<
إنّ أوثق طريق لتحقيق الاتّحاد بالرّب، بعد مساهمة جسده ودمه، هو صلاة يسوع الدّاخليّة. هذا الاتّحاد بربّنا يمنحنا السّلام والإرادة الصّالحة، ذلك النّور والحياة الّتي أضعناها في آدم الأوّل.(الأسقف جوستان). "إحفظ ذهنك في الجحيم ولا تيأس".كلمات الله هذه المعطاة للقدّيس سلوان هي الرّسالة الموجّهة إلى عالمنا الحاضر. (الأب صوفروني سخاروف). إنّ شجرة الحياة الّتي في وسط الفردوس هي المسيح. وقد أصبحت الآن في متناول الجميع. العالم بأسره يمكنه أن يقتات منها وأن يمتلىء من الرّوح القدس.(القدّيس سلوان الآثوسي). قليل من البشر أحرزوا كلا القوّة والحكمة من الله. من خلال القوّة نشارك في النِّعَم الإلهيّة، ومن خلال الحكمة نظهرها.(القدّيس غريغوريوس السّينائي).ما يحصل للسّمكة عند خروجها من الماء، يحصل أيضًا للذهن الّذي يبتعد عن ذكر الله ويتشتّت في تذكّر العالم.(القدّيس إسحق السّرياني).
نقاط على الحروف
دَعِي طريقَه إليكِ سالكة!

        سببٌ من أسباب ضياع الشباب اليوم أنّ العائلة في ضياع. تراث العائلة يموت. بنتيجة الحرب اللبنانية وما تبعها اشتدّ القلقُ في النفوس. هذا استتبع حالاً من التراخي والتفكّك القِيمي الأخلاقي طال كل فئات الناس – الجماعات المتديِّنة الأصولية أقلّ من غيرها – لا سيما لهذا الانفتاح على كل موبقات الأرض الواردة علينا، بيسر، عبر وسائل الاتّصال المعمَّمة، تحت شعار المعرفة والتسلية، وعبر حركة الاستيراد الحضاري المشرّعة على كل مستحدَث استهلاكي، على كل صعيد، دونما رقابة وتصفية وحماية تُذْكَر. انذهلتُ، حين طالعتُ، منذ بعض الوقت، أنّ نسبة المصابين بحالات عصبية في لبنان هي الأعلى في العالم. ويشيرون إلى أنّ مَن يعانون انهيارات عصبية عندنا هو في حدود التسعة العشر في المائة. ثمّة سيل جارف، إذاً، من الهموم العائليّة النفسانيّة يزكّيها، من ناحية، القلق على المصير، والتفلّت القيمي المشيَّع، من ناحية أخرى.

        منذ أيام سمعتُ أنّه، في منطقة فرن الشبّاك – عين الرمّانة، سبعة أو ثمانية شبّان، في حدود الثامنة عشرة إلى العشرين، قضوا، في أقل من شهر، من جرّاء جرعاتِ مخدّراتٍ زائدة. هذا نذير مأساة هائلة في الوطن الصغير!

        أوردتْ محدّثتي حالَ عائلة ترتبط بها بأواصر القربى. عائلة من خمسة أشخاص. الأب والأم، عصبيّاً، مضروبان. والأولاد شبّان صغار في حدود العشرين، في ضياع شبه كامل. أحدهم نفذ بأعجوبة، مؤخّراً، من جرعة مخدّرات زائدة. قالوا كان موزوناً، فكيف حصل له ما حصل؟ قالت محدّثتي: ليس الذنب ذنبه. العِشْرة موبوءة. ثمّ يقولون إنّ مروّجي المخدّرات يستميلون ويبثّون شبّاناً صغاراً يندسّون بين الرفقة، هنا وثمّة، ويلوّثون الطعام والشراب، في الخفية، بمواد مخدّرة. فمتى أخذت هذه المواد مكاناً لها في دم الرفقة عرضوها عليهم لقاء مبالغ معيّنة. هكذا تسري العادة وتتّسع رقعة المدمنين. هذه طريقة من طرق عديدة، فيما يبدو، لترويج المخدّرات.

        سألتْ محدّثتي: ما العمل؟

        -  السؤال أكبر منّا يا أُخيّتي! ولكن، على الصعيد الشخصي، ما يُمكن أن يُعمَل ليس قليلاً. هذه العائلة التي تتحدّثين عنها ألستِ على علاقة طيِّبة بها؟
        -  بلى! لقد نشأنا معاً.
        -  والأولاد، هل يكنّون لكِ مودّة؟
        -  إلى حدّ ما!
        -  هل تحاولين أن تعملي شيئاً؟
        -  ماذا بإمكاني أن أعمل؟ الأولاد، هذه الأيّام، لا يسمعون!
        -  ربما لا يسمعون إذا ملأتِ آذانهم مواعظ.
       -  كيف بإمكاني أن أنفعهم، إذاً، أليس بأن أنبّههم إلى السلوك الصحيح من السلوك الرديء؟
        -  الآن، وقد بلغوا هذه السنّ، الكلام وحده لم يعد يكفي ولم يعد ينفع.
        -  ماذا إذاً؟
        -  هؤلاء الشبّان سمعوا من والدَيهم الكثير. آذانهم صُمَّت عن النصائح تُلقى لهم في الهواء! ثمّ الأولاد، هذه الأيّام، واعون حريّاتهم الفرديّة، ربما أكثر من أي وقت مضى. هذا هو الجو! هذا هو المناخ العام! فقط أحبّيهم! اجعلي نفسَك في متناولهم! لا تفرضي نفسك عليهم! ولا تبادري إلى إعطائهم النصائح في أي أمر يختصّ بهم!
        -  كيف أفعل ذلك؟
        -  اسألي عنهم! كوني بجانبهم، لا سيما متى تورّطوا في شائنة! ادعيهم إلى طعام الغداء! قدّمي لهم هديّة في مناسبة من مناسباتهم! اجعليهم يعرفون أنّهم إن احتاجوا إلى شيء ينفعهم، إلى مشورة، إلى خدمة، فأنت مستعدّة لتقديم ما يساعدهم إذا كان ذلك في وسعكِ! هم، أصلاً، في وضع متفجّر بالمشكلات، لذلك تَلقينهم بحاجة إلى مَن يلوذون به. بحاجة إلى مَن يثقون به، إلى مَن لا يطلب منهم شيئاً في المقابل ولا يثقّل عليهم. وسيعودون إليه لا محالة. ظروفهم ستضغط عليهم. يا أُخيّتي، هذه الأيّام بحاجة للكثير من المحبّة وللقليل من الكلام. طبعاً لا تماشيهم في الباطل. حذارِ الوعظية لئلا تثيري لديهم ردود فعل معرِضة. أعطيهم هم المبادرة، أن يسألوا، أن يستوضحوا، أن يستفسروا، أن يطلبوا!

        قرأتُ عن أحد الكهنة قصّة أعجبتني أسوقها إليكِ للمنفعة. عامله أحد الشبّان بقسوة وظلم وأكال له اتهامات باطلة. حاول الكاهن أن يقدّم من الشروحات ما يلزم فلم يلقَ كلامُه في أذني سامعه قبولاً. ولا بحال من الأحوال كان الشاب مستعداً أن يسمع. ملأه الغضب وعصف فمُه بالاتهامات واللعنات في حقّ الكاهن. في تلك الأثناء لزم الكاهن الصمت، ولزمه إلى النهاية. حين لا يكون محدّثك أو مهاجمك مستعداً لأن يسمع فعليك أنت أن تكتفي بالسماع! كان الكاهن يقشِّر تفاحة. فلما انتهى الشاب من اللعن والتهجّم، قدّم له الكاهن قطعة تفاح فلم يشأ أن يأخذها، وعاد يسبّ ويجرِّح، حتى اتّهم الكاهن بالرياء. فلما أراد الشاب، فجأة، أن يغادر أوقفه الكاهن وقال له بلطف: "فقط، يا ولدي، أقول لك كلمة واحدة. في الحياة أمور كثيرة تتغيّر. فإذا ما حصل لك أن وجدت نفسك في حاجة بإمكاني أن أُساعدك فيها فلا تتردّد في النقر على بابي. لا يخطرنّ ببالك أنّي سوف أتذكّر الكلام الجارح الذي رميتني به اليوم. ما قلتَه لي نسيتُه. اذهب على البركة وليحفظك الربّ الإله يا ولدي!

        ومرّت سنوات وعاد الشاب ونقر على باب الكاهن. كان كالسفينة المحطّمة على صخور الحياة. أعانه الكاهن وآزره. وكانت ظروف الحياة قد سحقته وجعلته متواضعاً وأكثر استعداداً للسماع حتى صار من زوّار الكاهن بانتظام واستقامت حاله.

        ليس لنا، يا أُخيّتي، أن نتوقّع نتائج سريعة من معالجتنا لشؤون شبّان اليوم. لكن علينا أن نزرع محبّة حقيقيّة في تعاطينا معهم. وعلينا، أول ذلك، أن نستودعهم المسيح على قولة الطلبة: "لنودِع أنفسنا وبعضنا بعضاً وكل حياتنا للمسيح الإله". الله قادر أن يُخرِج من الغثّ الثمين ومن الضياع وجوداً. المهم أن نخرج من حال اللامبالاة بحجّة وبغير حجّة. هذا إذا ما فعلته أنتِ وفعلتُه أنا، وفعله بعضُ معارفِكِ ومعارفي فإنّنا نكون قد بدأنا بتحريك الجبل. بالإيمان وبالإيمان الفاعل بالمحبّة بإمكاننا أن نفعل الكثير، أو بكلام أدق، بإمكان الله أن يفعل من خلالنا الكثير. المهم أن نهتمّ. المحبّة تعلّمنا والصلاة تنوّرنا، والحجر على الحجر يعيد بناء بيت العائلة، غرفةً غرفة، وببناء النفوس نعود، من جديد، إلى الكنيسة الحيّة التي غادرها أكثرنا بفرديّته ولامبالاته حتى بتنا جزراً نتغنّى بالكنيسة ونحن بعيدون عنها. ندعو الناس إليها كالأجراس ونستوطن، بطريقة حياتنا، خارجها. يوم يسلك كل منّا في حياة جديدة تعود الحياة إلى جِدّتها... بين أقراننا! يومذاك تزهو الكنيسة فينا من جديد!

                   

الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي
دوما - لبنان

30 تموز 2006
قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share