الله هو خالق العالمين المنظور وغير المنظور، وخالق الجسد والنّفس أيضًا. فإذا كان العالم المنظور جميلًا بهذا المقدار، فكيف يكون الله خالق الاثنين.؟. فإذا كان الخالق أجمل من مخلوقاته، فلماذا تخلّى الذّهن عمّا هو أجمل للانشغال بما هو أقلّ شأنًا وجمالًا، أعني الأهواء الجسديّة؟.(القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ من استأهل موهبة المعرفة الرّوحيّة، وشعر في قلبه حزنًا وشرًّا وكراهية ضدّ أحد، يشبه من يجعل في عينيه شوكًا وعيدانًا. لأجل هذا، فالمعرفة لا بدّ لها أن تقترن بالمحبّة. (القدّيس مكسيموس المعترف).إنّ أهواء عديدة تختبىء داخل نفوسنا، إلّا أنّها سرعان ما تنكشف بظهور مواضيعها. (القدّيس مكسيموس المعترف).لا يكون قد بلغ المحبّة الكاملة والمعرفة العميقة الّتي في العناية الإلهيّة، ذاك الّذي في الشّدّة لا يتحلّى بالشّهامة، بل يعزل نفسه عن محبّة إخوته الرّوحيّين. (القدّيس مكسيموس المعترف).العمل الرّوحيّ الدّاخليّ، يقتلع المجد الفارغ من جذوره. والكبرياء ينغلب، عندما ننسب كلّ إنجاز إلى مصدره الّذي هو الله. (القدّيس مكسيموس المعترف).
إلى من يشير هذا الرّسم؟.

   يجهل كثير من المسيحيّين رموز إيمانهم إلى حدّ بعيد. لقد فقدنا القدرة على التعرّف إلى مواضيع الفنّ المسيحي ومعانيه. ففيما تشير الرّموز دائمًا إلى ما  هو أسمى، يساهم في جهلنا لها النّقص المقصود في الرّموز الكنسيّة خلال فترة ازدهار الفنّ التبسيطيّ (Minimalism) والهندسة، من السّتينات حتّى التّسعينات.

    للفنّ المسيحيّ قاموس غنيّ يقدّم تفسيرات  أساسيّة عن الفنّ المسيحيّ سواءٌ في الماضي أم الحاضر،  ويعمّق معرفتنا التّاريخيّة والإيمانيّة، هو  الدّياميس، وهو توضيح لإيماننا الّذي يصل الإنسانيّ بالإلهيّ.

دياميس "كاليكستوس" في روما.

    كانت بداية الدّياميس في "روما" في نهاية القرن الثّاني وبداية الثّالث، زمن البابا "زيفيرين" (199- 217)، الّذي كلّف الشّماس "كاليكستوس"، الّذي أصبح فيما بعد بابا روما (217- 222)، مهمّة الإشراف على مقبرة الطريق "الآبي"، حيث دفن أهمّ أساقفة القرن الثّالث. إنّ عادة دفن الموتى في أماكن تحت الأرض، كان معروفًا في السّابق لدى الإتروسكانيين، واليهود، والرّومان. أمّا في المسيحيّة، فقد كان المكان متعدّد الغرف وأكثر اتّساعًا، لكي يكون ممكنًا ضمُّ الجماعة كلّها في المقبرة الواحدة. العبارة القديمة الّتي كانت تستعمل في وصف هذه الصروح " coemeterium" المشتقّة من اليونانيّة وتعني "منامة"، الّتي تشير إلى كون الرّقاد بالنّسبة للمسيحيين، ليس سوى نومًا مؤقّتًا في انتظار الدّينونة الأخيرة. كانت تسمية "دياميس"، الّتي أصبحت فيما بعد تشير إلى المقابر المسيحيّة، تشير حصرًا إلى  مجمّع القدّيس "سيباستيانوس" في الطريق "الآبيّ".

    عاش المسيحيّون الأوائل في مناخ وثنيّ عنيف. اعتبرت المسيحيّة في عهد "نيرون" (46م) "شعوذة غريبة وغير قانونيّة". وكان المسيحيّون يتعرّضون للاضطهاد، والسّجن، والنّفي، والموت، غير قادرين على إشهار إيمانهم ، فلجأوا إلى الرّموز، كتذكير منظور لإيمانهم.

    في أواخر القرن الثّاني، ازدهر فنّ بسيط للغاية في "الدّياميس"، ذو وجه تاريخيّ ورمزيّ.

    الرّسومات، والموزاييك، والنّحت على الأضرحة، والمنمنمات، تسرد قصصًا من العهدين القديم والجديد، لتثبيت المسيحيين في محبّتهم لله عبر الزّمن، وكأمثلة الخلاص للمهتدين الجدد.

الرّاعي الصّالح.

    صورة الرّاعي الصّالح مثلًا، هي واحدة من أشهر الرّسومات  الموجودة في الدّياميس، وهي مستقاة من الرّسومات الوثنيّة، ولكنّها اتّخذت بسرعة معنىً مسيحانيًّا، ملهمًا من مثل الخروف الضّائع.

    في دياميس "كاليستوس"، يظهر المسيح كراعٍ متواضع حامل على ذراعيه حملًا، وهو يراقب قطيعه، الّذي يُشار إليه أحيانًا بوجود خروفين إلى جانبه.

    من اللّافت الإشارة إلى إمكانيّة التّشابه بين صورة "أورفيوس" والرّاعي الصّالح، إذ إنّ "أورفيوس" (كرمز للمسيح) يصوّر كراعٍ، محاطٍ بالضّواري المفترسة، وقطيع من الأغنام. تمّ العثور على رسوم "لأرفيوس" في عدد من الأضرحة من القرن الثّالث، وفي رسومات الدّياميس من القرنين الثّالث والرّابع. يقابل القدّيس "كليمنضس" الإسكندري "أورفيوس" ويسوع بقوله:" هذا شاعري... الوحيد الّذي روّض أكثر الضّواري البرّيّة توحّشًا".

    وكان القدّيس "كليمنضس" الإسكندري، هو من وصف المسيح بـ"شمس القيامة"، "الّذي وُلد قبل نجمة الصّبح، والمعطي الحياة من أشّعّته الخاصّة". وفي وقت لاحق، يصف "كليمنضس" المسيح بأنّه قائد مركبة ترتقي نحو السّماء، مجتذبًا من هناك الحياة الأبديّة.

    في القرن السّادس عشر، لمّا تمّ هدم  بازيليكا القدّيس بطرس المبنيّة في القرن الرّابع من الملك قسطنطين، قبل إشادة الكنيسة الحاليّة، اكتشف العمّال مدفنًا وثنيًّا تحت الموقع.كان عبارة عن شارع من المدافن، لأنّ المدافن الرّومانيّة كانت تبنى خارج المدن بمحاذاة الطّرق، وقد تعذّر الوصول إليه بعد بناء الكنيسة. ابتدأت أعمال البناء حوالي سنة 320م.

    بقي هذا المدفن طيّ النّسيان حتّى سنة 1940، عندما عادت لتكشفه حفريّات أُجريت في المكان. تمّ اكتشاف المدفن للمرّة الأولى سنة 1574، من خلال فتحة في السّقف. وتشير كتابة فوق الباب إلى أنّ المكان هو مدفن لعائلة "جوليوس تاربيانوس"، وقد اشتهر المكان سنة 1940 بسبب الفسيفساء الموجودة فيه. أصغر حجرة في هذا المدفن، الّتي سمّيت "م"، احتوت لوحة فسيفساء لافتة.

    رجل في مركبة، يقود أربعة احصنة ،لم يبقَ ظاهرًا منها سوى اثنان. لأنّ الفتحة في السّقف، الّتي ثقبت عام1574  ، للوصول إلى المكان أزالت صورتهما.

صورة الفارس والمركبة ويبدو في الأسفل رسم الصّيّاد.

    قائد العربة يلبس ثوبًا وملاءةً، ويرفع يده اليمنى، ويمسك كرة زرقاء في يساره. وحول رأسه تاج من الأشعّة.

    لمّا أُعيد اكتشاف المدفن من جديد سنة 1940، تمّ تصنيف الرّسومات الموجودة في حجر المدفن مباشرة بأنّها مسيحيّة: إنسان يحمل حملًا على كتفيه. على الحائط الشّماليّ مقابل المدخل، صيّاد يصطاد سمكة، وسمكة أخرى تسبح على بعد، وعلى الحائط الشّرقي سفينة على متنها رجلان، كلّ منهما يرفع يده اليمنى، وخارج السّفينة رجلٌ يبتلعه من رأسه وحش بحريّ...الرّاعي الصّالح، الصيّاد، ويونان. وهي رسومات معروفة جدًّا في الفنّ المسيحيّ المبكّر، وعلى أثر ذلك صنّف العلماء المدفن باعتباره مدفنًا مسيحيًّا، لا وثنيّ، وهو المدفن المسيحيّ الوحيد في تلك المنطقة.

الرّموز المسيحيّة الموجودة في الدّياميس.

   لكنّ قائد العربة هو "سول"(إله الشّمس)، فما سبب وجوده في مدفن مسيحيّ؟.

    ما من شيء مميّز في الرّسم يشير مباشرةً إلى المسيح، لكنّ السّياق المسيحيّ للرّسوم المحيطة به، هو ما يدلّ على ذلك.

الرّسم عن كثب.

    في هذا الرّسم، رمز للتّحوّل والتّمثّل. إنّ في رسم المسيح كشمس الله، تحدٍّ مباشر لعبادة "سول إنفيكتوس". يدعم هذه الفرضيّة، تشبيه المسيح بالشّمس الشّارقة، ويوم الرّبّ بيوم الشّمس، والفصح ذاته بولادة الشّمس الجديدة. تصوير المسيح بـ"إيليوس"(إله الشّمس)، كان آمنًا، وطريقة معبّرة لتمجيد المسيح، وتصويرًا دقيقًا أيضًا لصورته البارزة في الإنجيل.

    إنّ محاولة "تعميد" صورة إله وثنيّ وإبراز الإله المسيحيّ، يظهر استعمال المسيحييّن لغة الحضارة الرّومانيّةفي القرن الثّالث. في هذا الرّسم، يبزغ "إيليوس" إله الشّمس صباح كلّ يوم من الشّرق، بالنّور وتجديد الولادة، وهو ما يعكس مقابلة جذّابة مع رسالة المسيحيّة الأعمق: المسيح معطي النّور والحياة الأبديّة، إلى كلّ مهتدٍ وُلد جديدًا بالمعموديّة بعد موت الخطيئة.


    ألم يحّدد تاريخ عيد الميلاد الحاليّ، 25 كانون الأوّل،  في يوم ميلاد "إيليوس" إله الشّمس؟.

"لقد افتقدنا من العلى مخلّصنا، مشرق المشارق، ونحن من في الظّلمة والظّلال، قد عثرنا على الحق بمولد الرّبّ من البتول".



المرجع:

Roger Pearse.

http://www.roger-pearse.com/weblog/2011/09/27/the-image-of-christ-helios-in-the-mosaics-of-vatican-tomb-mE

Faith Underground – Faith Through The Lens

https://www.google.com/search?q=Christ+as+Helios&ie=utf-8&oe=-b-ab&gfe_rd=cr&dcr=0&ei=NyNCWtjpHI798wfp27_ACg

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share