كما أنّه لا يليق أن يوضع البخّور الطّيب في إناءٍ نتن، كذلك الله لا يظهر عظمته في فكرٍ رديء.(من كتاب "بستان الرّهبان") إذا كان الله موجودًا، فإنّي أعترف بأنّ كلّ الأخطاء هي منّي وليست منه هو.فإذا حفظتُ موقفًا كهذا، فإنّ الله سيمنحني روح التّوبة.(الأرشمندريت صوفروني سخاروف). لقد أقامنا المسيح على هذه الأرض لكي ننشر النّور...لكي نكون الخميرة... لو سلكنا سلوكًا مسيحيًّا لزالت الوثنيّة.(القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم). تطلب منّي أن أحبّكَ، والمحبّةُ لا تُطلَب، لكنّها داخل حنايا القلب وحدها تولد.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).بقدر ما يتألّم الإنسانُ الخارجيّ من أجل المسيح، ينمو فيه الإنسان الدّاخلي.(ناسك).
خبرُ امرأةٍ مؤمنة تغيّرَ قلبُ زوجِها بسبب أعجوبة.

   في جزيرة "ساموس" روتْ لنا "ماريا" المحبّة لله والفقراء، والدةُ السّيّد "بولس" العسكري، ما يلي:

   "عاشتْ امرأةٌ مسيحيّةٌ في مدينة "نسيفي"، وكان زوجُها من عبدةِ الأصنامِ. كانا يملكان خمسين قطعةً نقديةً فضيّةً. ذاتَ يومِ قال الرّجلُ لزوجته: "دعينا نُقرِضُ النّقودَ لكي ننتفعَ من فائدتِها لأنّنا إذا بدأنا بصرفِها فلن يبقى لدينا شيءٌ منها". فأجابتِ المرأةُ: "إن كنتَ تأمرُ بقرضِ النّقودَ إلى أحد فلنقرِضها لإله المسيحيّين". فقال زوجها: "وأين هو إله المسيحيّين لنقرضَهُ النّقود؟". فقالت له: "سوف أدلّكَ على مكانِ وجودِهِ، وأنت لن تخسرَ نقودَكَ بل سوف يعطيكَ عليها فائدةً وسيتضاعفُ رأسُ المال". فقال لها: "لنذهبْ كي تريني إيّاه ونقرضَهُ النّقود". فأخذتْه المرأةُ ومضتْ به إلى الكنيسة المقدسة. وكان لكنيسة جزيرة  "ساموس" خمسةُ أبوابٍ كبيرةٍ. وحالما دخلا إلى فناء الكنيسة، حيث البوابات الكبيرة، رفعَتْ يدَها ودلّتْهُ على الفقراء، وقالت له: "إذا أعطَيْتَ النّقودَ إلى هؤلاء فإلهُ المسيحيّين يأخذُها، لأنّ هؤلاء هم جميعًا خاصتُه". فابتدأَ للحالِ يوزّعُ النّقودَ بفرحٍ على الفقراءِ ثم مضى إلى بيته.

   بعد ثلاثةِ أشهرٍ، احتاجا إلى المال، فقال الرّجل لزوجتِه: "يا امرأة، ألا يعطينا إلهُ المسيحيّين شيئًا من المبلغ الّذي يترتّب لنا عليه، لأنّنا في وضعٍ ماديّ صعب؟". فأجابتْه زوجتُه: "نعم، امضِ إلى حيث وزّعتَ المالِ وسوف تُعطى مالاً كثيرًا". فمضى راكضًا إلى الكنيسة. وما إن وصل إلى المكان الّذي وزّعَ فيه المالَ على الفقراء حتّى طافَ الكنيسة كلّها، لأنّه كان يظنّ بأنّ هناك من ينتظره ليعطيه النّقودَ، فلم يجد هناك سوى الفقراء الجالسين في المكان.

   وبينما هو يفكّر في نفسِهِ إلى من يتوجِه بالكلام ليطلبَ النّقودَ، إذا به يرى أمامَه على أرضِ الكنيسةِ قطعةً نقديةً فضيّةً أكبر من تلك الّتي كان قد وزّعَها على الإخوة. فانحنى والتقطها وذهب إلى بيتِه وقال لزوجتِه: "انظري، لقد مضيْتُ إلى كنيستكم ولم أجد هناك إلهَ المسيحيّين ولم يعطِني شيئًا، ولكنّني وجدْتُ هذه القطعة النّقدية في المكان الّذي وزعْتُ فيه النّقود الفضيّة الخمسين". فقالت له الزّوجةُ العجيبةُ: "هو إله المسيحيْين الّذي أعطاكَ إيّاها، لأنّه غير مرئيّ ويسوس العالم كلّه بيده وقوّتِهِ غير المنظورة. اذهب الآن يا سيدي فاشترِ لنا ما نأكله وسوف يعطيك نقودًا مرّة ثانية". فمضى الرّجل واشترى خبزًا ونبيذًا وسمكةً وأعطاها لزوجته. فأخذتِ المرأةُ السّمكة وبدأت تنظّفها. وحين فتحت حشاها وجدَتْ في داخلِها حجرًا عجيبًا أوقَعَ المرأةَ في الحيرة. لم تعرف ما هو هذا الحجر ولكنّها احتفظت به، وحين جاء رجلُها وفيما كانا يأكلان أرته الحجرَ وقالتْ له: "انظرْ، وجدْتُ هذا الحجرَ في السّمكة". فلمّا نظره الرّجل اندهش من جمالِه ولكنّه كان يجهلُ قيمتَهُ. وبعدما أكلا، قال لها: "أعطِني الحجرَ لأمضيَ وأبيعه إن كان هناك من يعطني مقابله بعض النّقود". 

   أخذ الرّجل الحجرَ ومضى به إلى الصّيرفيّ الّذي كان تاجرَ أحجارٍ كريمةٍ أيضًا. وكان هذا الأخير مزمعًا أن يُغلقَ الدّكّان لأنّ الوقتَ كان قد أمسى. قالَ الرّجل للتّاجر: "أتريدُ أن تشتري هذا الحجر؟". فتطلّع التّاجر إليه وقال: "وماذا تريدُ ثمنًا له؟". فقال له الرّجل: "أعطني ما شئتَ". فقال له: "خذ خمسَ قطعٍ فضّيّةٍ". فظنَّ الرّجلُ بأنّ التّاجر يسخر منه، فقال له: "ماذا أتعطيني هذا المبلغ لقاء هذا الحجر؟". وإذ ظنّ التّاجر ظنّ بأنّ الرّجل أجابه بتهكّم  قال له: "خُذ عشرين قطعةً فضّيّةٍ". فسكت الرّجل ولم يجِبْه بكلمة. فأخذَ التّاجر يرفع السّعرَ إلى ثلاثين فخمسين قطعة فضيّة مقسمًا بأنّه بالفعل سيعطيه المال. حينئذٍ انتبه الرّجل وفكّر جيّدًا وفهم بأنّه لو لم يكنِ الحجر ثمينًا جدًا لما عرض عليه التّاجر خمسينَ قطعةً فضّيّةً ثمنًا له. ومن ثمّ أخذ التّاجر يرفع السّعر إلى أن بلغ حدًّا قال له بأنّه سيدفع ثلاثمائةَ قطعةٍ فضية كبيرة ثمنًا للحجر الكريم. وحين أعطاه المال، أخذ الرّجل النّقودَ ومضى إلى بيته فرحًا.

   ولمّا وصل إلى المنزل، رأته زوجتُهُ فقالت له: "كم دفع التّاجر ثمنًا للحجر؟"، ظانةً بأنّه باعه بخمس أو عشرِ قطعٍ فضيّةٍ. فأخرج الرّجل القطع الثّلاثمائة من جيبه وأعطاها لزوجتِهِ قائلاً بأنّه باعه بهذا السّعر. تعجّبَتِ  المرأةُ من صلاحِ الله وتحنّنه وقالتْ لزوجِها: "انظرْ يا زوجي كم أنّ إله المسيحيّين رحيمٌ وغنيّ ولا ينسى المعروف. أترى كم أعطاك؟. لا فقط خمسين قطعةً نقدية بل أعطاك فائدتَها أيضًا. وأنت أعطيْتَه المال لعدّةِ أيّامٍ فقط وهو منحك إيّاها أضعافًا. فاعلمْ إذن أنّه لا يوجد إلهٌ على الأرضِ ولا في السّماء سواه". وإذ اقتنع الرّجلُ لأجل هذه العجيبة بكلام زوجته، وعرفَ الحقيقة بالخبرة، صارَ مسيحيًّا للفور ومجّدَ الرّبّ الإله مع أبيه وروحه القدّوس شاكرًا إيّاه جدًا على إيمان زوجته الّتي منحه بواسطتها أن يعرفَ الإله الحقّ".


المرجع:

   الأب يوحنّا بدّور (٢٠١٠)، المرج الرّوحيّ للرّاهب يوحنّا موسخوس، مكتبة البشارة، بانياس، سوريّا.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share