بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
البطريرك إيريناوس الأول
وحقيقة أزمة الكرسي الأورشليمي

        في 23 و24 أيار سنة 2005 م اجتمع في الفنار، في اسطنبول (تركيا)، ستة وعشرون أسقفاً يمثّلون اثني عشر كنيسة أرثوذكسية مكانية، ذات رئاسة ذاتية (autocéphales )، بناء لدعوة البطريرك برثولماوس الأول المسكوني، باعتباره، قانونياً، "أولاً بين متساوين". موضوع البحث كان الأزمة الناشئة، في الكرسي الأورشليمي، عن تبنّي اثني عشر عضواً من أعضاء  المجمع المقدّس قراراً بإقالة البطريرك إيريناوس الأول، من جهة، وتمسّك البطريرك، يدعمه أربعة من أعضاء المجمع عينه، بكرسيّه واعتبار تحرّك مناهضيه غير قانوني وباطلاً، من جهة أخرى. هذا هدّد بانقسام الكرسي الأورشليمي. دعوة البطريرك برثولماوس الأول كانت، كما بدا، محاولة للحؤول دون تفاقم الأزمة. وبعد التداول، تمسّك البطريرك إيريناوس الأول بموقفه، فيما وافقت تسع كنائس أرثوذكسية، وقيل سبعة فقط، على شطب اسم البطريرك من لائحة الذبتيخا وهي لائحة رؤساء الكنائس المعبِّرة عن الشركة فيما بينهم، وهذه تُتلى أثناء الخدم الليتورجية التي يرأسها بطاركة الكنائس المكانية أو مَن يعادلهم.

        السؤال الذي طرحه ويطرحه كل مهتم بالشأن الكنسي هو: ما هي الأسباب التي أدّت إلى انقسام المجمع الأورشليمي وصولاً إلى قرار الكنائس الأرثوذكسية المكانية أعلاه وما هي تداعيات الأزمة الناشبة بين فريقَي الصراع؟

        المعطيات المتوافرة هي التالية:

        1. في 18 آذار سنة 2005 نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية خبراً بشأن صفقات بيع تبيّن إنها إجارات طويلة الأمد طالت عقارات تملكها بطريركية أورشليم، إلى مستوطنين إسرائيليين بوساطة المدعو نيكوس باباذيماس اليوناني الأصل.

        2. يدور الحديث عن أربع صفقات وقّع عليها باباذيماس بالوكالة عن إيريناوس، كما ادّعى، بين 16 آب و19 تشرين الأول سنة 2004 م. وهذه تتضمّن فندق "سانت جون" وفندق "امبريال" وفندق "بترا" وعقاراً يشمل بيتاً. والإجارة هي لمدة 99 عاماً.

        3. في المعلومات أنّ باباذيماس هو محاسب قانوني قدّمه إلى البطريركية أحد العاملين في قسم الأمن في السفارة اليونانية، وقيل ملحق عسكري لها. وهو متزوّج من امرأة روسية يهودية مهاجرة حديثاً ويقيم في تل أبيب. كذلك في المعلومات أن البطريرك عرض الأمر على المجمع، لحاجة البطريركية إلى محاسب، فقرّر المجمع تعيينه. هذا بعد انتخاب البطريرك، في شهر آب سنة 2001، بفترة قصيرة، وقيل في صيف 2005.

        4. الصورة التي أُعطيت عن باباذيماس أنّه مطلوب للعدالة في دولة اليونان مع أنّه كان قبل تواريه يدخل إلى اليونان ويخرج منها بحرّية، مع البطريرك ومن دونه. وفي التقارير أنّ زوجته الروسية أُوقفت أثناء دخولها إلى اليونان وفي حوزتها حوالي 120 ألف يورو ومجوهرات مختلفة. كان ذلك في 31 تشرين الأول سنة 2004 م. وبعد ذلك بأربعة أيام فرّ باباذيماس واختبأ لدى صديق يهودي له وزعم أنّ المستوطنين يلاحقونه لعدم تمكّنه من إتمام صفقة بيع العقارات. ومن هناك هرب إلى جهة غير معلومة. ثمّ قيل إنّه ملاحق من قبل الأنتربول. ومع ذلك، بعد ثلاثة أشهر من تواريه، كانت له مقابلة مع صحيفة Eleftherotypia اليونانية نشرتها في عدد 27 آذار سنة 2005 م.

        5. بنتيجة ما ورد في صحيفة معاريف هاج الإعلام، ولا سيما العربي، وتعالت أصوات الاستهجان وورد كلام عن تظاهرات واحتجاجات عربية حمّلت البطريرك المسؤولية وطالبت باستقالته أو بتنحيته.

        6. وتتالت الأحداث بعد ذلك: في 7 أيار تبنّى الأساقفة المناهضون للبطريرك في الكرسي الأورشليمي قراراً بتنحية البطريرك. في 10 منه وافقت الحكومة الأردنية عليه ووقّعه الملك عبد الله في 20 أيار. وفي 11 أيار رفعت الحكومة الفلسطينية توصية بالموافقة على قرار التنحية إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس فاستمهلها ريثما توافيه لجنة التحقيق التي أنشأها في 19 آذار بتقريرها. يُذكر أن قرار المجمع، بشأن البطريرك، انتخاباً أو تنحية، لا يُعتبر نافذاً، في المبدأ، إلاّ بعد موافقة كل من الأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل عليه.

        7. في 24 آذار انقلب رئيس الأساقفة أريستارخوس، السكرتير العام للمجمع المقدّس، على البطريرك وحمّله المسؤولية كاملة في شأن الصفقات التي جرت مبرِّئاً ساحة المجمع المقدّس وأخوية القبر المقدّس والبطريركية، ودعاه إلى الاستقالة. لكنّه صرّح في 6 أيار   – والكلام له – بما يلي: "لعل المجتمع الإسرائيلي أساء فهمنا. ليست المشكلة أن [إيريناوس الأول] قد باع أرضاً لليهود. ليس هذا هو الموضوع". وتابع قوله إنّ البطريرك نُحِّي "لسوء إدارته ونقص الشفافية لديه ومَكْرِه".

        8. لتقرير الجدّي الوحيد في القضية هو الذي صدر عن لجنة التحقيق الفلسطينية الرسمية. هذا صدر في 16/ 17 حزيران الفائت. أمين سر مجلس الوزراء في الحكومة الفلسطينية، سمير حُلَيْله علّق عليه بعد قراءته بالقول: "إنّ الحقائق الواردة فيه مذهلة". وهذا بعض ما أوردته بشأنه صحيفتا الصنّارة والاتّحاد الفلسطينيتان بتاريخ الجمعة 24 حزيران سنة     2005 م:

               أ. في التقرير أنّه "وفق المعلومات والبيِّنات التي وصلتنا لم نسمع ولم نستلم أي دليل أو بيِّنة تدين البطريرك إيريناوس بعلم عن الصفقة قبل توقيعها أو مروراً بتوقيعها، وأنّ البطريرك لم يشارك في أي مرحلة كانت في مجرياتها ولم يتسلّم أي مبلغ من الصفقة...".

               ب. كذلك ورد أنّ الصفقات لم تُطرح على مجمع أخوية القبر المقدّس لعدم علم البطريرك بها وأنّ المجمع لم يصادق عليها، الأمر الذي يفقدها إمكانية نفاذها القانوني ويبقيها غير مكتملة.

               ج. كما ورد أنه في تشرين الأول 2004 نشب خلاف بين باباذيماس وإيريناوس بعد إشاعات بخصوص تجاوزات الأول، الأمر الذي أدّى إلى امتناع إيريناوس عن التجاوب مع توصيات باباذيماس بشأن صفقة عقارية معروضة على محامي البطريركية وحصلت بينهما مشادات كلامية بعضها بحضور آخرين.

               د. وأضافت المصادر أنّ لجنة التحقيق توصّلت إلى ما مفاده أنّ مجموعة من رجال الدين اليونانيّين المعارضين لإيريناوس حاكوا خطّة مدروسة مع جهات يمينية إسرائيلية متطرّفة التقت مصالحها للتخلّص من إيريناوس فوصلوا إلى تنفيذها الخطوة تلو الخطوة.

               ه. وأكّدت لجنة التحقيق أنّ ما يهمّ اليونان هو الإبقاء على يونانية الكنيسة مشيرة إلى تصريحات صحافية أدلى بها المطران أريستارخوس مفادها عدم وجود معارضة شخصية لدى الكنيسة ببيع عقارات لجهات يهودية أو إسرائيلية.

               و. وجاء في التقرير أيضاً: "وفقاً للقانون الساري تطبيقه في القدس الشرقية فإنّ البطريرك إيريناوس ما زال البطريرك الشرعي وصاحب الصلاحيات الكاملة... وان ما قامت به المجموعة المعارضة له يُعتبر باطلاً من أساسه".

               ز. بناء على هذا التقرير، كما ورد في جريدة الصنّارة، أعاد الرئيس محمود عبّاس (أبو مازن) يوم الثلاثاء 21 حزيران سنة 2005 م إلى رئيس الحكومة أحمد قريع ملف البطريرك إيريناوس وطالب حكومته بإعادة النظر في توصيتها بتنحيته من الكرسي المقدسي.

        9. في رسالة وجّهها الأرشمندريت الدكتور ملاتيوس بصل، الرئيس الروحي لرام الله واللواء، إلى المتروبوليت فيليبس صليبا، بتاريخ 16/ 6 / 2005 ألقى المزيد من الضوء على مجمل القضية. مما جاء في رسالته:

               أ. في تقرير لجنة التحقيق الفلسطينية أنّ اللجنة توصّلت فيما توصّلت، خلال عملها، إلى أنّ فوضى وفساداً عميقَي الجذور يستشريان في البطريركية إدارياً وتنظيمياً. السؤال هو لماذا؟ مَن خلق هذه الحالة؟ هل هو البطريرك؟ هل هي سوء إدارته حقاً؟ الجواب ورد في رسالة الأرشمندريت ملاتيوس. قال: "بعد انتخاب البطريرك إيريناوس تخاذل بعض أعضاء الأخوية في العمل مما جعل إدارة البطريرك إيريناوس شبه معطّلة. وقد عيّن وغيّر وبدّل الكثير من أعضاء الأخوية ولكن الوضع كان بلا تقدّم. وكان بجانبه أشخاص يؤدّون له الولاء ولكنّهم على غشّ حتى يوقعوه في الفخ المخطّط له".

               ب. وبعكس ما أُشيع عن كون البطريرك فرّط بأملاك الكنيسة وسمح ببيعها إلى اليهود، يذكر الأرشمندريت ملاتيوس أنّ البطريرك "أخذ بالتقرّب من الرعيّة العربية واستعاد الكثير من أملاك الكنيسة المتسرّبة إلى أيد غريبة، وقد سعى لبناء مدرسة في بيت لحم والمخطّطات جاهزة، وسام رهباناً عرباً عددهم ثلاثة ورقّاهم إلى درجة الأرشمندريتية ورمّم الكثير من الأديرة وسعى في بناء دار البطريركية الذي لم يكتمل تدشينه". إذاً الرعيّة العربية أخذت تنعم في كنف البطريرك إيريناوس برعاية طيّبة. يُذكر أنّ دولة إسرائيل لم تشأ، أول الأمر، أن تعترف بالبطريرك، بالضبط لأنّه عطوف على العرب. وعندما اعترفت به، في وقت متأخّر، بتاريخ 28/ 1 / 2004، حجزت على الحسابات المصرفية.

               ج. ويشهد الأرشمندريت ملاتيوس أنّه لمّا سأل البطريرك، باسم كنائس رام الله واللواء، عن الصفقات التي أتت على ذكرها صحيفة معاريف كان جوابه الدائم: "فلتشهد عليّ العذراء إذا قمت أنا بمثل هذا العمل ولتَقطع يديّ ورأسي".

               د. وعن المظاهرة ضدّ البطريرك قال الأرشمندريت ملاتيوس إنّ عدد المشاركين فيها لم يزد على العشرين إلى الثلاثين شخصاً. في مقابل ذلك لما قام البطريرك، في أحد الأعمى، بزيارة بلدة عين عريك، لواء رام الله، استُقبل من أهلها بحفاوة بالغة وكأنّه بطل.

               ه. هذا ويبدي الأرشمندريت بصل أنّه وسواه من الكهنة العرب رفضوا التوقيع على قرار اسطنبول. جوابهم كان: "ليس لنا علاقة بقرار اسطنبول. سننتظر قرار السلطة الفلسطينية النهائي وبناء عليه نقرّر".

               و. كما يفيد الأرشمندريت ملاتيوس بأنّ المطران تيموثاوس، أحد المناوئين للبطريرك إيريناوس، طلب منه (أي من الأرشمندريت)، في رام الله، أن يقرأ قرار اسطنبول على الشعب وإلاّ يكون محروماً. فرفض وهاجت الرعيّة وطردت المطران المذكور.

               ز. وفي 14 حزيران سنة 2005 قرّر الفريق المناوئ للبطريرك وضع الحرم على أربعة أرشمندريتية من العرب ومن بينهم الأرشمندريت ملاتيوس.

                ح. هذا والاحتجاجات، بحسب الرسالة، مستمرة. بقية الإكليريكيّين العرب يُهدَّدون هم أيضاً. الوضع يتأزّم. وبحسب الأرشمندريت ملاتيوس: "هناك أصوات كثيرة وكثيرة تطالِب الآن وتقول هذه هي الفرصة التاريخية المناسبة للتخلّص من الرهبان اليونان وبطشهم واستعادة حقوقنا وامتيازاتنا المسلوبة منذ مئات السنين". ويختم بالقول "الوضع متفاقم وعلينا إدراكه...".

        10. يوم الاثنين في 27 / 6 / 2005 نشرت جريدة الصنّارة النصّ الكامل لتقرير لجنة التحقيق الفلسطينية. وإذ بلغنا، قبل قليل من دفع هذه المقالة إلى الطبع، نورد بعض ما تضمّنه النصّ مما لم نُشِرْ إليه أعلاه:

               أ. يبدو، من التقرير، أنّ البطريرك إيريناوس، منذ اللحظة الأولى لانتخابه، كان محاطاً، بمعارضة قويّة محنّكة ومنافسين لهم اتصالاتهم بدول ورجال سلطة وسياسيّين أقوياء في إسرائيل والأردن واليونان وروسيا. هؤلاء لم يُسلِّموا بانتصاره وتابعوا هجماتهم عليه من كافة الجهات.

               ب. نجح مناوئو البطريرك بإقناع الحكومة الإسرائيلية بأنّه معادٍ للسامية وغير مريح للحكومة الإسرائيلية وهو محبّ ومؤيّد للفلسطينيّين.

               ج. حال عدم اعتراف الحكومة الإسرائيلية بالبطريرك دون تمكينه من ممارسة بعض مهامه الأساسية. لم يتمكّن من التوقيع حتى ولا على شيك لدى مصرف باسم البطريركية ولا على طلب أو عقد أو التزام أمام أي جهة رسمية، مما تسبّب له في ضائقة مالية، لا سيما وقد ترك له سلفه أو مَن كان حول سلفه خزينة خاوية وديوناً واستحقاقات تقدَّر بحوالي 85 مليون شيكل.

               د. لباباذيماس علاقات مريبة بأكثر من شخصية، فإنّ صداقة قويّة ربطته بشخص يهودي اسمه ماكس سموري، موظّف مرموق في وزارة المالية، له علاقة بجهات حكومية مختلفة. كلا الاثنين، بعد توظيف باباذيماس، في البطريركية، قدّم للبطريرك مَن صار محامياً لديه، واسمه شير، بحجة أنّه الشخص المناسب الذي يمكنه مساعدته لتحصيل اعتراف الحكومة الإسرائيلية به. هذا، أيضاً، تحوم حوله الشبهات. إلى ذلك ربطت باباذيماس بمحامي المشترين، وهو معروف بتمثيله جهات يمينية متطرّفة، علاقات قويّة ومتينة. من جهة أخرى كانت للمطران تيموثاوس، أحد مناوئي البطريرك، معرفة جيّدة بباباذيماس وكان يلتقيه سرّاً عن البطريرك، كما كان على اتصال مباشر بمحامي المشترين. التقرير يورد، في شأن صلات المطران تيموثاوس هذه، أن لها مفاهيم وأبعاداً واستنتاجات "يمكن أن تفسّر تزامن وتوقيت نشر الخبر ومحاولات استدراج البطريرك للتوقيع على صفقة أو صفقات للإيقاع به".

               ه. يبدو أنّ الوكالة التي استند إليها باباذيماس كانت بالإنكليزية وقد جاء بها إلى البطريرك طالباً التوقيع عليها بحجة تأجير دكان في البلدة القديمة. وقد وقّع البطريرك عليها إثر شرح باباذيماس، عن نيّة طيّبة، دون أن يقرأها لأنّه لا يعرف الإنكليزية لا حديثاً ولا قراءة ولا كتابة. هذه سُجِّلت في بروتوكولات المجمع المقدّس ولم يبدِ بشأنها أحد مساعدي البطريرك أو مستشاريه تحفّظاً. بعد ذلك عمد باباذيماس إلى المصادقة على الوكالة لدى الكاتب العدل مع أنّ البطريرك لم يوقّع أمامه. ثمّ إن محامي البطريركية، بعد فرار باباذيماس، أشار على البطريرك بضرورة إلغاء الوكالة. وقد دُعي كاتب العدل إيّاه، يعقوب ميرون، وتعمّد كاتب النصّ ذكر الوكالة الملغاة باعتبار أنّ البطريرك، في حينه، وقّع عليها أمام كاتب العدل مع أنّه لم يفعل ذلك. هذا زاد من توريط البطريرك في ما هو براء منه.

               و. الصفقات التي أبرمها باباذيماس كانت ناقصة وبحاجة إلى موافقة البطريرك، وتالياً المجمع عليها. باباذيماس خذله البطريرك ولم يُماشِه في هذه الصفقات، فسحب أموالاً من حساب البطريركية، ثلاثمائة ألف دولار، إضافة إلى تحويلات بالعملة الإسرائيلية إلى جهات غير معلومة، ثم هرب.

               ز. الجهات التي تمثّل المشترين أقامت خطّ اتصال، إثر ذلك، مع البطريرك مباشرة. من هؤلاء شخص اسمه كوهين (ماتي) وآخر اسمه ليفين، بالإضافة إلى محامي المشترين. حاولوا إقناع البطريرك بإتمام الصفقات الناقصة واعدينه بالسعي لرفع شأن البطريركية "والمبادرة مع الحكومة الإسرائيلية لتوقيع اتفاق يعطي البطريركية ومؤسّساتها نفس الحقوق... التي للمؤسّسات الكاثوليكية التابعة للفاتيكان في إسرائيل". لم تلق المحاولة المتكرّرة هذه أي استجابة من قبل البطريرك. إذ ذاك لجأ كوهين وليفين إلى تهديد البطريرك، إذا لم يتعاون معهما، بأنّ أمامه حتى 17 / 3 / 2005 ليحزم أمره وإلاّ فإنّ "قنبلة ذرّية"، على حدّ تعبيرهما، سوف تسقط في ساحة البطريركية. أيضاً وأيضاً لم يبد البطريرك أي رضوخ لتهديدات الإسرائيليين، فكانت القنبلة الذرّية المهدَّد بها هي نشر صحيفة معاريف نبأ الصفقة المدّعى بها في 18 / 3 / 2005 .

               ح. في التقرير أيضاً ما يؤكّد التنسيق الكامل بين المناوئين للبطريرك والجهة الإسرائيلية المهتمّة بإتمام صفقة الإجارات. هذه لم تكفّ عن ابتزازه، "وراحت تخبره مسبقاً"، على حدّ تعبير التقرير، "بكل إجراء أو خطوة أو اجتماع تنوي المعارضة عقده وما سيؤدّي إليه الاجتماع من نتيجة... مما يثبت علاقة الجانب الإسرائيلي وتأثيره على كل ما يحدث لدى المعارضين".

               ط. وفي التعليق على محل الطائفة العربية وكهنوتها من الاعراب في ما جرى أبدى التقرير أن "الطائفة العربية وكهنوتها كانوا الحطب المستخدم لإشعال النار لخدمة المعارضين للبطريرك داخل البطريركية".

        نتيجة ما تقدّم

        يُستنتج مما تقدّم أن مناوئي البطريرك ناهضوه لأسباب شخصية وعرقية وسعوا، بما أوتوا من نفوذ، إلى تعطيل دوره، سواء في إدارة شؤون البطريركية، أو علاقته بالداخل والخارج، واستدراجه إلى فخّ صفقات الإجارات الطويلة الأمد لمستثميرين يمينيّين إسرائيليّين إثارة لمشاعر العرب واستغلالاً لها من زاوية الإمعان في تشويه صورة البطريرك وتمهيداً للإطاحة به سواء في حدود بطريركية أورشليم أو العالم الأرثوذكسي أو لدى دول اليونان وإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية وروسيا. وقد تعاونوا عن كثب، في هذا الإطار، والجهات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية.

        ماذا بعد؟

        الكرسي الأورشليمي، اليوم، أمام طريق مسدود. لا البطريرك إيريناوس، ضمن المعطيات الراهنة، قادر على استعادة دوره ولا المعارضة قادرة على انتخاب بطريرك جديد. الكنائس الأرثوذكسية في موقف حرج، وكذلك الأردن. الحكومة الفلسطينية، بعد تقرير لجنة التحقيق، لا بدّ لها أن تُسقط طلب الموافقة على تنحية البطريرك إيريناوس، إن لم تكن قد صرفت النظر عنه في الأيام الفائتة. ماذا سيحدث لمناوئي البطريرك؟ هل سيستمر الجدل؟ أي دور ستلعبه إسرائيل؟ ما هي ردود الفعل المتوقعة لدى الشعب الأرثوذكسي في الأرض المحتلّة والأردن؟ كل هذه وسواها قضايا صعبة ونقاط وجع ليس الخروج منها يسيراً. ويبقى أنّ لبّ المشكلة، عدا الصراعات الشخصية، هو تحكّم العصبيات بعامة بأمور الكنيسة: العصبية اليونانية في مقابل العصبية العربية. لا شك أنّ القوميّات، كائنة ما كانت وجهتها، خطر حقيقي على الكنيسة الأرثوذكسية في كل مكان. هذا ما تعانيه الأرثوذكسية في أميركا وأوروبا بخاصة. والضحيّة هي الكنائسانية القويمة والبشارة المفتوحة على كل العالم.

        ويبقى السؤال: هذا الإمعان في تشويه صورة كنيسة المسيح، هل هو من العثرات العادية المنوّه إلى حدوثها في إنجيل متى (18: 7) أم ترانا بتنا في قلب الحقبة التي تنبّأ عنها القدّيس نيلس الآثوسي لمّا قال: "مع نهاية القرن العشرين واقتراب وقت المسيح الدجّال سيفقد العالم التمييز والإدراك وسيُقتل الذهن البشري بفعل كثرة أهواء الجسد... رعاة المسيحيّين، من رؤساء كهنة وكهنة، يُمسون رجالاً خالين من المجد الإلهي لا يعرفون يمينهم من يسارهم، ما عدا قلّة منهم، ونتيجة لذلك تتغيّر أخلاق المسيحيّين ويتبدّل تقليد الكنيسة؟!"

ملاحظة: المعلومات الواردة في هذه المقالة مستقاة من SOP عدد 297 – 299 ومن اتصالات خاصة تمّت عبر الأنترنيت.


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

10 تموز 2005
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share