<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
مطروحين في الغربة
حتى يأتي ذاك الغريب!.

❖   متى تكون قد بلغت؟. متى صرت قادرًا، بنعمة الله، لا باقتدارك، على التّمييز، في كيانك، بين الشّخص، من جهة، وأفكاره وأعماله ومزاجه، من جهة أخرى. متى أصبح موقفُك منه حرًّا مستقلًّا عن موقفك ممّا له. تلتزمه، في كلّ حال، التقيتَه في الفكر أم لم تلتقهِ. تحبّه ولو خالفتَه الرّأي. حتّى لو عاداك تَعزّه. لا تعامله كمثل ما يعاملك، بل تودّه وتبدي له كلّ لطف وكياسة ووداعة. لا تكنّ له ضغينة بل تحسن له متى أساء إليك. حين لا يؤثّر شيء، مهما كان، في اتّخاذك إيّاه، في محبّتك له. حين تحبّ مَن لا توافقه الرّأي كمثل مَن يوافقك. حين تتعاطى الآخرين، على هذا النّحو، بصورة تلقائيّة، تحقّق الوصيّة الإلهيّة العظمى الثّانية: "أحبب قريبك كنفسك". وهذه تكون مؤشّرًا أنّك بتّ، فعلًا، "تحبّ الله من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك"، لأنّ الثّانية من الأولى!.

   

❖   ثمّة مَن يظنّ أنّ بإمكانه أن يحبّ النّاس دون أن يكون محبًّا لله. هذا وهْم. بمجرّد أن يخطر ببالك أنّه لا حاجة لك لأن تنشغل بمحبّة الله، طالما أنت "محبّ" للنّاس، كان هذا دليلًا على أنّ محبّتك للآخرين لا تعدو كونها ادّعاء، وأنّك لا تعرف نفسك على حقيقتها!. محبّتك لله ومحبّتك لسواك وجهان عضويّان لواقع كيانيّ واحد!. محبّتك للنّاس من محبّتك لله، ودليل عليها وتأكيد لها!. كلّ محبّة هي من الله وإليه!. الإنسان، من دون الله، أعجز من أن يحبب!. طبعًا، ليس هو من دون إحساس بالرّأفة بسواه - الطّبيعة البشريّة لم تفسد بالكامل -، لكن شعوره بالحسنى، حيال غيره، كائن في سياق تلفيقه بين نفسه والآخرين، مع تأكيد ما لنفسه قبل كلّ شيء وفي كلّ حال. نفسه هي ما يعبد، وكلّ شيء هو من أجل نفسه!. أمّا متى وُجد في حال دَفَعَته الظّروف إلى بذل نفسه، كان ذلك لأن مَن يبذل نفسه من أجله، في وجدانه، امتدادٌ له!. لكن ثمّة حالات "نادرة" يبذل فيها ذاته، عن شرف وشهامة، من أجل الحقّ والغرباء. هذا، بلا شك، يكون بنعمة الله، لأنّ الشّهامة، في الأحوال القاهرة، تهيِّء الإنسان لاقتبال النّعمة!. من هنا حديث أمثال القدّيس يوستينوس الشّهيد (القرن 2 م) عن "مسيحيِّين" قبل المسيح، في إطار ما سُمِّي بـ"بذار الكلمة Logos Spermaticus "، كسقراط وأفلاطون وسواهما.

   

❖    حين يتحوّل الآخر لديك إلى فكرة أو إلى مطيّة، تشيِّئه وتلغيه، تاليًا، كإنسان. تقتله، في نفسك، ككيان. كلّ مظاهر الظّلم والاستغلال والسّحق يأتي من "القتل الكيانيّ" للإنسان. ولكنْ، متى اقتبل المرء مثل هذا النّوع من التّعاطي ارتدّ موقفه عليه. صورته، في العمق، عن نفسه، تصبح أنّه شيء: فكر أو برنامج أو نظام أو جملة وظائف... المعادلة هي: إن تُحيِ الآخرين تَحيَ وإن تقتل الآخرين تَمُت!. أنت قلب، والقلب يكون إلى القلب أو يهلك!. حياتُك، لا هي منك ولا في ذاتك. حياتك من ربّك وفي حركتك باتّجاه قريبك!. مَن وجد نفسه يضيعها، أي مَن طلب أن يحيا في ذاته أضاع حياته؛ ومَن أضاع نفسه يجدها، أي مَن بذل نفسه من أجل الآخر، والآخر هو المسيح أوّلًا، ومن ثمّ قريبه في اللّحم والدّم، هذا يجدها!. المسيح حياتنا، لا فقط لأنّ الحياة منه، بل لأنّنا به نحيا ونتحرّك ونوجد، بالتصاقنا به، باتّحادنا به، بإيماننا به، بمحبّتنا له، ومن ثمّ بتمثّلنا إيّاه في علاقتنا بالإخوة.

   

❖    طالما لم يكن الإنسان، في ذاته، مستحقًّا لكلّ وقار، فإنّه لا قيمة له - مجرّد آلة - في عيون الآخرين!. القيمة تكون لما يملك، لما يعرِف، لنَسَبه، لمركزه، لسلطانه، لموقعه بين النّاس، لجمال طلعته، لشهرته، لفكره، لطلاقة لسانه، لبنيته وقواه، ولما شاكل ذلك من مقتنيات وصفات وسمات. الآخرون يلتصقون به أو يتحمّسون له، عن صدق أو عن ممالقة، لهذه المزيّة لديه أو لتلك. الإنسان لا يعود، والحال هذه، كيانًا بل صفات، يتمتّع بها أو لا يتمتّع. يصير ما يملك أو ما ينتج. فإذا لم يكن مالكًا أو منتجًا لما يعتبره الآخرون قيّمًا، فإنّه يُعتبر كأنّه لا شيء، أو، ربّما، عالةً على الآخرين، وعبءً، أو، أحيانًا، واقعًا مزعجًا مضرًّا بالجماعة يجدر التّخلّص منه!. ثمّة مناهج سياسيّة، في التّاريخ، قامت على مثل هذا الفكر!. المجتمع، في الوجدان، والحال هذه، مجتمع أسياد وعبيد لا محالة، أو مجتمع أقوام يستحقّون الحياة، وأقوام لا يستحقّون الحياة، يجري قمعهم ورذلهم، أو ربّما التّسامح معهم، "منّة" من الّذين يسرقونهم ويستغلّونهم مطايا لمآربهم!. ما يُسمّى بـ"حقوق الإنسان" لا يعدو كونه، إلّا لقلّة عزيزة أصيلة، جملة شعارات تصبّ، في نهاية المطاف، في خانات الأقوياء والمتنفّذين والسّياسيّين، وكذا شعارات الفقراء والمستضعفين!. طالما كان الإنسان مشيّئًا، كأن لا وجه له، فلا يمكن العالم إلّا أن يكون موزَّعًا بين مستضعفين، مغلوبين على أمرهم، يجري تعاطيهم كوقود لسواهم، ومستقوين يستوقدونهم!. حتّى حين يكرمونهم، في شعاراتهم، يكون ذلك في إطار استيقادهم لهم لمراميهم، في السّرّ والعلن!. طالما الأشياء، في عين الإنسان، أهمّ من أخيه الإنسان، فلا يمكنه، عن وعي أو عن غير وعي، عن قصد أو عن غير قصد، إلّا أن يتعاطى الظّلم والقتل!. "مفهوم الجمع"، ورسوخه في وجدان الإنسان، أبعدَ من حدود حاجة الطّبيعة، أصلٌ لكلّ خطيئة، وهو دائمًا ما يعزِّز مخاوف الإنسان على نفسه!. خوفًا على نفسك من الغد تحرم إنسانًا من حقّه في الحياة اليوم!. ألا تكون، والحال هذه، سارقًا وقاتلًا؟. ثمّ، إذ يعزّز "مفهوم الجمع" الخوفَ يعزّز طلب المتعة ومن ثمّ قسوة القلب حيال الآخرين، وفقًا لذريعة أو لأخرى!. هكذا يتحوّل "الجمع" من سدّ حاجة الطّبيعة إلى لذّة!. خوف الإنسان، على نفسه، يعمل صاحبُه على تبديده بالسّعي إلى المتع، يخترع منها ما طاب له!. هذا جواب الخطيئة عن مسألة الخوف!. الخوف يأتي، أساسًا من اللّاحبّ، والخطيئة، الّتي تنجم عن اللّاحبّ، تبتدع، في "الجمع"، المتعةَ، مخدِّرًا، وخدعةً حتّى لا يموت الإنسان أسًى، وحتّى يبقى أسير خطيئته!. هكذا تُدخل المتعةُ الإنسانَ عالمًا خدّاعًا وهميًّا!. ما هو من الطّبيعة يُستبدَل بما هو وهميّ متعويّ!. المشاعر والأحاسيس، المضروبة بالقلق المتأتّي من الخوف الكيانيّ، النّاجم عن غياب الحبّ، تلتمس، إذ ذاك، الرّاحةَ الخَدِرة، مقرونةً بعمل العقل، يبتدع ما أمكن من وسائل ومناخات متعويّة تصبّ، في نهاية المطاف، في الجسد والفكر والخيال والمشاعر والأحاسيس!. الخطيئة تبدأ خروجًا على المحبّة وتنتهي انحرافًا، في الطّبيعة البشريّة، حتّى المَسْخ!.

   

❖    في مقابل إنسان الخطيئة، كان إنسان البرّ: مسيح الرّبّ!. الكنيسة هي العالم الجديد، عالم التّنقية من الخطيئة، بالتّوبة، بالنّعمة، بالوصيّة. الهمّ هو استعادة الإنسان لله عبر استعادة الله للإنسان!. الهمّ هو استعادة المحبّة!. نحبّه لأنّه أحبّنا أوّلًا، ومن ثمّ نحبّ الإخوة بالمحبّة الّتي أحبّنا هو بها!. وإذ نستغرق في محبّة الإخوة ننمو في محبّة الله. نمتلئ من محبّته، لنتّحد به، لنسير فيه من مجد إلى مجد، من نور إلى نور، لنعاينه كما هو، لنصير إيّاه بالنّعمة والمحبّة دون اختلاط أو تشويش!. لا حاجة إلى "الجمع" في الكنيسة!. مَن جمعنا إليه وأحدَنا إلى الآخر أعطانا كلَّ شيء!. بكلام السّيّد، في تكثير الخبز، عن الّذين تبعوه: "لا حاجة لهم لأن يذهبوا إلى القرى ليبتاعوا لهم طعامًا"...!. "أنا هو الخبز النّازل من السّماء"!. لا حاجة، بعدُ، إلى "الجمع"، من أيّ نوع كان!. لقد كان "الجمعُ" ليبدّد الخوف وما بدّده، إلى أن جاء مسيح الرّبّ فقيرًا، لا هيئة له ولا جمال، ليبدّد، بالفقر، كلَّ خوف!. المحبّة هي التّرياق لا قوى هذا الدّهر!. أنا نصيبُكم، قال الرّبّ الإله!. ما يبدّد "الجمعُ" الخوفَ بل التّبديدُ على المساكين!. الخوف يزول بالكامل لا متى جمع الإنسان، لنفسه، كلَّ خيرات الأرض، بل متى بدّد ما له مهما كان قليلًا، ليجتمع، بالإيمان، إلى ربّه!. لا تخافوا أنا هو!. لا تخافوا أنا قد غلبت العالم!. ها أنا معكم كلّ الأيّام إلى انقضاء الدّهر!. إن لم تؤمنوا فلا تأمنوا!.

   

❖   إلى مَن نذهب، يا سيّد؟. كلام الحياة الأبديّة عندك!. ولكنْ، أين كنيستك، سيّدي؟!. أين مركبة إيليّا؟. الوجوه الّتي لنسافر فيها إليك، كلَّ يوم، أيناها؟!. مساكينُك في غربة!. كلّ يوم يختلط على الخراف ما إذا كانت هذه كنيستك حقًّا أم لا؟. يطلبون كلّ شيء، باسمك، إلّاك!. لم تعد الحدود بين كنيستك والعالم تُرسَّم، في النّفوس، بعد؟. الضّباب يشيع في كلّ مكان!. أين حقّك، سيّدي؟. الكذب والتّلفيق والمساومة تتنازع ذاك الحقّ، من كلّ صوب، كلّ يوم!. وَضَعَ أيّوب يده على فمه!. ماذا بإمكانه أن يقول والرّبّ وحده يقول "الكلمة" ويسمع كلّ كلمة؟!. أين صرنا وإلى أين الرّحيل؟!. الغربة قاسية!. يا سيّد، أنت مَن ذاقها كلّها!. قِنَا التّجربة!. كلام الحياة الأبديّة عندك!. هذا زمن ما بعد الكلام!. أعطنا صمتك وسلامك، في انتظار أن تقول أنت الكلمة الفصل!. أعطيناها!. أعطنا ذاتك لأنّك أنت هو الوحيدُ الغريبُ المغرَّب، والقطيع الصّغير رائحتُك!.



الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

10 أيلول 2017
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share