بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
نقاط على الحروف
الولادات الثّلاث!

      يولد المؤمن بالرّبّ يسوع، له المجد، ثلاث مرّات: يأتي، أوّلاً، من لا وجود، من حشا أمّه، من إخصاب الرّجل للمرأة. هذه الولادة تحمل الحياة نازعة إلى الموت. حياة الإنسان، والحال هذه، مائتة. ما فيه ينمو إلى حياة مآلها الموت. ثمّة في الإنسان ما يموت كلّ يوم، الخلايا الّتي تموت، الخلل في وظائف الجسد صراع حياة وموت، المرض، الألم، الوجع، كلّها وجوه من الموت. ولكن طالما قوّة الحياة، في الإنسان، على زخم، فإنّها تقوى على نزعة الموت، إلى أن يهن زخم الحياة فتسود النّزعة إلى الموت في الإنسان تلقاء، وينتهي الأمر، به، على صعيد الوجود المتّصل بالولادة الأولى، إلى انطفاء الحياة في الجسد فيه كشعلة وتخمد كقوّة ويأتي الإنسان إلى الموت، على صعيد الجسد ووظائف النّفس المرتبطة بالجسد. هكذا يأتي الإنسان، جسديًّا، من لا وجود وينتهي إلى لا وجود.

       هذا في شأن الولادة الأولى. الولادة الثّانية تأتي في خضم مسار الحياة في الجسد. يولد الإنسان، بالمعموديّة باسم يسوع، من الماء والرّوح. هذه ولادة من فوق. الله باعثها. إطارها الإيمان بالرّبّ يسوع. ومُحْدِثُها روح الرّبّ القدّوس. لذا كانت ولادةً من الرّوح. وإذا قيل من الماء أيضًا فلأنّ روح الله يدخل فيما للبشريّة المنقّاة ويستقرّ فيها حياة جديدة مختلفة عن الحياة الأولى. "أمّا كلّ الّذين قبلوه [الرّبّ يسوع المسيح] فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه، الّذين وُلدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله" (يو 1: 12 – 13). هذه، أيضًا، حياة تنمو، بنعمة الله وحفظ الوصيّة، ولكن "إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف 4: 13). هذه الولادة، بطبيعتها، مختلفة عن الأولى. الأولى تأتي بالإنسان في حركة من الحياة إلى الموت في الجسد، فيما الثّانية تأتي في حركة من الموت إلى الحياة في الرّوح. بحسب يوحنّا الحبيب، "نحن نعلم أنّنا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة..." (1 يو 3: 14). الحياة في الرّوح تتقاطع والحياة في الجسد لكنّها لا تسير في موازاتها. كذلك الموت في مسار الحياة في الرّوح يتقاطع والموت في الجسد، ولكن لا والموت في الجسد فقط، ولكن والحياة في الجسد أوّلاً لأنّ الموت هنا لا يأتي من حتميّة بل من حركة الإرادة في الإنسان. من هنا أهميّة الإيمان الفاعل بالمحبّة في الرّبّ يسوع. من دون هذا الإيمان لا نمو في الحياة الجديدة. ولا نمو في الحياة الجديدة لأنّ المرء لا يلتزم الوصيّة الجديدة. السّير وفق الوصيّة الجديدة هو ما يجعل الحياة الجديدة تنمو إلى ملء قامة المسيح، كما قلنا. طبعًا هذا ليس من دون نعمة الله، ولكنْ، نعمةُ الله ليستْ، أيضًا، من دون حفظ الوصيّة. النّعمة لا تعمل بخلافنا أو من دوننا بل معنا. حفظ الوصيّة يستدعي النّعمة والنّعمة تستدعي حفظ الوصيّة. إذًا يموت الإنسان كلّ يوم وفق الحياة الجديدة في الرّوح. هكذا عبَّر الرّسول المصطفى بولس في كلامه إلى أهل كورنثوس لمّا قال لهم: "إنّي بافتخاركم الّذي لي في يسوع المسيح ربّنا أموت كلّ يوم" (1 كو 15: 31). كذا كان قول السّيّد: "مَن أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها. ومَن يهلك نفسه من أجلي يجدها" (مت 16: 25). المؤمن، في هذا المسار، لا يُهلك الجسد. الجسد، في اعتمال الحياة الجديدة فينا، هيكل. لذلك في عمل القداسة، الجسد برسم القداسة. ما نعمل على إهلاكه، إراديًّا، هو هوى الخطيئة، ما ينزع بنا إلى الخطيئة، الشّراهة والزّنى والبخل والغضب والحزن والكسل والعُجْب والكبرياء، وما يتّصل بها وما يتفرّع منها.

       بالمقارنة بين الحياة المنبثقة من الولادة الأولى والحياة المنبثقة من الولادة الثّانية، الأولى تنقص باطّراد والثّانية تزيد باطّراد. من هنا قول الرّسول بولس: "وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالدّاخل يتجدّد يومًا فيومًا" (2 كو 4: 16). على هذا يختبر المؤمن حركتين، أو قل حياتين في نفسه. ما هو للجسد فيه ينحدر إلى القبر وما هو للرّوح يسمو إلى حياة أبديّة. والمفارقة أنّه يختبر ما هو للرّوح فيما هو للجسد، كما يختبر مسار الحياة الأبديّة في ما ينتمي، جسديًّا، إلى مسار الموت. ويبقى الإنسان في هذا التّعارض المبارَك إلى أن يأتي الجسد إلى موت. إذ ذاك يولد الإنسان ولادة ثالثة مكمِّلة للولادة الثّانية.

       الولادة الثّانية لها سياقان: سياق في الجسد وسياق خارج الجسد، في الرّوح. هذا السّياق الأخير هو ما اعتبرناه ولادة ثالثة لأنّه يخرجنا من أفق أرضيّ، حسّيّ، دهريّ، إلى أفق سمائيّ روحيّ أخيريّ.

       الولادة الثّالثة ولادة إلى النّور الإلهي، إلى السّماويات، إلى حضرة الله، إلى وجهه، إلى شركة الملائكة والقدّيسين. هنا على الأرض، المستنيرون يختبرون هذا وذاك. في الجسد يختبر المؤمن الإلهيّات بتقطّع وفي رؤى. تأتي النّعمة وتغادر. نذوقها وتذهب ونسعى في إثرها. لماذا؟ لأنّه طالما نحن في الجسد فإنّنا نبقى في مخاض إلى النّور. الجسد يشكِّل كثافة ويبقى الإنسان فيه عرضة للتّجربة. من جهة التّجربة لا تحرّر منها بالكامل إلاّ بالموت. من هنا حرص قدّيسيّ الله إلى المنتهى. ومن جهة كثافة الجسد فدونك هذا القول المعبِّر للرّسول بولس: "إنّنا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكنْ حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عُرفت" (1 كو 13: 12). إذًا نأتي إلى الملء، إلى الصّفاء، إلى المعرفة الدّاخليّة العميقة، إلى معاينة الله كما هو على قدر ما نكون قد بلغنا هنا، على الأرض، من نقاوة في القلب.

       هكذا يسير المؤمن من مخاض في الجسد إلى مخاض في الرّوح، إلى أن ينتهي إلى مخاض في النّور. أمّا من جهة الموت فإنّ المؤمن يموت أوّلاً عن نفسه ليموت، بعد ذلك، في الجسد، ويجد نفسه، أخيرًا، في ملء حياة جديدة تتكلّل، في القيامة العامّة، باستعادة الجسد إيّاه الّذي مات ممجَّدًا على مثال الجسد الّذي قام فيه الرّبّ يسوع المسيح، وبه جلس عن يمين الله الآب، أي تألّه! الإنسان المكتمل هو الإنسان المتألّه في الجسد!

 

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

16 أيار 2010
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share