بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
لا نشكنَّ بحكمة الله.
من حياة القدّيس باناييس باسياس (عيده في ٧ حزيران).

   في أيّام باناييس باسياس (١٨٠١- ١٨٨٨)، عاشت في "أرغوستولي "عائلة من الأعيان مؤلّفة من الوالدَين وولديهما، وكانوا كلّهم أتّقياء، وخاصّة الأمّ الّتي كانت حياتها مفعمة بالأعمال الصّالحة.

   توفيَ الوالد، فواصلت الأمّ، بالإضافة إلى الاهتمام بولديها، نشاطَها الخيريّ، لا بل ضاعفته، فكانت تزور المرضى والمساجين وتقودهم إلى الإيمان المسيحيّ.

   في إحدى الأمسيات، وبينما كانوا جالسين إلى مائدة العشاء، شعر الابن الأوّل، وكان في الحادية والعشرين من عمره، بألمٍ شديد في رأسه ثم سقط فاقدًا الوعي. وضعوه في السّرير ثمّ استدعوا الطبيب الّذي شخّص مرضًا مقلقًا، وابتدأ يهيّء الأمّ لموته القريب. هرعت الأمّ إلى الأيقونسطاس في المنزل، وأمضت ليلتها جاثيةً تتوسّل إلى الفائقة القداسة كي تشفي لها ابنها.

   للأسف، في الصّباح كان ابنها قد رقد. لكنّ الحزن والأسى لم يقضيا عليها بل تابعت أعمالها الخيريّة كالسّابق مكثّفة صلاتها!.

   لم يمضِ عام واحد حتّى حدث الأمر نفسه مع الابن الثّاني، إذ أطلق وهُم حول مائدة العشاء صرخةً قويّة من الألم ووقع مغشيًّا عليه. أعلن الطبيب التّشخيص نفسه كما فعل مع الابن الأوّل، وأكّد استحالة وجود أيّ أمل بالنّجاة. مرّة أخرى، لجأت الأمّ يائسة إلى الأيقونسطاس وصلّت بدموعٍ إلى الله، ووالدة الإله والقدّيس جيراسيموس، قائلةً:

   - تحنّنوا عليّ من أجل الأعمال الصّالحة الّتي أعملها وأنقذوا ابني.

   في اليوم التالي لقيَ الابن الثّاني مصير الابن الأوّل. عندئذٍ، صارت الأمّ كالوحش الهائج. أوقفت نشاطاتها الخيريّة وأخذت تشتم الله والقدّيسين!!. ولم تعد تستقبل أحدًا في بيتها وأعطت صورتَي ولدَيها إلى رسّام ماهرٍ لكي يرسمهما بالحجم الطّبيعيّ، ثم وضعت الرّسمَين على الجدار، الواحد مقابل الآخر وغطّتهما بقماشٍ شفّاف ووضعت عند قاعدة كلٍّ منهما شمعدانًا. وكانت، بين الحين والآخر، تُضيء الشمعتَين وتنظر إلى ولديها وتكلّمهما.

   في أحد الأيّام، صعد البارّ "باناييس" على متن سفينةٍ من "ليكسوري" ونزل منها في "أرغوستولي". مشى بخطوات ثابتةٍ متّكئًا على عصاه وتوجّه إلى منزل الأرملة. قرع الباب فأطلّت تلك من النّافذة وعندما رأت الكاهن الغريب، غضبَتْ، وأخذت تشتمه بألفاظٍ نابية. أما هو فطلب إليها مرّة ثانية وثالثة أن تفتح له لأنّه يريد أن يقول لها شيئًا، لكنّ المرأة تابعت شتائمها بعنفٍ.

   عندئذٍ قال البارّ: "إمّا أن تفتحي لي أو سأفتح الباب بنفسي".

   في اللّحظة نفسها، رسم إشارة الصّليب على الباب فانفتح توًّا!!...

   وقفت السّيدة صامتة. صعد القدّيسُ الدّرج وتقدّم إلى قاعة الاستقبال طالبًا إليها أن تلحق به. وعندما دخلا قال لها: "اجلسي في إحدى الزوايا وسوف ترَين شيئًا، ما كنتِ لتتوقعينه".

   وبعد أن صلّى قليلاً، سقط الغطاءان الرّقيقان اللّذان كانا يغطّيان الرّسمين، ووقف الابنان حيّين في وسط الغرفة، ثم أخرج كلٌّ منهما مسدّسًا وأطلقا النّار، في الوقت نفسه، أحدهما على الآخر ووقعا كلاهما ميتين. بعد ذلك عادا ثانية إلى الرّسمين كما كانا قبلاً.

   في تلك الأثناء، كانت المرأة تتابع ما يجري مرتعدة لا تنبس بكلمة، فقال لها الأب باناييس:

   - سيدتي، إن الله يحبّك، لذلك أخذ ولدَيكِ بموتٍ طبيعيّ لكي لا ترَي ما رأيته الآن لأجل حياتك الفاضلة. إنّ ولديك وقعا في حبّ فتاةٍ واحدة، وكانا سيقتلان أحدهما الآخر بالطّريقة الّتي رأيتها. توبي، إذًا، واشكري الله وتابعي أعمالك الخيريّة كالسّابق وصلاتك الأولى!!...

   وكان أن تابت السّيّدة وتابعت حياتها السّابقة، بغيرةٍ أكبر وببركة إلهيّة وصلوات القدّيسين!!... تبارك الله.


المرجع:

الخورية سميرة (عطية) ( ٢٠٠٩)، مواهب وموهوبون – الجزء الثاني.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share