بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
غاية الحياة المسيحيّة: اقتناء الروح القدس

للقدّيس سيرافيم ساروفسكي

 

إيقونة القدّيس سيرافيم ساروفسكي

       في يوم من الأيّام الباردة المثلجة جرى بين القدّيس سيرافيم ونيقولاوس موتوفيلوف حوار. هذا بعض ما جاء فيه:

       + القدّيس سيرافيم: لقد كشف لي الربّ أنّك عندما كنت ولداً رغبت في معرفة غاية الحياة المسيحيّة وطرحت السؤال بشأنها على عدد من رجال الكنيسة البارزين.

       - أعترف أن هذا السؤال كان يؤرقني منذ أن كنت في سن الثانية عشرة...

       + ومع ذلك لم يقل لك أحد شيئاً واضحاً محدّداً. قالوا لك أن تذهب إلى الكنيسة وأن تصلّي وأن تصنع صلاحاً وأن هذه هي غاية الحياة المسيحيّة. حتى إنّ بعضهم قال لك: لا تبحث عن أمور أكبر منك. لذلك سأحاول، أنا العبد الشقي، أن أشرح لك ما هو هذا القصد. فالصلاة والصيام وأعمال الرحمة كلّها صالحة لكنّها أدوات للحياة المسيحيّة وليس القصد منها. إنّ الغاية الحقيقيّة هي اقتناء الروح القدس.

       - ولكن، ماذا تعني بلفظة "اقتناء"؟ لست أفهم تماماً ما تقول.

       + أن تقتني معناه أن تمتلك. أنت تعرف معنى أن يربح الإنسان مالاً، أليس كذلك؟ الشيء نفسه يقال عن الروح القدس. يرمي بعض الناس لأن يصيروا أغنياء وأن يحظوا بكرامات وامتيازات. والروح القدس نفسه رأسمال، لكنّه رأسمال أبدي. السيّد يشبِّه حياتنا بالتجارة وأعمال هذه الحياة بالشراء: "أشير عليك أن تشتري مني ذهباً... لكي تستغني" (رؤيا 3: 18). أثمن الأعمال على الأرض هي الأعمال الصالحة بثمار الروح القدس إلاّ إذا كانت معمولة من أجل محبّة المسيح. لذا قال السيّد نفسه: مَن لا يجمع معي يفرِّق... في مَثَل العذارى، دعي فريق منهن جاهلات رغم كونهن محافظات على عذريتهن. ما نقصهن في الحقيقة كان نعمة الروح القدس. الأمر الأساسي ليس أن يصنع الإنسان صلاحاً بل أن يقتني نعمة الروح القدس، ثمرة كل الفضائل، الذي من دونه لا يكون خلاص... هذا الروح القدس الكلي القدرة معطى لنا شريطة أن نعرف نحن كيف نقتنيه. فإنّه يقيم فينا ويعدّ في نفوسنا وأجسادنا مكاناً للآب حسب كلمة الله: "أنّي سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً" (2 كورنثوس 6: 16)... هذا وأكثر الأعمال التي تعطينا أن نقتني الروح القدس هي الصلاة.

       - لكن، يا أبي، أنت تتكلّم عن الصلاة وعن الصلاة وحدها. حدّثني عن الصالحات الأخرى المعمولة باسم المسيح.

       + أجل، بإمكانك أن تحصّل نعمة الروح القدس من خلال أعمال صالحة أخرى... الصوم... الإحسان... ولكن ليس معنى الحياة أن نستزيد من عدد الصالحات بل أن نجني منها أعظم النفع، أعني المواهب الفضلى للروح القدس. وأنت عليك أن تكون موزّعاً لهذه النعمة... فإنّ بركات النعمة الإلهيّة تزداد في مَن يوزّعها...

       - إنّك لا تكفّ يا أبي عن ترداد أنّ نعمة الروح القدس هي غاية الحياة المسيحيّة. ولكن كيف وأين يمكنني أن أُعاين مثل هذه النعمة؟ الأعمال الصالحة منظورة ولكن هل يمكن للروح القدس أن يكون منظوراً؟ كيف يمكنني أن أعرف ما إذا كان فيّ أم لا؟

       + في أيّامنا، وبسبب فتور إيماننا ونقص اهتمامنا بتدخّل الله في حياتنا، نجدنا غرباء بالكليّة عن الحياة في المسيح... في الكتاب المقدّس مقاطع كثيرة عن ظهور الله للناس. البعض اليوم يقول إنّ هذه مقاطع غير مفهومة. مردّ عدم الفهم هنا هو فقدان البساطة التي تمتّع بها المسيحيّون الأوائل... إبراهيم ويعقوب عاينا الله وتحدّثا إليه، ويعقوب صارعه، وموسى تفرّس فيه، وكذلك الشعب كلّه، في عمود الغمام الذي لم يكن غير نعمة الروح القدس هادياً شعب إسرائيل في البرّية... لم يكن هذا حلماً ولا غيبوبة ولا في الخيال بل في الواقع والحقّ. ولكن لأنّنا صرنا لا مبالين بشأن خلاصنا، لم نعد ندرك معنى كلمات الله كما ينبغي. لم نعد نلتمس النعمة، ويحول كبرياؤنا دون تجذّر النعمة في نفوسنا. ولم يعد لنا نورالسيّد الذي يهبه للذين يتوقون إليه بحميّة وجوع وعطش...

       - ولكن كيف يمكنني أن أعرف أنّي داخل نعمة الروح القدس هذه؟ كيف يمكنني أن أتأكّد من أنّني أحيا في روح الله؟ آه كم أتوق لأن أفهم!

نيقولاوس موتوفيلوف

       إذ ذاك أمسك القدّيس سيرافيم موتوفيلوف بكتفيه بقوّة وقال له:

       + كلانا، يا صاح، في هذه اللحظة، في الروح القدس، أنت وأنا. لماذا لا تنظر إليّ؟

       - لا أستطيع أن أتطلع إليك، يا أبي، لأنّ نوراً ينبعث من عينيك ووجهك أبهى من الشمس ضياء!

       + لا تخف، يا صديق الله، أنت نفسك مضيء مثلي تماماً. أنت أيضاً الآن في ملء نعمة الروح القدس وإلاّ ما أمكنك أن تراني كما أنا.

       لم يحتج قدّيس الله حتى إلى رسم إشارة الصليب ليكون لموتوفيلوف أن يعاين النور بعين الجسد. فقط صلّى من أجله في قلبه.

       + هيا، انظر إليّ ولا تخف لأنّ السيّد معنا!

       فنظر موتوفيلوف إلى القدّيس مرتعداً فرآه سابحاً في نور يفوق بهاء الشمس في نصف النهار... رأى شفتيه تتحركان، ورأى تعبير عينيه وسمع صوته وشعر بيديه حول كتفيه، لكنّه لم يعاين لا ذراعيه ولا جسده ولا وجهه. كما فقد الاحساس بنفسه. كان النور يملأ كل شيء ورقع الثلج المتساقط عليهما كأنّها اشتعلت.

       + بماذا تشعر؟

       - أشعر بأنّي في أحسن حال وأتعجّب!

       + ماذا تعني بذلك تماماً؟

       - أشعر بسكون عظيم في نفسي. أشعر بسلام لا يمكن التعبير عنه بالكلام!

       + هذا هو السلام الذي يفوق كل عقل الذي تحدّث عنه الرسول (فيليبي 4: 7). ماذا أيضاً؟

       - أشعر ببهجة غريبة لم آلفها من قبل!

       + عن هذه البهجة قال المرنّم في المزمور: "... يشبعون من دسم بيتك وأنت تسقيهم من نهر نعمك" (35: 8). ماذا أيضاً؟

       - فرح مدهش يملأ قلبي!

       + هذه أولى ثمار الفرح الذي أعدّه الله للذين يحبّونه والذي قال عنه الرسول: "ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (1 كورنثوس 2: 9). بمَ تشعر أيضاً؟

       - أشعر بدفء مدهش!

       + ...ونحن في عمق الغابة وفي نصف الشتاء والثلج تحت أقدامنا وعلى أثوابنا!؟... إنّنا الآن، يا فرحي، في عداد مَن قال السيّد عنهم: لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت السموات قد أتى بقوّة. ها أنت قد فهمت معنى أن نكون في ملء الروح القدس... لا يهم أن أكون أنا راهباً وأنت علمانياً. المهم، في عين الله، هو الإيمان الحقيقي به وبابنه الوحيد. من أجل هذا أُعطيت لنا نعمة الروح القدس. ملتمس السيّد قلوب تفيض بمحبّته ومحبة القريب. هذا هو العرش الذي يجلس هو عليه ويظهر منه ذاته في ملء مجده. "يا بنيّ أعطني قلبك" (امث 23: 26). في القلب يُبنى ملكوت الله.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share