طاقة الغضب هائلة في الإنسان ونحن لا نستطيع أن نحوّلها إلا في المسيح فقط. (الأرشمندريت الياس مرقص).إنّنا عندما نصنع مشيئة الآخر بالطّاعة نكون مثل المحضونين، نستقرّ ونرتاح، وبالعكس، عندما نصنع مشيئتنا نبقى أحيانًا في نوعٍ من قلقٍ وعدم ضمان. (الأرشمندريت الياس مرقص).الإنسان متمرّد على الله كابنٍ عاق على أبيه. المطلوب الخضوع لله، فلنحرص على ذلك، فخضوعنا له هو شهادتنا للعالم. (الأرشمندريت الياس مرقص).عندما نطلب الرّحمة لنا، يحسن أن نعني تلك الرّحمة الّتي هي في العمق، أن نعني نزولها إلى أسافل جذور كياننا وادراكنا لها في أعماق إثمنا. (الأرشمندريت الياس مرقص).إن "كلمة" الله تغيب أحيانًا... يوم يصلبون المسيح لتعود وتنفجر بأكثر بهاءً وقوّة. (الأرشمندريت الياس مرقص).
نقاط على الحروف
... والحقّ يحرِّرهم!

"إن حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا"
(يو 8: 36)


     في عالمنا أغنياء وفقراء؟ هذه ليست مشكلة! قد يكون الغنى مجالاً للحنو وشراكة المحبّة بين الأغنياء والفقراء؛ وقد يكون الفقر مجالاً لاعتماد أكبر على الله. هذا صعب لكنّه ليس مستحيلاً. هو الحلّ الأوحد في كلّ حال. هناك قدّيسون عديدون عاشوا كذلك، فذاقوا فرحًا لا ما أثمنَ منه، ومجَّدوا الله. لِمَ لا نحن أيضًا؟ لا شكّ أنّ الغنى، بشريًّا، يعلِّم الجشع، والفقر يعلِّم النّقمة. ولكنْ، بقدرٍ من الجهد في غصب النّفس، يتمكّن كلاهما، بنعمة الله، الغنيّ والفقير، من تغيير المعادلة، وجعلها لفرح ووحدة البشريّة جمعاء! الحلّ، بتغيير الأيديولوجيّات والنّظم السّياسيّة، فاشل سلفًا. الحلّ لا يكون بتغيير الشّعارات بل بتغيير القلوب! السّياسة، واقعًا، تنقل الغنى من أيدي أغنياء عتقٍٍ إلى أيدي أغنياء جدُد، ما ينتج عنه، بتواتر، طبقاتُ فقراء جدد! لذا شهداء السّياسة يموتون عبثًا ولو ظنّوا غير ذلك! لو وعى مَن قاتلوا وقُتلوا من أجل الفقراء والمساكين أنّهم بذلوا دماءهم، وأنّ دماءهم استُغلّت، من أجل وصول قوم جدد إلى سدّة الغنى وانحدار سواهم إلى مرقاة الفقر، لو وعوا ذلك، سلفًا، لما تحمّسوا زيادة ولما قدّموا أنفسهم ذبائح على مذابح الطّامحين، في سرّهم، إلى الغنى والسّلطة والجاه وقالوا العكس! شهداء هذا الدّهر يُنشِدون بدمهم التّضحيةَ لمَن سوف يجعلون أولادهم (أولاد الشّهداء) ضحايا وعبيدًا جددًا في المستقبل! عالمنا، العالم كما نتصوّره، كذبة كبرى، تنطلي على الأكثرين، لا سيّما الشّباب! لذا، عمليًّا، لا شيء يتغيّر جذريًّا، بل نسير، بالحريّ، من سيّء إلى أسوأ. إلى أسوأ لأنّ نهم الغنى واللاّحسّ، بتطوّر العِلم التّطبيقيّ والوسائل العصريّة، يزيد، وكذا حدّة استغلال مساكين الأرض! يزداد الأغنياء الجدد غنى والفقراء الجدد فقرًا! أفواج الأغنياء، أبدًا، تحتكر خيرات الأرض، وطعام الفقراء الشّعارات!

     مَن يستأهل الولاء في هذا العالم؟ مَن يحلِّل جيِّدًا؟ مَن يشخِّص جيِّدًا؟ مَن يقنعنا بأنّ الحلول، الّتي يبديها، دامغة؟ لا هذا ولا ذاك ولا ذلك! بيعُ الكلام، حتّى الصّحيح منه، أخطر وأخدع تجارة يمكن أن يتعاطاها الإنسان! في كلّ حال، التّجارة تجارة، وما تتوخّاه التّجارة لا يتعدّى حدود الرّبح والسّيطرة ... واستعباد الآخرين!

     مَن يستأهل الولاء في هذا العالم؟ مَن يدعوك إلى الثّورة على السّياسات الرّجعيّة والظّلم؟ مَن يدعوك إلى الموت من أجل القضيّة؟ مَن يجعلك تعتبر أنّ التّخلُّص من الظّالمين قضيّة مقدّسة؟ لا هذا ولا ذاك ولا ذلك! لماذا عليك أن تموتَ من أجل القضيّة ولا يموت زعيمُك؟ مَن الّذي يجب أن يموت عن الآخر، الزّعيم عن الشّعب أم الشّعب عن الزّعيم؟ لكن أكثر الّذين يموتون هم من مساكين الشّعب عن الزّعماء! نادرًا ما ترى زعيمًا يموت عن شعبه! أكثر ما ترى النّاس يموتون لينتصر زعماؤهم! الواقع الدّامغ هو هذا أنّ الشّعب وقود لزعمائه! في نهاية المطاف، الهمّ هو أن يجلس الزّعماء على كراسي الرّئاسة، ويُعتبر أن الشّعب قد انتصر بهم، والحقّ انتصر، والعدالة انتصرت، والحرّيّة انتصرت! مَن قال إنّ هذه الادّعاءات صحيحة؟! وسائل الإعلام؟! وسائل التّدجين؟! كما يشتهي الفاخوريّ يُركِّب أذُنَ الجرّة! كلام في كلام في كلام! والنّتيجة واحدة: غسل الأدمغة وتجييش الجماهير باسم حرّيّة التّعبير! فيما الآلام تبقى والمعاناة تبقى والدّموع تبقى! وتتكرَّر المأساة مرّة بعد مرّة لأنّ الاتّجاهات (attitudes) هكذا أُشْرِطتْ (conditioned)! تتغيَّر الوجوه ولا يتغيَّر الواقع! ربّما تلطّف بعض الشّيء! ولكنْ، تبقى القاعدة سارية، دونما تعديل أساسيّ يُذكر، أن "الكلاب!"، المعامَلين كالكلاب، على غرار كلب باڤلوف، يأكلون من فتات موائد أربابهم!

     مَن يستأهل الولاء في هذا العالم؟ مَن كان على حقّ؟ مَن يستميت ليُثبت أنّه على حقّ؟ أم مَن يقيم في الباطل ويستنح، بلباقة، فرصة الاعتذار عن عمل واحد باطل صنعه، على غفلة منه، ليقرِّظ النّاسُ نبلَ أخلاقه؟! لا هذا ولا ذاك ولا ذلك! طالما كلٌّ يعتبر نفسه على حقّ، سيّان عنده أقال الحقّ أم قال الكذب أم أخفى! الحقّ، في هذا العالم، صار، بالحريّ، أن تُقنع الآخرين بأنّك على حقّ! وأسوأ الحقّ أن تُقنع نفسك، في كلّ حال، بأنّك على حقّ! الحقّ دائمًا ذبيح! والتّاريخ، بالأكثر، يكتبه الباطل المتجلبب بجلباب الحقّ! ما الفائدة من قراءة التّاريخ؟ أن تلاحظ لا ما يريد المؤرِّخ أن يقوله لك بل ما لا يبالي هو بقوله؛ وهذا تقرأه، بالأكثر، بحدسك! الباقي أكثره زيف وتزوير وترداد وعنعنات: قال فلان كذا وكذا، وقال فلان كيت وكيت! مسكين الحقّ! أكثر ما النّاس في غربة عنه هو الحقّ!

     مَن يستأهل الولاء في هذا العالم؟ مَن يفتقر ليُغنيك، ومَن يموت ليحييك، ومَن يصدقك ليحرِّرك! هذا وحده يستحقّ أن تتّخذه لك معلِّمًا! هذا هو مسيح الرّبّ! هذا مَن يستأهل أن تسير في إثره!

     افتقرَ، وهو مالِكٌ الكلّ، ليوحِّد نفسَه بالمساكين! لا يمكنك أن تُعين أحدًا، بمعنى الكلمة، ما لم تتّخذ أوّلاً الحال الّتي هو فيها. هذا، بشريًّا، مستحيل! النّاس، ربّما كانوا قادرين على تصوّر ما الآخرون فيه، أو الدّخول معهم في نوع من المشاركة الوجدانيّة. لكن هذا لا يمكن أن يبلغ حدّ الاتّخاذ، أي حدّ اختبار ما يختبره الآخرون. هذه حال روحيّة. لذا تجسَّد الإله، والله روح! مسيح الرّبّ هو الإله الإنسان. وهو الإنسان القادر بروح الله على أن يوحِّد نفسه بكلّ إنسان. بغير الإله المتجسِّد، ما نتكلّم عليه جملةُ تمنّيات أو خيالٌ محض. لذا وحده مسيح الرّبّ مخلِّصنا، لا فقط في شؤون ما بعد الموت، بل هنا، أيضًا، في كلّ شأن، في كلّ تفصيل من تفاصيل الحياة الدّنيا. ووحده مسيح الرّبّ معلِّمنا؛ لا فقط يعلِّمنا أسرار الحياة بعد الموت، بل، أيضًا، أسرار الحياة قبل الموت! أسرار لا بمعنى الخفيّات بل بمعنى ما يفوق مدارك البشر! ومسيح الرّبّ، أيضًا، افتقر لكي يُغنينا. بِمَ يغنينا؟ بالمال، بخيرات الأرض...؟ طبعًا، لا! يُغنينا بما نحتاج إليه لنحقِّق إنسانيّتنا. يغني بماذا؟ بالحبّ! أجل بالحبّ الّذي يمدّنا الرّبّ يسوع به نكتمل كبشر أو يبقى كلٌّ منّا مشروع إنسان. هذا إذا لم ينحطّ إلى مستوى الإنسان المشوّه! كم من النّاس، في الدّنيا، معاقون، مشوَّهون؟! الحبّ هو ما الحاجة إليه. كلّ ما عدا ذلك من بركات على الأرض يأتي كنتيجة لفيض قلب الإنسان بالحبّ. بهذا المعنى قال أوغسطينوس المغبوط: "أحبّ واعمل ما تشاء"! هذا هو مسيح الرّبّ الّذي قال فيه الرّسول المصطفى بولس إنّه "من أجلكم افتقر، وهو غنيّ، لكي تستغنوا أنتم بفقره" (2 كو 8: 9)!

     ومسيح الرّبّ هو مَن مات ليحييك. مات كإنسان، مات في الجسد. لو كان قد اتّخذ كلّ شيء لنا ولم يتّخذ موتنا فما المنفعة؟! يكون قد تخلّى عنّا في ما هو في أساس معاناتنا! نحن، تحت العبوديّة، هنا، في حياتنا على الأرض، بسبب خوفنا المتجذِّر فينا من الموت! مَن الّذي يُعتقنا من هذا الخوف، ومن تلك العبوديّة إذًا؟! أليس وحده الّذي قيل عنه إنّه "إذ تشارك الأولاد في اللّحم والدّم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت مَن له سلطان الموت، أي إبليس، ويُعتق أولئك الّذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا كلّ حياتهم تحت العبوديّة" (عب 2: 14 – 15)؟ إذًا ليس موت مسيح الرّبّ عيبًا يلحق الله، بل هو أعظم تَجَلٍّ لله في عيوننا طالما الله محبّة! فقط على الصّليب، قبل أن يُسلِم يسوع الرّوح صرخ: "قد تمّ"! لو شاء الرّبّ الإله أن يخلِّصنا من دون الصّليب لما تجسّد! لا، ليس التّجسّد تمثيلاً بل تمثّلاً للمحبّة الكاملة لله في الجسد! لو لم يأت مسيح الرّبّ ليموت في الجسد لما كان لقوله: "أتيتُ لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل" (يو 10: 10) معنى! هذا هو مسيح الرّبّ، "خبز الحياة" الّذي "يأكل منه الإنسان ولا يموت"، والخبز الّذي يعطيه هو جسده الّذي بذله "من أجل حياة العالم" (يو 6: 48، 50، 51)!

     ومسيح الرّبّ هو مَن يَصدقك ليحييك. ما يقوله لك هو إيّاه. هو الكلمة! لا مسافة، إطلاقًا، بين ما يقوله وما يفعله. يأخذ من روحه وحياته ويعطيك. لذا قال: "الكلام الّذي أُكلِّمكم به هو روح وحياة". الّذين علّمهم باللّسان جعل نفسه بإزائهم قدوة: فليأت ورائي، تعلّموا منّي... الّذي يأكل من الصّحن أمامك لا يمكنه أن يطعمك سمًّا. الّذي همّه أن يغسل قدميك لا يمكنه أن يستغلّك. الّذي له كلّ شيء، وليس فقيرًا إلاّ إلى خلاصك، لا يمكن أن يكون وراء ما لك بل إيّاك. "ليس حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه". هذا هو الّذي يقول لك الحقّ لأنّه هو الحقّ وفي الحقّ، ومن الحقّ يتكلّم. العالِم بكلّ شيء، والعارف بمكنونات القلوب، لا يبيعك نظريّات! لعلّك تعلم أنّ النّظريّة عند النّاس هي الأفكار كما يرونها على شاشة قناعاتهم. أمّا النّظريّة، أي الثّيوريّا (Theoria)، عند ربّك، فهي ما تعاينه في داخلك من الله. هي، عمليًّا، معاينة الله كما هو. بكلام يوحنّا الحبيب: "نعلم أنّه متى أُظهِر نكون مثلَه لأنّنا سنراه كما هو" (1 يو 3: 2)! الّذي يطعمك جسدَه ويسقيك دمَه ويبثّك روحَه، بكلام آخر مَن يُتْحِد نفسَه بك، هذا وحده هو مَن يستأهل أن تُتْحِد نفسَك به، بالإيمان، وأن تسلك في إثره، بالضّمير، في كلّ تفصيل، من الآن وإلى الأبد!

     هذا هو مسيح الرّبّ، المقيم معنا وفيما بيننا، في كلّ حين. وهو ممدود لك، أبدًا، في قدّيسيه، الّذين يسلكون كما سلك ويحفظون ما علّم ويقيمون على الأمانة والشّهادة له مُفرغين أنفسَهم من كلّ ذاتيّة. بهم، بصورة خاصّة، تنقدح محبّة يسوع، بالرّوح، فيك! هؤلاء، في العادة، غير معروفين. واحد هنا وآخر هناك وثالث هنالك. والأكثرون بينهم لا يَعرفون أنفسهم أنّهم لله، أو لا يكشفون ذواتهم، لأنّ القدّيس الحقّ يَختبر، في قرارة نفسه، أنّه أقلّ النّاس لا أفضلهم! ولو طلبتَ إلى الرّبّ يسوع بإصرار أن يَهديك إلى أحد أصفيائه لاقتادك. لكنّه، في العمق، لا يَهديك لمجرّد طلبك. إلهنا علاّم القلوب. فقط إن رغبتَ، بصدق كامل، أن تسير في إثره، كواحد من تلاميذه، كما سار التّلاميذ في إثر معلِّمهم، يَهديك الرّبّ يسوع إلى مَن يتولاّك إليه بالرّوح والحقّ. فإن لم يُعْطِك كما تطلب يكون هذا بسببك. في الإلهيّات لا بَرَكة للفضوليِّين ولا مكان! ما تطلبه في القلب إيّاه تعطى! وحدهم الّذين يحبّون الحقّ أكثر من أنفسهم يُعطى لهم أن يعرفوا الحقّ، يسوعَ الحقّ، والحقُّ يحرِّرهم!                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

29 كانون الثاني 2012
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share