عندما يقتطع الكاهن أجزاء الذّبيحة، ويذكر أسماء المؤمنين، ثمّ يضعها على المائدة المقدّسة، ينحدر ملاك ويأخذ هذه الأسماء ليضعها أمام عرش المسيح.(القدّيس يعقوب تساليكيس). على زوجات الكهنة أن تعشن حياة مقدّسة، مماثلة للحياة الرّهبانيّة، وأن تبدين توقيرًا كبيرًا لأزواجهنّ، وأن تكتفين بالألبسة البسيطة.(القدّيس يعقوب تساليكيس). صلوات الفقراء هي حصن الأسقف. أولئك العمي والمخلّعون والمسنّون أشدُّ بأسًا من خيرة المحاربين.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).الصّمت في بعض الخطايا خطير.(القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان).كل من لا يعطي الله ما لا يستطيع حمله معه إلى القبر أو ما لا يقدّمه إلى الله في هذا العمر لا يكون مرضيًا لله. خير لكَ أن تعطي المسيح ما عندك ما دمتَ حيًّا وبصحّة جيّدة. أعطِه ما ادّخرتَه. أعطِ الآن ولا تؤخّر إلى الغد. (القدّيسة لوسيّا الصّقلّيّة).
نقاط على الحروف
الشّورى والنّبوّة!.

مهداة للأرشمندريت يونان (الصّوريّ)
إثر انتخابه ملاكًا على زحلة وتوابعها.


   الله لا يعمل، في الكنيسة، في شخص واحد، حصرًا، بل في الجماعة!. الواحد، في الأحوال الاستثنائيّة، يتكلّم الرّوحُ فيه، دون سواه، أو عن سواه، من الّذين يلزمون الصّمت، لكنّه لا ينحصر فيه، بسبب الموقع الوظيفيّ الّذي هو فيه!. المتقدّم في الخدمة، بيننا، موهبتُه أن يلتقط التماعات الرّوح القدس في الشّركة، ويصوغها في كَلِمات، ويلفظها!. تتعطّل موهبته إذا لم يكن ليسمع وينفتح، كيانيًّا، على الآخرين. إذا ظنّ أنّ خطّ سَير كلمة الله هو من فوق إليه، فإلى الجماعة، من خلاله، فإنّه يخطئ ويَضلّ، ويُضلِّل، ويكون موهومًا، ممتلئًا من نفسه، ولو بدا كأنّه يتحرّك باسم الله. بخلاف ذلك، كلّما اتّضع، وانسحق، في نظرته إلى نفسه، وتعامله معها، استنار بنور الله وتأدّب بآداب الشّركة، في الكنيسة، وبات مهيَّئًا لأن يدرك فكر المسيح ويبثّه!. من هنا كون الشّورى، في الكنيسة، إطار التّلاقي المتواتر بين الله وشعبه، وكون الاتّضاع القلبيّ، الفاعل بالمحبّة، المسعى الّذي يجعل الشّورى، كأسلوب تعامل، في الكنيسة، ممكنة، وقابلة للتّحقيق، وإلاّ تكون كلامًا في الهواء، وتمنيّات لا مَن يجسِّدها!.

   على هذا، لا عصمة لفرد ولا لجماعة في ذاتها. العصمة لله، وكلمتُه تتجلّى في مَن يشاؤه الرّوح!. قد يكون، هذا أو ذاك، جماعةً أو فردًا، جماعةً صغيرة أو كبيرةً!. الضّمانة أنّ الآب والابن يعملان أبدًا، والرّوح ينفخ، لا محالة، وإن كان حيث يشاء!. لا أوتوقراطيّة ولا ديمقراطيّة في الكنيسة!. الحجر الّذي رذله البنّاؤون هو صار ويصير رأسًا للزّاوية!. نحن، دائمًا، في وضع المتقبِّل والمتعاون وروح الله!. القول الرّسوليّ، عن ذلك، هو ما كتبه الرّسل والمشايخ إلى الأمم في أنطاكية وسوريّة وكيليكيّة، في شأن موضوع اليهود والأمم، حول الختان وحفظ النّاموس. فبعدما أبدوا: "رأينا وقد صرنا بنفس واحدة..."، قالوا: "قد رأى الرّوح القدس ونحن..."، ثمّ حكموا بما حكموا به في الشّأن المطروح!. لذا لا استغناء عن الشّورى!. كنيسة بلا شورى، بالمعنى الرّوحيّ الشّركويّ العميق للكلمة، لا تعود كنيسة الرّوح القدس، بل جسمٌ نفسيّ فكريّ مزاجيّ، يسعى، أبدًا، ولو باسم الله، إلى تعطيل عمل الله، من حيث يعي المقامون عليه أو لا يعون، ولو كان الرّوح، متى انقمعت القلّة، ليتغلغل، رغم كلّ شيء، في سراديب أوهان النّاس، دونما فضل لهم، أو وعي منهم، ليحقِّق مقاصد الله، من حيث إنّنا لا نستطيع، في كلّ حال، شيئًا ضدّ الله، بل من أجل الله!.

   من هنا، لا فقط أهميّة الشّورى وضرورتها، بل ارتباطها بالنّبوّة في الكنيسة، في آن. فلقد أُعطينا أن نكون، لا فقط أمّة ملوك وكهنة، بل أمّة أنبياء أيضًا!. لكن النّبوّة لا تفعل فينا بصورة آلية!. المبادرة هي، أبدًا، لروح الله، لكنّنا اصطُفينا لأن نكون مستقَرًّا لروح النّبوّة وفمًا لها. لا تحتقروا أحد هؤلاء الصّغار المؤمنين بي، فإنّ ملائكتهم ينظرون وجه أبي، كلّ حين، في السّماء!. على أنّ ثمّة نبوءات خاصّة يُسبغها الرّبّ الإله عبر قوم يختارهم لأسباب هو بها أدرى. لست عن هذه أتكلّم. أتكلَّم على الكلمة الّتي يقولها الرّوح من خلال المؤمن الفاعل إيمانه بالاتّضاع والمحبّة!. هذا ينمو فيه الحسّ بالإلهيّات، وتنساب كلمة الرّوح، من خلاله، انسيابًا، في الموقف والسّلوك والشّهادة!. كلٌّ، بالتّناضح وروح الله، في إطار الأمانة، يشعّ بنور الله!. لكنْ، حذار!. هذا بعيد عن العصمة!. رغم ذلك، يأتي ممّن قال، في بولس الرّسول، إنّ الرّوحيّ يحكم في كلّ شيء ولا يُحكَم فيه من أحد؛ ومن قول الرّسول المصطفى: "أمّا نحن فلنا فكر المسيح" (1 كورنثوس 2)!. لكن هذا لا يعطي بولس شعورًا بأنّه، أبدًا، يتكلّم باسم الرّبّ، ففي قوله عن العذارى أبدى أنّه ليس عنده أمرٌ، في شأنهنّ، من الرّبّ، لكنّه لا يمتنع عن الكلام، بل يعطي رأيًا "كَمَن رحمه الرّبّ أن يكون أمينًا" (1 كورنثوس 7). إثر ذلك يقول قوله من قبيل "الظّنّ"، على حدّ تعبيره (الآية 26)، كَمَن يتكلَّم بلغة الإشفاق (الآية 28)!. وإذ يستكمل نصحه ينهي كلامه بالتّأكيد أنّه يقول قوله بحسب رأيه (الآية 40)، لكنّه رأي ممهور بختم الثّقة الّتي عبّر عنها هكذا: "وأظنّ أنّي أنا، أيضًا، عندي روح الله"!. إذًا، بولس، بالرّوح الفاعل فيه، يعرف حدوده، تمامًا، ويعي، في عمقه، ترابيّته؛ لذلك يدرك ما هو من الله فيه، وما هو من الخزف الّذي هو إيّاه!. إذًا، روح النّبوّة الأصيل، فينا، يلقي الضّوء، ساطعًا، لا فقط على ما هو من روح الله، ويعرِّف به، بل على ما هو من وهن البشَرَة، أيضًا!.

   الشّورى، إذًا، تطلق روح النّبوءة في الجماعة، والقول في الكنيسة، هو: لا تطفئوا الرّوح، لا تحتقروا النّبوءات!. الشّورى، في هذا السّياق، تُحقّق انتظام الكنيسة لتعمل "بلياقة وترتيب"!. وحيث يُستعاض عنها بعمل "الواحد"، أو "الحزب الواحد"، إذا جاز التّعبير، لا فقط يُقمَع روحُ النّبوءة، بل يسود، أيضًا، الاستبدادُ، ويمسي الصّغارُ لسانًا للكبار، من دون الله، أو عوضًا عن الله، ويَستعبد الكبارُ الصّغارَ، وتستشري العصمة البراغماتيّة، إذ تستحيل الكنيسةُ مؤسّسةً هرميّة شِعاريّة شعائريّة، بلا روح!. عصمة، كهذه، تُتعاطى، ولا يُقال بها عقيدة، أخطرُ بما لا يقاس من عقيدة العصمة!. أنت، والحال هذه، في معرض الاستعباد للنّظم والفروض والشّرائع، الممثَّلة، كلُّها، بعبوديّة الحرف (رومية 7)؛ هذه لا تحرّرنا لمعرفة ما علينا فعله، بل تستأسرنا لما ليس علينا فعله!. هذا في أحسن الأحوال!. أمّا نحن فمدعوون إلى حرّيّة الاتّضاع والمحبّة، "حتّى نعبد بجدّة الرّوح، لا بعتق الحرف" (رومية 7: 6)!.

   الشّورى والنّبوءة متعاونان متضافران، تطلق إحداهما الأخرى، ولا تأتي الواحدة منهما إلّا بالأخرى!. فحيث لا شورى، الكلام على الكنيسة، كأمّة أنبياء، كلام في الهواء، غريب عن التّجسّد، إلّا ما يشاؤه الرّبّ الإله تنبيهًا وتقريعًا لشرود الرّعاة وزنى الرّعيّة، نظير ما قاله، قديمًا، بإيليا، لآخاب وإيزابيل، وشعبه!. وحيثما تعطّلت روح النّبوءة، استحالت الشّورى فعل مشيرين محترفين، أو شبه محترفين، يعمل، بعدها، الأوّل، في مقامه، وفق قناعته الخاصّة!. يستعير ممّا يشير له به الآخرون، ما يحلو له، ويناسب رؤيته، أو منافعه، ويغضّ الطّرف عن الباقي، ناسيًا، أو متناسيًا، أنّه، يجعل نفسه، بذلك، في عداد مَن قال عنهم السّيِّد: رؤساء الأمم يسودونهم، وعظماؤهم يتسلّطون عليهم، أمّا أنتم فلا يكن فيكم هكذا، بل مَن أراد أن يكون أوّلاً، فليكن آخر الكلّ وعبدًا للجميع!.

   لذا، حيثما انعدمت الشّورى، بمعناها الكنسيّ الرّوحيّ العميق، استحال المتحلِّقون حول "الأوّل" جماعةَ متملّقين، وصوليِّين، همّهم استرضاؤه، لا إكرامًا له، ولا لمَن أقامه، أو أُقيم باسمه، بل إشباعًا لرغبة ذاتيّة مآلها استرضاء العبد لسيِّده نحو استعلاء يأتي من عِشرة  الرّؤساء، وحظوةٍ يسعى إليها قاصر، تنقصه الحرّيّة الدّاخليّة، من كسبِ ودّ المتقدِّمين واقتناء الدّالة لديهم!. ما جعل الرّبُّ الإله الأولَ بيننا إلّا خادمًا لتكون علاقته بالكلّ علاقة الصّنو بصنوه والقريب بقريبه والأخ بأخيه، لأنّكم، جميعًا، إخوة، وأبناء العليّ تُدعَون!. هذا يُحلُّ التّكاذبَ والباطنيّة، بيننا، محلَّ العضويّة، في الجسد الواحد، الكنيسة، على ما في هذه العضويّة من تمايز بين الأعضاء وتكافل وتكامل، في آن!.

   زبدة القول، انّ الكنيسة شورى، كلٌّ ينفتح فيها على روح الله الفاعل في الجميع، ليؤدِّب الواحد الآخرين ويتأدَّب بهم، فيبقى المسيح، وحده، الحيَّ فيهم، وفيما بينهم، لبنيان المؤمنين، وتعزيتهم، ولسان حال كلّ واحد منهم، بإزاء إخوته، قولة بولس الرّسول إلى أهل رومية: إنّي مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحيّة لثباتكم!. وهذا، عنده، معناه، "لنتعزّى بينكم بالإيمان الّذي فينا جميعًا، إيمانكم وإيماني" (رومية 1)!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

18 تشرين الأول 2015
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share