بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
قوة اسم يسوع!.

       صلاةُ استدعاء اسم يسوع تمتاز بشكلٍ خاص بالبساطة، وهي ممكنة لكلّ مسيحيّ، لكنّها مع بساطتها تقود إلى أعمق أعماق التخشّع!!.

       يؤكّد كتاب ”الرّاعي“ لـ”هرماس“، أنّه ”عظيمٌ هو اسم ابن الله وغير محدودٍ ويضبط العالم بأسره“. لا يمكننا أن نفهم عمق صلاة يسوع ”يا ربّي يسوع المسيح يا ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ“ في التقليد الأرثوذكسي وفاعليّتها في الحياة الرّوحية، إن لم نشعر ولو قليلاً بمعنى وبقوّة ونعمة اسم يسوع. فإن كانت صلاة يسوع ذات فاعليّةٍ مميّزة عن سائر الصّلوات الأخرى، فذلك يعود لاسم يسوع!.

       في العهد القديم، كما في حضارات أخرى، يوجد تلازم عميقٌ وأساسيّ بين الإنسان واسمه. فالاسم يحوي الإنسان وشخصيّته وميزاته. أن تعرف اسم شخصٍ ما فهذا ينوب عن معرفته بالذات وكأنّك بذلك تتعرّف إليه حقًا، وتبني معه علاقةً محدّدة. لهذا رَفَض الملاك الّذي صارع يعقوب عند بئر مجرى يعقوب (تك ٣٢: ٢٩)، أن يكشف له عن اسمه! نجد الموقف عينه في جواب الملاك لـ”منوح“: ”لِمَ سؤالك عن اسمي، واسمي عجيب؟“ (قض ١٣: ١٨). والتغيير في الاسم كان يعني أيضًا تغييرًا جذريًا في منحى الحياة. على هذا النّحو بدّل أبرام اسمه إلى إبراهيم (تك ١٧: ٥)، ويعقوب صار ”إسرائيل“ (تك ٣٢: ٢٨). ولهذا السّبب عينه بدّل شاول اسمه إلى بولس عند ارتداده (أع ١٣: ٩). وفي التقليد الرّهباني يأخذ الرّاهب في خدمة رسامته اسمًا جديدًا، لا يكون عادة باختياره، لكي يُظهر التغيير الجذريّ الّذي هو مزمع أن يأخذه، أن يلتزمه، ليحياه في العمق!.

       أمّا عند العبرانيّين، فأن تأتي عملاً باسمٍ آخر، أو أن تدعو وتتوسّط باسمِ شخصٍ ما، هي أمورٌ ذات أهميّة كبيرة. عندما تتوسّط باسم أحدٍ ما فكأنّك تجعله حاضرًا. عندما يُذكر الاسم، فإنّ هذا الاسم على الفور يستدعي حامله. وكلّ ما ينطبق على اسمٍ بشري ينطبق بالأكثر وبما لا يقارن على الاسم الإلهيّ. مجد الله وقوّته حاضران في اسمه ويعملان حين استدعائه. اسم الله هو ”عمّانوئيل“ أي الله معنا. فمَنْ يستدعي اسم الرّب بإرادته وبانتباه فهو كمَنْ يرتمي في أحضان نعمته وكمَنْ يُسلم نفسه للرّب ضحيّةً حيةً بين يديه. كان الشعور بعظمة اسم الله عند اليهود مهيبًا لدرجة أنّ الاسم ”الرّباعيّ“ (يهوه) لم يكن يُلفظ بشكلٍ مسموع حتّى في العبادة في المجمع، لأنّ لفظ اسم العليّ له وقع وتأثير كبيران في السّامعين، وهو حضور وحضرة مهيبة!!.

       انتقل مفهوم الإسم الإلهيّ هذا من العهد القديم إلى العهد الجديد، إذ طرد شياطين كثيرة وبه أناسٌ تعافوا من أوجاعهم، لأنّ في الاسم قوّةً وعندما تُكرَّم هذه القوّة كما يليق، وتُعطى قيمتها الحقيقيّة تتمّم المعجزات.

       هناك آياتٌ كثيرةٌ أخرى ذات أهميّة توضح قوّة الاسم الإلهيّ: نتلو في الصّلاة الرّبيّة: ”ليتقدّس اسمك“، والرّب قال في صلاته الوداعيّة: ”كلّ ما تطلبونه من الآب باسمي يكون لكم“، ووصيّته الأخيرة لتلاميذه كانت: ”اذهبوا وبشّروا كلّ الأمم، معمِّدين إيّاهم باسم الآب والابن والرّوح القدس“. قال بطرس الرّسول صراحة أنّه لا خلاص إلا ”باسم يسوع النّاصريّ“ (أع  ٤: ١٠-١٢)، وبولس الرّسول كتب: ”لكي تجثو باسم يسوع كلّ ركبةٍ“ (في ٢: ١٠) وأيضًا خُبِّر عن إسم سريّ جديد سيُعطى لنا على حصاةٍ بيضاء في الأيام الأخيرة (رؤ ٢: ١٧).

       تشكّل هذه الأهميّة الكتابيّة لاسم يسوع الأساس والقاعدة لصلاة يسوع!. اسم الله مرتبطٌ بشكلٍ وثيق بشخصه، هكذا فإنّ استدعاء اسم الرّب هو ذو طابعٍ سريٍّ خاصّ، وينوب عن حضور الرّب غير المنظور وله فعل سريّ في كلّ مسيحيّ في يومنا هذا، كما كانت الحال في الزمن الرّسوليّ.  ويؤكّد الشيخ ”برصنوفيوس الغزاويّ“ (من القرن السّادس): ”إن ذكر اسم الله يحطّم أيّ روح شرّ“*. ويشير علينا القدّيس يوحنّا السّلميّ: ”اجلد أعداءك باسم يسوع لأنّه لا يوجد سلاحٌ أقوى منه لا في السّماء ولا على الأرض... فليلتصق ذِكْر يسوع بنَفَسِكَ فتعرف حينذاك منفعة الهدوء“ (كتاب السّلّم إلى الله، مقالة ٢٧، ٦١).

       اسم يسوع قويّ، لكنّ ترداده بشكلٍ ميكانيكيّ غير واعٍ لا يُجدي نفعًا. ليست الصّلاة القلبيّة لاسم يسوع سِحْرًا ولا حجاب شعوذة. فصلاة يسوع يجب أن تتمّ على غرار سائر الخدم الأسراريّة الأخرى، فالإنسان مدعوٌّ أن يشارك في العمل مع الله بوساطة إيمانه الحيّ ومحاولته النّسكيّة والجهاديّة.

       يتوجّب علينا بدءًا أن ندعو اسم يسوع بوعيٍ، وبذهنٍ مركّزٍ، وبسهرٍ داخليّ، مثبّتين أفكارنا في تأمّل وفهم كلمات الصّلاة، واعين إلى مَنْ نتّجه في طلبنا ومَن هو الّذي يجيب عن سؤل قلبنا. بالحقيقة أنّ صلاةً حارّة كهذه ليست سهلةً منذ البداية، لهذا أحسنَ القدّيسون بتسميتها، ”الاستشهاد السّريّ“!.

       يتكلّم القدّيس غريغوريوس السّينائيّ باستمرار عن ”الشّدّة والجهد“ اللذين يتعرّض لهما كلّ مَن يسلك درب هذه الصّلاة. هناك حاجةٌ إلى محاولةٍ ”لا تنقطع“ للصّلاة. كلّ مَن يدخل هذا الجهاد سيأتيه الفكر بتركه وذلك ”لشدّة الصّبر والانتباه المطلوبَين من الذهن“. ”ستتعب أكتافكم وستشعرون مرّاتٍ كثيرة بأوجاعٍ في الرّأس، لكن اصبروا دائمًا بشوقٍ ملتهبٍ طالبين الرّب بقلوبكم“. فقط بإيمان وصبرٍ كبيرَين نُدرك القوّة الحقيقيّة لاسم يسوع، أنّه الحضرة، ليصير الحياة بتمام عُمْقها!.

       يحتاج هذا القرار لرجولةٍ تتحقّق بالمواظبة على تكرار الصّلاة، وقبل كلّ شيء، بشكل واعٍ مع يقظة ومثابرة. أوصى الرّب يسوع تلاميذه قائلاً: ”إن صلّيتم لا تكثروا الكلام عبثًا“ (مت ٦: ٧). عندما يتمَ تكرار صلاة يسوع، بانتباه، ووعي وتركيزٍ داخليين، لا يكون ذلك ”عبثًا“. وللتكرار المستمرّ لصلاة يسوع نتيجةٌ مضاعفة: فأوّلاً، اسم يسوع يوحّد ويجمع صلاتنا، وثانيًا يجعلها داخليّة وأكثر عمقًا!.

       هذه الصّلاة هي الجسر الّذي يساعدنا على عبور الهوّة الفاصلة بين صلواتنا المحدّدة، سواء في مخدعنا أم في الكنيسة، ومشاغلنا اليوميّة الحياتيّة.


* Solesmes (1972), Barsanuphe et Jean de Gaza, Correspondances, Lettres 692 , p. 445.


المرجع:

قوة اسم يسوع للأسقف كاليستسوس وير ترجمة المطران بولس يازيجي، منشورات دير سيّدة البشارة، حلب (2010).

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share