<
لا يُسبَك الاتّضاع إلاّ في بَوتقة الإهانات والشّتائم والضّربات، هذه كلّها أعصاب الاتّضاع، وهذا كلّه قد اختبره الرّب وتألّم فيه، إذ كان يُنظر إليه كسامريّ وبه شيطان. أخذ شكل عبد، لطموه ولكموه وبصقوا في وجهه.(القدّيسة سنكليتيكي). ذكر الله يولّد الفرح والحبّ، والصّلاة النّقيّة تولّد المعرفة والنّدامة. من يَتُقْ إلى الله بكلّ ذهنه وفكره، بواسطة حرارة الصّلاة وقوّتها، تغُصْ نفسه في الحنان.(القدّيس ثيوليبتس). الصليب آية القيامة، ومحقّق البعث من بين الأموات. الصليب هو المسيح المصلوب عن خطيئة العالم ليغفرها ويحقّق القيامة.(المطران عبد يشوع بارّ بريخا). الشّيطان عديم القوّة. محبّة الله وحدها ذات قوّة شاملة. المسيح أعطانا الصّليب سلاحًا فعّالاً في وجه الشّياطين.(القدّيس باييسيوس الآثوسي).خير لكم أن تذرفوا بعض الدّموع أمام المسيح من أن تقولوا الكثير.(القدّيس بورفيريوس الرّائي).
إيليّا نيكولايفيتش.

   يروي الأب أرساني عن إيليّا نيكولايفيتش: لقد كنّا في المعسكر ذاته سبع سنوات، وحتّى في الثّكنة عينها. ثمّ أُرسل في ما بعد إلى معسكر الأشغال الشّاقة التّاسع ليعملَ في استخراج المعادن الخام من مناجم تحت الأرض، بينما بقيتُ أنا في المعسكر الخامس. وخلال السّنواتِ الّتي قضيناها سويّة، صرنا صديقين مقرّبين. وأحيانًا بعد إطفاءِ الأنوار، كنّا نستطيع أن نتناقش في مواضيع لاهوتيّة. كان إيليّا يتحدّر من عائلة بروتستانتيّة ذات جذورٍ ألمانيّة في إقليم "فولغا". وقد صار ملحدًا عن قناعةٍ تامة، وأنهى دراسته في أكاديمية العلوم السّياسيّة، وأصبح ضابطًا في حرس الحدود. أخذني، على حين غرّة، حين بدأ يتحدّث عن الله قبل أن أفعل أنا. وقد اعترف لاحقًا أنّه أراد اكتشاف ماهية الكاهن الأرثوذكسي: هل يؤمن بالله حقًّا؟. هل هو مخلِص؟. أجبته وحزنت كثيرًا لأنّ نفسه لم تؤمن بالله.

   طرح علي أسئلة كثيرة، وأجبتُه عنها كلّها. في البداية، أخبرته أنّ الإنسان لا يستطيع من دون الله أن ينال ملءَ الحياة. وتكلّمتُ معه عن الأرثوذكسيّة، عن خدمنا الكنسيّة، عن الأناجيل، وعن أعمال الرّسل. وقد اقتطفتُ مقاطعَ كاملةً كنت قد حفظتها غيبًا وشرحتُها له، وقلتُ الصّلواتِ وفسّرتها. لم يناقش إيليّا قط، بل أصغى فقط. لكنّى عرفتُ أنّ ما كنتُ أقوله لم يخترق نفسه. فهمُّه انصبَّ على المعلومات فقط. لقد كان يدرس ماهية الإيمان، ويتوق ليعرف من هو الكاهن.

   تدهشني ذاكرتي أحيانًا، أمّا ذاكرةُ "إيليّا نيكولايفيتش" فكانت مذهلة واستثنائيّة. كلُّ ما قلتُه له- من نصوص، وصلوات، وحوادثَ في تاريخ الكنيسة، وغيرها – كان يتذكّره مباشرةً ويعيده كلمةً كلمة حتى بعد مرور وقتٍ طويل. أيقنتُ أنّ الله سيعيده إليه بالتّأكيد. هذا هو تاريخي القصير مع إيليّا، وهو سيخبركم الباقي بنفسه.

   بدأ "إيليّا نيكولايفيتش" الحديث:

   أُرسلتُ إلى معسكرٍ قاسٍ لا يُسمح فيه بتبادل الرّسائل، مثل أيّ معسكرٍ آخر. فهناك خياران: إمّا أن تلتزم بذلك أو تقتل بالرّصاص في المعسكر. كان الوضع صعبًا في البداية، خاصّةً لأنّ اسمي الأخير ألمانيّ: "شنايدر".  وقد أبغضني الكثيرون لهذا السّبب. لكن، بعد مضيّ ثلاثةِ أشهرٍ، وجدْتُ "مكاني" في "مجتمع" المعسكر.

   أخبرني أحدهم في إحدى المرّات: "هل ترى ذلك الرّجل الواقف هناك؟... إنّه كاهن، وهو يساعدُ الجميع باستمرار. لا نفهم السّبب الّذي يدفعُه لفعل ذلك. اسمه هو الأب أرساني". كان أوّل كاهنٍ أشاهده في حياتي، وكانت لديه طريقتُه الخاصّة في الحياة. أثار هذا الكاهن اهتمامي، فذهبتُ إليه وقلتُ: "مساء الخير، أيّها الأب أرساني!".

   فأجابني: "مساء النّور". وكانت تلك بداية صداقةٍ بين كاهنٍ وعاملٍ سابقٍ في الحقلِ السّياسيّ، ضابطٍ في حرس الحدود. وإنّ كلّ ما يحدث في حياتنا يتمُّ وفق حكمة الله. أخبرني الأبُ أرساني أشياءً كثيرة ممتمعةً لم أسمع بها من قبل. وباستطاعتي تذكّرها كلّها في عقلي، لكنّها لم تتغلغل في نفسي. قضينا خمس سنواتٍ في الثّكنةِ ذاتها، ثمّ نقلوني فجأةً إلى المعسكر التّاسع. كان مكانًا كبيرًا وعلينا الحفر لاستخراج المعادن الخام من المناجم. كانتِ المرّة الأولى الّتي نزلتُ فيها إلى المنجم مخيفةً للغاية. فالضّوءُ باهتٌ في الرّواقِ الرّئيسيّ، ومعدوم تمامًا في المهوى (مدخل المنجم)، والنّور الوحيد هناك آتٍ من المصباح الموجود على جبينك. عملتُ هناك خمسةَ أشهرٍ، وبدأتُ أفهم الهدف من كلّ ذلك. فكلُّ شيءٍ مصمّم ومعمول بسرعةٍ ودون إتقان. فدعامات المهوى سيّئة، والرّكائزُ الخشبيّة المصمّمة لتدعيم الحفرة موضوعة على الأرض. باختصار، لم تتمّ مراعاة قواعد السّلامةِ في المنجم. ولا يمكنك قول أيّ شيء بهذا الخصوص، ولا حتّى إعطاء نصيحة، فأنتَ مجرّد سجين. وإذا تكلّمتَ، فسوف تكون محظوظًا في حال كان كلّ ما سيفعلونه بكَ هو ضربك على وجهكَ بقبضتهم. ومن المحتمل أيضًا أن يرسلوك إلى زنزانة العقاب...

   كنّا نتّبع صَدْعًا متعرّجًا في الطّبقةِ الّتي نعمل فيها. وهناك جسرٌ خاصّ من أجل وضعِ الدّعامات في مكانها. نزلنا في صباح أحد الأيّام إلى المنجم وبدأنا العمل. كانتِ الصّخرةُ تُخرجُ حصًى، وفجأةً سمعنا صوتَ قرقعةٍ عاليًّا، وضربتْني نفخةٌ قويّةٌ من الهواء وأوقعتني أرضًا. استطعتُ من مكاني أن أرى صخرةً ضخمةً تسقطُ باتّجاهي ببطءٍ، ثم توقّفت. كنتُ ملقًى ضمنَ حيّزٍ ضيّقٍ لا يتعدّى ارتفاعه قدمًا ونصف القدم، وعرضه ثلاثة أقدام، وقد علقتْ رجلي اليُسرى. كان بإمكانك أن تسمع من أسفل الحجارة الأنين والتّأوّهات. إلى يساري، كان السّجين "شيرييف" يصرخُ متوجّعًا لأنّ حجرًا كبيرًا قد وقع عليه، لكنّه صمتَ بعد فترةٍ ومات. دام الصّراخ والعويل لبرهةٍ وجيزة، ثم ساد صمتٌ مطبق. صرختُ، ناديتُ، لكن لم يجبْني أحد. وها أنا ذا، ملقًى في بقعةٍ ضيّقةٍ. استطعتُ رفعَ جسدي حتّى مستوى مرفقيّ، لكنّي عجزتُ عن الاستدارةِ بسبب رجلي العالقة. أطفأتُ المصباح، فصار المكان مظلمًا. لم يكن لديّ أملٌ بالنّجاة، وأكثر ما أثار خوفي ورعبي هو أنّ الموتَ سيكون بطيئًا ومؤلمًا. ماذا أفعل؟. حسنًا، ليس باليد حيلة. تملّكني اليأس لفترةٍ، ثمّ تذكّرتُ أحاديثي مع الأب أرساني في الثّكنة، وإيمانه العميق بالله، وخطرتْ لي فكرةٌ للمرّةِ الأولى: إذا كان رجلٌ كالأب أرساني يؤمن بالله، فهذا يعني أنّ الله موجود. فبدأتُ عندها أُصلّي بحماسةٍ، متذكّرًا كلّ ما قاله الأب أرساني.

   كنتُ أُصلّي وأردّد: "ساعدني يا ربّ! ساعدني يا ربّ!". مئات المرّات. آلمتْني رجلي اليُسرى، لكنّي نمتُ وأنا أُصلّي. عندما استيقظتُ كنتُ عطشانًا جدًا، وبالطّبعِ لم يوجدْ ماءٌ بالقربِ منّي. فنمتُ ثانيةً وأنا أُصلّي. لا أعرفُ كم مرّ من الوقت. كنتُ عاجزًا، وألمي يزدادُ رويدًا رويدًا، لكنّ الله أعطاني القوّة لأتابع الصّلاة، واستجمعْتُ كلَّ قوّةِ إرادتي الرّوحيّة لأغوصَ في كلماتِ صلاتي. فتضاءل الوجع، ولم أعدْ أشعر بالعطش والجوع. كنتُ أرتدي كلَّ ما أملكه من ثيابٍ، فالجوّ بارد جدًا في المنجم، وهذا ما جعلني أحتفظ بحرارة جسمي. لا أدري كم مرّ عليّ وأنا ملقًى هناك، وكنتُ أنتقلُ باستمرارٍ من حالةٍ إلى أخرى: النّوم أو الصّلاة.

   وفجأةً تناهى إلى أذني صوتُ مثقابٍ هوائيّ وكَشطٍ بالرّفوش، وبعد برهةٍ سحبوني وأخرجوني. اكتشفتُ أنّي بقيتُ في مكاني من دون ماء وطعامٍ لمدةِ سبعة أيّام. آلمتْني رجلي، لكنّها لم تُصَب بجروحٍ*. عندما أخرجوني، سقوني كأسين من الماء، ثمّ أخذوا يستجوبونني: "ماذا جرى؟. لماذا؟". وسرعان ما توقّفوا وأرسلوني إلى المستشفى. لقد نزلتُ إلى المنجم رجلاً ملحدًا، لكنّي خرجتُ منه مؤمنًا حقيقيًّا، بفضلِ رحمةِ الله والمجهودِ الرّوحيّ الّذي قام به الأب أرساني لوقتٍ طويل.

   توفي سبعة عشرة شخصًا في ذلك الحادث. كنتُ أنا النّاجي الوحيد من بين العاملين معي على الجسر. وقد أخبرني سجينٌ، وهو مهندس في المناجم، أنّه بحسب خبرته وتِبعًا لكلّ المقالات الّتي قرأها، لم يسمع عن أحدٍ استطاع النّجاة دون طعامٍ وشرابٍ لمدّة سبعةِ أيّام في درجةِ حرارةٍ قريبة من التّجمّد. لقد صنع الله، بعظيم رحمتِه وبصلوات الأب أرساني، أعجوبة وخلّصني.

   أعادوني من المعسكر التّاسع إلى الخامس، وبهذا قضيتُ سنتَين إضافيّتَين مع الأب أرساني. وقد أطلقوا سراحي في العام ١٩٥٦، وسراحَهُ في العام ١٩٥٨. بحثتُ عند ووجدتُه بمساعدةِ أبنائه الرّوحيين وهو ما زال يهتمُ بي إلى اليوم. قد يفاجئكم ما سأقوله ولكنّي صرتُ شمّاسًا سنة ١٩٦٤. وهذه قصّة أُخرى، والأب أرساني الّذي يجلس هنا، هو الّذي أعطاني البركة لأقوم بهذه الخطوة.


* من المعروف عند الأخصّائيّين أنّ النّاس الّذين يُسحبون من المناجم، حيث تعلق أطرافهم لوقتٍ طويل، يعانون من أذيّةٍ دائمة. إذ يبدأُ الدّم الجاري في الطّرف المتضرّر بالتّعفّن، لهذا غالبًا ما يموتُ هؤلاء الأشخاص.


المرجع:

منصور إ. (٢٠١٦)، الأب أرساني: سحابة من الشّهود (مذكّرات أولاده الرّوحيّين)، الجزء الثّاني، مطرانيّة بصرى حوران وجبل العرب للرّوم الأرثوذكس.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share