاً من فوق يُعينك على نفسك، يحرِّرك من هوى المال لديك! لا تردَّه! وإن رددتَه تكنْ قد رددتَ من أراد ربُّك به أن يطلقك من الأسر ويغنيك! إن أهانك أحد فهو ربّك يساعدك به على أن تُشفى من المجد الباطل. خرّس نفسك! اقبَلْ! اشكُرْ! هذا دواء المجد الباطل إن التمست البُرء منه. أتقول لك نفسك: "تكلّم ليمجِّدوك؟" إِخْرَس إذا لم يكن من الكلام نفع. وإذا كان لا بد من الكلام فقل: "اللهم أعنّي!" "سدّ أذنيّ اللهمّ عن الكلام البطّال!" قل: "تراب أنا" واذكر خطاياك فلا تستكبر. اهرب من التسيّد ما قدرت! اجتنب المناصب قدر استطاعتك! وإذا كان لا بدّ لك من أن تتسيّد لأجل الكنيسة فاحرص على أن يكون ذلك بروح الخدمة للصغار وللكبار. كن خادماً، إذ ذاك، للخدّام، ومن ثم أصغرَ من الصغار. اهتمّ بالأشغال الحقيرة المتروكة، في العادة، للمحتقَرين. لا تستغلّ من هم أصغر منك أو دونك رتبة. وإياك، في آن، أن تزدري الكبار في قومهم. ازدرِ أعمالهم، متى كان ذلك موافقاً، ولا تزدرِهم. هؤلاء، أيضاً، أنت خادم لهم للخلاص. خادم لهم ولكن لا لمنفعة لك منهم. لوجه الله! لأنهم هم أيضاً أبناء الله.

       لماذا يبغضكم الناس؟ يبغضونكم لأنكم لستم مثلهم، لأنكم لا تُماشونهم في أهوائهم، لأنكم لا تحابونهم، لأنهم يشعرون بأن طريقتكم ونظرتكم نقضٌ لطريقتهم ونظرتهم. ضميرهم يتحرّك ولكن لا إلى التوبة بل إلى البغض لأنهم لا يريدون أن يتغيَّروا. ليس البغض، في الوضع الذي هم فيه، حالةً مزاجية بل رفض كياني لكم.

       وهم يفرزونكم لأنكم لا تنتمون إلى الفكر الذي ينتمون هم إليه. تزعجونهم بمجرّد أنكم مختلفون عنهم. لا يرتاحون لوجودكم. لأنهم نفسانيون يشعرون بأنكم تدينونهم. لا يريدونكم في جوارهم لتغطّ نفوسهم في خَدَرٍ يظنّونه راحة لهم ويحسبون أنهم على حقّ فتموت ضمائرهم.

       وهم يعيِّرونكم لأنكم، في تقدريهم، ناقصو العقل والفهم وغيرُ واقعيّين ونظريّون ومُدَّعون وجماعةُ حالمين وربما أصوليون خارجون من القرون الوسطى وغيرُ عصريِّين وتُشكلّون عبئاً على المجتمع، وأنتم غيرُ مثمرين وغيرُ منتجين كما يفهمون هم الإثمار والإنتاجية.

       كل هذا يفعلونه وأكثر ويعملون على إخراج اسمكم، على إلغائكم، على اعتباركم أشراراً، لأنكم تنتمون لابن الإنسان، لأنكم تخصّونه، لأنكم منه وله. لا أمتعَ لدى الشرِّير من أن يُقنع الناس بأن ابن البشر هو الشرّير وأنهم بمقاومتهم له يقاومون الشرِّير بعينه. أكبر النجاح يحقّقه الشرّير متى أقنع الناس بأنه هو النور وكلامه الحق ومنطقه القويم. وكيف لا ينجح، مع الكثيرين، ووجدانه في خطّ أهواء الناس؟ أهواء النفس من نَفَس الشيطان. "أنتم من أب هو إبليس"، كما قال السيّد لليهود، لأن بناتكم الأهواء من الشيطان! أهواء الناس عملاء الشيطان في نفوس البشر.

       في نهاية المطاف يسوع والشيطان في صراع. وقلب الإنسان هو ساحة معركة. طالما يسوع في الصورة فلا بدّ للشيطان من أن يتصدى له. يسوع جاء منقّياً الإنسان من عدو الخير ومن زرعه ونجاسته. لا حياد على الأرض. "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرِّق". سذاجة أن نحسب أنه بإمكاننا أن نكون حياديّين أو أنه بإمكاننا أن يكون لنا موقف مستقلّ عن يسوع وعن الشيطان معاً. طالما هناك شيطان فمن دون يسوع لا نستطيع شيئاً. يسطو علينا الشيطان في كل حال مهما تذاكينا. وطالما يسوع هو المعنيّ فالشيطان هو المقاوم لا محالة. نحن، وجودياً، من هذه الجهة أو من تلك، شئنا أن أبينا، صحونا أم غفونا، وَعَينا أم لم نعِ.

       فإن كنتم فقراء المسيح فستُقيمون، في الظاهر، في الضعف، هذا لا بدّ منه، لكن عمل الله سيستبين فيكم. ستحلّ عليكم قوة المسيح في ضعفكم. سيستخفّ العالم بكم ويضطهدكم ويذبحكم. ستَظهرون صيداً سهلاً. لكنكم ستكونون شهود العليّ، لا لأن الموت سيشتملكم بل لأن قيامته ستظهر بموتكم. موتكم، إذ ذاك، حدثُ تجلٍّ.

       بالصليب يأتي الفرح إلى كل العالم، و كذا القيامة والحياة الأبدية والسلام. هي حكمة الله جهلّت حكمة هذا الدهر. لقد اختار الرب الإله أن يخلّصنا بجهالة الكرازة. فلا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم سُرَّ أن يعطيكم الملكوت!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

12 تشرين الأول 2008
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share