إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
المحبّة الخاصّة الّتي يكنّها
الشّيخ يوسف الهدوئيّ لوالدة الإله

   مرّة فيما كان الشّيخ يوسف يعاني من التّنفّس بصعوبة، سمعتُهُ يحدِّث نفسه في القلاّية الداخلية. وإذ كان قد سمح لنا بأن نتصرّف بحرّية، دخلت إليه من ذاتي لأرى إلى مَن كان يتكلّم وماذا كان يقول لأني كنت موقناً أنه لم يكن هناك أحد في الداخل. وجدته يضمّ أيقونة سيّدتنا والدة الإله إلى صدره. كان يقبّلها ويتحدّث إليها. وما سمعته كان هذا:"سيّدتي، يا سيّدتي، لا تتخلَّي عني. أقبّلك في أيقونتكِ وأنت تتلطّفين عليّ في الحياة الواقعية!." وكان وجهه يسبح في دمعه. سألته:"أتُحدّث سيّدتنا، أيّها الشيخ، ماذا كنت تقول لها، أرجوك أخبرني؟!". كان قد نقل لي خبراً في الماضي نسيته فأخبرني قائلاً:

   "لقد أعطتني سيّدتنا تعزية كبرى في الماضي بهذه الإيقونة حين عانيتُ المحن. هذا ما أذكره الآن وأنا أتوسّل إليها. قبل قدومك، عبرتُ بمحن وضيقات كثيرة فكانت هي تعزيتي الوحيدة. اعتدتُ أن أذهب إلى الكنيسة حيث كانت هذه الأيقونة معلّقة على الإيقونسطاس. هناك، مقابلها، كنت أصلّي وأتوسّل إليها مذكّرها بوعدها لي أن أضع رجائي عليها. في سياق التجارب حين تُخفي النّعمة حضورها المحسوس، إذ ذاك يزداد الكرب فيتضرّع الواحد بمهابة عظيمة:"بادري إليّ بما أنّك رؤوفة، أسرعي إلى مساعدتي بما أنّك رحومة فإنّك قادرة إذا شئتِ. وأين لنا أن نجد عوناً سواكِ إن لم ننظر إليكِ أنت الرؤوم، طبيبة النّفوس والأجساد؟"... وإذ كنت في حال من التركيز وأنا أبكي أمام أيقونتها خبرتُ – كما في أوقات أخرى – حضور عونها. الفسحة داخل تلك الكنيسة الصّغيرة كانت ضيّقة. بالكاد كان بيني وبين الإيقونسطاس متر واحد. دونَكَ ما رأيت: التمعتْ أيقونتها واتخذ شكلها الإلهي أبعاداً كأبعاد إنسان حي: "لم تعد أيقونة"... صارت والدة الإله حيّة، كاملة الطول، كاملة النور، بهيّة كالشمس وكعادتها أمّاً وعذراء معاً.... رأيتها، أنا الحقير، على قدر ما سمحت  طبيعتي المائتة. وإكراماً لها انحنيت إلى الأرض وأنا عاجز عن المزيد من التحديق فيها لأن ولدها كان بين ذراعيها، يسوعنا الكلي الحلاوة، شعّ بما يفوق الشّمس ضياء، وهذا ملأني من حبّه حتّى لم أعد أعي البتّة وصرت في دهش. ثم سمعت صوتها المشبَع بالحلاوة، الأحلى من العسل، يقول لي:"ألم أقل لكَ أن تضع رجاءك عليّ؟ لماذا انحطّت عزيمتك؟ خذ، هوذا المسيح!"... ثم مدّت ذراعيها إليّ فاقترب الطّفل الكلي القداسة مني بحيث أضحى على مُدّة يد!. وإذ لم أجسرْ على الحراك وأنا في ذهول مدّ يسوعنا الكليّ الصّلاح يده الصّغيرة وداعبني ثلاثاً على الجبهة والرّأس!. امتلأت نفسي حبّاً ونوراً بلا حدود، حتّى لم يعد بإمكاني ان أقف على قدميّ، فسقطت أرضاً. وبلهف ودموع قبّلتُ الموضعَ الذي كانت سيّدة الكلّ واقفة فيه، لأنّها عادت إلى أيقونتها مخلِّفة وراءها العزاء والأريج الطيّب... إنّ ذلك المكان حيث وَقَفَتْ، بقي يرسل رائحة زكية لوقت طويل مذكّراً إياي بوعدها المبارك!. ذاك اللقاء هو ما كنتُ أذكّرها به الآن وأني لم أنسَ وعدها الذي ليس سوى أَخذي من هذه الحياة إلى ملكوت ابن محبتها!"...

   الحقيقة أنّ محبّة الشيخ الخاصة لوالدة الإله كانت واضحة وكذلك ثقته بعنايتها الأُمَّهية لدرجة أنّ مِشيته أو وقفته أو جلسته كانت تفضحه كلّما انتهى إليه اسمُها أو عاين أيقونة من أيقوناتها أو كان ثمّة من يُنشد لها. إنّ الأوقات العديدة الّتي أعانته فيها وعزّته وكذلك عنايتها برهبان جبل آثوس وحمايتها لهم، أَخذت بمجامع قلب الشيخ. من هنا يبقى أي وصف لإيمانه ومحبته لسيّدتنا لا يفيه حقَّه.


المرجع:

   الأرشمندريت توما (بيطار) (2001)، سيرة ورسائل الشّيخ يوسف الهدوئيّ، منشورات التّراث الآبائيّ.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share