<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
اللاّهوت القويم!.

   إن أنسى لا أنسى الخالة فريدة كيف كانت تصلّي. قيل، تُركت وحيدة، ذات صباح، إلاّ كنّتها، ترتِّب المنزل وتعدّ وجبة الطّعام. الباقون انصرفوا، كلٌّ إلى عمله. في الغرفة الشّتويّة، المعروفة بـ"غرفة القعود". جلست في صمت! كانت إيقونةُ السّيّد، مقابلها، معلَّقة على الحائط. بطبعها كانت هادئة. فجأة التمعت في قلبها الرّغبة في الصّلاة. هذه المرّة، على غير عادتها. ما ألفته كان صلاة الـ"أبانا" و"السّلام". بعض التّأثير الكاثوليكيّ كان باديًا، في أدائها، لأنّ زوجها كان روميًّا كاثوليكيًّا، العمّ نجيب! أرادت أن تصلّي من كتاب الصّلوات؛ وفي كلّ بيت توراة وكتاب صلوات، في ذلك الزّمان. "يا ماري"!، نادت، "إليّ بكتاب الصّلوات!" أتتها به!. كان كتابًا عائليًّا، سميكًا، عتيقًا! ما كانت تعرف القراءة والكتابة! أخذته بين يديها وقبّلته! كلام الصّلاة حضرة إلهيّة، في وجدان ناس ذلك الزّمان! هذا هو الّذي هو! يسوع! نَظَرته بحنان وتودّد! قلّبت صفحاته بأصابعها النّحيلة، كما لتلامس، بقلب اعتاد الله مهابةً، وعينين ترجوان، سرَّ إطلاله عبر الورق والمداد والحروف، كَمَن يسترقّ النّظر إلى داخل الحجاب من ثقب الباب!. وإن هي سوى دقائق، حتّى رفعت رأسها من الكتاب إلى وجه السّيّد من جديد! بدت مستعدّة لأن تتكلّم! تجعَّدت على وجهها ابتسامة خفيفة، وتصعّدت من قلبها نجوى، وحَكَتْ عيناها الغائرتان في فجوتين، حفرتهما السّنون، نهدة وانكسارًا، كمَن ينعطف على السّماوات، غير مبالٍ بالمسافات، يطفر إلى الأبديّات! يا معلّم! غصّت وأردفت: ما أنشأوني على القراءة والكتابة، لكنّي أُصلِّي لك كلّ كلمات هذا الكتاب! ثمّ سكتت! وأمعنت النّظر في وجه السّيّد! فتحرّكت روحها! وتنهّدت من الأعماق! وإذا بدمعتين تطلاّن من مقلتيها وتنسابان ساكنتين! لا يحتاج الكلمةُ إلاّ إلى قلب وكلمة ودمعة! هذه الحكاية برمّتها! الباقي تفاصيل!.

   اللاّهوت، إذًا، يخاطب، بصورة أساسيّة، القلب، والقلب وحده! الإنسان قلب، وكلّ ما عداه، بما في ذلك العقل، يستمدد قيمته من علاقته بالقلب!. إذا كان القلب نيِّرًا كان العقل نيِّرًا، وإذا كان القلب مظلمًا كان العقل مظلمًا. فإن تقل: القلب نيِّر، تَعْنِ: القلب محبّة؛ وإن تقل: القلب مظلم، تَعْنِ: القلب عبادة ذات!. العقل، والحال هذه، إمّا يتحرّك بقوّة المحبّة، فيكون عملُه للبنيان؛ وإمّا يتحرّك بقوّة عبادة الذّات، فيكون عملُه للهدم!. من هنا كون اللاّهوت محبّة! الله محبّة! اللاّهوت هو الله! اللاّهوت، إذًا، كيان! الإنسان، أيضًا، كيان، لأنّه على صورة الله، وعلى مثال اللاّهوت!. لذا، بين اللاّهوت والإنسان حكاية كيانٍ إلى كيان، قلبٍ إلى قلب!. متى قلنا، الله عرف الإنسان، عنينا أنّه خلقه وأحبّه! ومتى قلنا، عرف الإنسانُ الله، عنينا أنّه أحبّه بالمحبّة الّتي أحبّه الله بها!. أنت لاهوتيّ، إذًا، إن أحببتَ الله! لا معرفة لله، أو قل للاّهوت، خارج نطاق المحبّة!. فلأنّ اللاّهوت محبّة، ولأنّ اللاّهوت هو الله، فإنّ محبّة الله في الإنسان، أو قل محبّة الإنسان بالمحبّة الّتي يحبّه بها الله، تجعله شريكًا في ما لله: شريكًا في الحياة الأبديّة لله، وشريكًا في روح الله، أو قل نعمته. هذا كلّه تحقّق بفعل تجسّد ابن الله. الخلق، أساسًا، كان من محبّة الله. محبّة الله، بطبعها، خلاّقة. تُخرج من العدم إلى الوجود. أمّا تمام محبّة الله، من جهة الإنسان، ككائن مخلوق، فالتّجسّد!. هذا معناه أنّ أوّل محبّة الله كان إخراج الإنسان إلى الوجود؛ وكمالَها إعطاءُ المخلوق أن يصير شريكًا في الله غير المخلوق!. بالتّجسّد، اتّخذ الله غير المخلوق ما هو مخلوق، اتّحد به!. وإذ اتّحد به صار بإمكان المخلوق أن يتّخذ غير المخلوق لأنّ في الاتّحاد تبادلاً للخواص!. الله اتّخذ الإنسان، فصار بإمكان الإنسان أن يتّخذ الله!. هذا ما عبَّر عنه آباؤنا بالقول: الله صار إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا!. هذا معناه أنّك تقصد الأمر عينه إن قلتَ عن الإنسان الّذي يُحبّ الله إنّه لاهوتيّ، أو متألِّه، أو إله! هذه مترادفات! وهذه ثمرة التّجسّد!.

   هذا في شأن اللاّهوت. ماذا في شأن علم اللاّهوت؟.

   في اللاّهوت عِلم وعِلم. ما دام أنّ اللاّهوت هو الله المحبّة، فعِلم اللاّهوت هو أن تتعلّم كيف تحبّ الله. وكيف تحبّ الله؟ بأن تحفظ وصاياه! وكيف تحفظ وصاياه؟ بأن تعاشر مَن يحفظون وصاياه!. النّطاق الأوّل لحفظ الوصايا: العائلة! العائلة هي الأساس!. كيف يتمّ حفظ الوصايا؟ بالقدوة، أساسًا! بالقدوة، أيضًا، يتعلّم الواحد حفظ الوصايا ممّن يحبّون الله، قريبين أو بعيدين!. والقدوة تدعمها وتنميها بأخبار وأقوال الكتاب المقدّس والقدّيسين! الله دائمًا يعين، وبطرق هو يعرفها، لكنّه رسم، في المبدأ، أنّ الإنسان بالإنسان يُصلَح!.

   كيف تعلّمت السّيّدة فريدة اللاّهوت؟ علّموها الاسم الحسن: الله، الرّبّ يسوع المسيح، الآب والابن والرّوح القدس! علّموها أنّه حيّ!. يُصلّون له، يتّكلون عليه. علَّموها مخافته! يعملون ما يرضيه ويمتنعون عمّا لا يرضيه!. التّنشئة على مخافة الله تفعّل ما هو فطريّ في الكيان وما يسمّيه الدّارسون "الرّعدة السّرّيّة" "Mysterium Tremendum "، الّتي هي في أساس علاقة الإنسان بالله!. علّموها أنّ الله يحبّ وأنّه يبارك وأنّه يسمع وأنّه يعين! وعلّموها أنّه يؤدِّب وأنّه يسامح التّائبين إليه! علَّموها الأمانة وأنّ الله يصنع الخير للّذين يسلكون بالأمانة!. علّموها الرّحمة! علّموها دستور الإيمان! علّموها الصّوم والصّلاة والقطاعة لمقاربة الله! علّموها الصِّدق وأن لا تتكلّم على أحد بالسّوء! مدرسة الحياة علّمتها! التّعليم عمليّ مشبع بمخافة الله ومحبّة القريب!. التّعليم عمليّ قائم على أساس الصّبر والاتّضاع والغفران وقبول الظّلم والرّضى والشّكر على كلّ شيء وفي كلّ حال! التّعليم عمليّ يقودك من مخافة الله إلى محبّته، ومن الطّلب، سدًّا للحاجة، إلى طلب وجه الله لذاته! وجهك يا ربّ أنا ألتمس!.

   هذا التّعليم، ومِثلُه، استطرادًا، هو أساس علم اللاّهوت المفترَض أن يخوض فيه الّذين يعرفون الله أو يطلبون معرفة الله أو ينشأون في بيئات تعرف الله. عِلم اللاّهوت، هذا، شاملٌ الجميع، بلا استثناء! بتعاطيه، يصير الإنسان عالِمًا باللاّهوت، لاهوتيًّا، متألِّهًا! يصير قدّيسًا من معدن القدّوس!. وبهذا المعنى، يكون اللاّهوتيّ مَن يطيع الله، مَن يصلّي، مَن يحبّ، مَن لسانُ حالِه بإزاء ربّه: في يديك أستودع روحي!.

   وهناك عِلم آخر للاّهوت ليس، في الحقيقة، للجميع، بل لذوي الباع في الإقامة في دراسة الكتب ويهتمّون بعلوم الدّنيا. طبعًا، مَن يتعاطون هذا العِلم يستمددونه، في الأساس، من المَعين عينه الّذي ينهل منه، أو يُفترض أن ينهل منه، أبناءُ الإيمان برمّتهم: مخافة الله، طاعة الله، محبّة القريب، محبّة الله، الأسرار المقدّسة، والكأس المقدّسة بخاصّة، وما إلى ذلك من قريب أو بعيد. يجعل علمُ اللاّهوت، هذا، الإيمانَ القويم، بصيغ تعبيريّة مضبوطة حفظّا له من الشّطط، أي من الهرطقة. الظّروف التّاريخيّة، وكذا العلوم والفلسفات والمذاهب واللّغات، هي الّتي استدعت وتستدعي، وأوحت وتوحي بهذه الصّيغ. علم اللاّهوت، من هذا المنطلق، يهتمّ بالعقيدة والممارسة القويمتين، وله دائمًا فكر يعبِّر عنه، وشهادة يؤدّيها، في كلّ نطاقات الحياة.

   إذًا، لا فصل بين عِلم لاهوت الحياة في المسيح وعِلم لاهوت الكلام على المسيح!. الأوّل يَمدّ الثّاني بالحياة الإلهيّة والأصالة، والثّاني يحفظ الأوّل من شرود البَشَرة، ويمدّ الإنجيل شهادة وكرازة إلى أقصى الأرض بثًّا لروح الله وسوقًا لكلّ فكر إلى طاعة المسيح، "لكي تجثو باسم يسوع كلّ ركبة ويعترف كلّ لسان بأنّ يسوع المسيح هو ربّ لمجد الله الآب" (فيليبي 2: 10 – 11)!.

   خارج هذا النّطاق لسنا نعرف اللاّهوت، ولا قيمة عندنا لعِلم اللاّهوت!.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

23 تشرين الثاني 2014
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share