صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
من عظة للقدّيس يوحنّا الدّمشقي في والدة الإله.

   إذ ليس باستطاعة لغةٍ البشر أو ذهن الملائكة الغير الهيوليّين الاحتفال، كما يليق، بتلك الّتي أُعطي لنا بها أن نشاهد، بجلاء، مجد الرّبّ... أنَسكُتُ لكوننا غير قادرين على الإشادة بها كما يليق؟... هل يعيقنا الخوف؟... كلاّ طبعًا... هل نُقْدِم على تخطّي العتبة، دون أن نعرف محدوديّتنا لنلامس الأشياء المقدّسة من دون احتراس غير عابئين وبلا خوف يردعنا؟... كلا البتّة... بل نشبك الخوفَ بالحبّ ونصنع من تشابكهما إكليلاً واحدًا، وبتكريم مقدّس ويد مرتجفة ونفس مضطرمة نقدّم بواكير فكرنا المتواضع كدَينٍ واجبٍ، عرفانًا بالجميل للملكة والأمّ المحسنة إلى الطّبيعة برمّتها!.

   يُحكى أنّ فلّاحين كانوا يشقّون الأثلام بثيران الحراثة، فرأوا ملكًا مارًّا لابسًا الأرجوان الباهر، متلألئًا بلمعان تاجه. وكان وسط حشد لا يحصى من الحرّاس المحتفّين به. ولمّا لم يكن في متناولهم شيء البتة يقدّموه هدية للملك، أخذ واحد منهم، ومن دون تلكّؤ، بعض الماء ملء كفَّيه (الماء الّذي كان يجري بوفرة بالقرب منهم) وحمله هبةً للملك. فقال له الملك: "ما هذا يا بنيّ؟". فأجاب بثقةٍ: "ما كان في متناولي، أتيتُك به. فكّرتُ أنّ هذا هو الصّواب: لأنّه لا ينبغي للعوز أن يُخمد حماسنا في العطاء. ليس لك ما تفعل بهباتنا، لكنّك ترى إرادتنا الطّيّبة. وهذا الصّنيع هو واجب بالنّسبة إلينا، كما أنّه لمدحنا أيضًا، لأنّ المجد يواكب ذوي السّخاء، الّذين يعطون بطيبة خاطر". عَجِب الملك لهذه الحكمة ومدحها، وتقبّل هذه الإرادة الطّيّبة بلطف وعَزَم على مكافأة الرّجل بعطايا وافرة.

   فإذا كان هذا الطّاغية المتكبّر قد فضّل الإرادة الطّيّبة على غنى التّقدمة، فكم بالحري تتقبّل نيّتنا من دون النّظر إلى قدرتنا، هذه السّيّدة الصّالحة حقًّا، أمّ الإله الصّالح وحده، الّذي لا نهاية لتنازله والّذي فضّل "الدّرهمَين" على تقادم الأغنياء الوافرة؟. لا بدّ لها أن تتقبّل تقدمة هذا الدّين وتعطينا بالمقابل خيراتٍ لا مثيل لها في عظمتها. وهكذا، بما أنّ كلّ شيء يدفعنا إلى الكلام، لكيما نضطلع بما يتوجّب علينا، نوجّه الكلام إليها متضرّعين ومنشدين.


المرجع:

القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ، عظات في ميلاد السّيّدة ورقادها، دير السّيّدة حماطورة (١٩٩٧)، كوسبا، لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share