<
الرّجاء ليس فقط رجاء بالله، بل بعمل الله في النّاس.(المطران جورج خضر).من كان مع المسيح كانت أموره، على هذا النّحو، بسيطة وسهلة وسلاميّة، ليس عنده يأس أو اكتئاب أو يعاني من مشاكل نفسيّة، أو تقلقه أفكار تافهة أو يتألّم بسبب الجراحات الّتي تراكمت عليه مع الأيّام.(القدّيس بورفيريوس الرّائي)ليست التّجارب أقوى من نعمة الله.(الشّيخ يوسف الهدوئي).طوبى للإنسان الّذي تيقّن أنّه رأى وجه المسيح بين كلّ الوجوه.(المطران جورج خضر).كلمة تواضع بأصلها اللاّتيني تعني الأرض الخصبة.التّواضع هو حال تراب الأرض. يبقى التّراب في مكانه صامتًا، راضيًا بكلّ شيء، محوّلاً هذه النّفايات المنحلّة إلى ثروة جديدة، وعلى نحوٍ عجائبيّ. (المطران أنطوني بلوم)
آخر مسيحيّي شمالي-غرب أفريقيا:
بعض العبر للأرثوذكس اليوم.
من آثارات قرطاجة.

   إنّ المنطقة الّتي كانت تُعرف بالـ"مغرب"، شمالي-غربي أفريقيا، مقسّمة اليوم إلى ثلاثة بلدان: المغرب والجزائر وتونس. منذ ألفَي سنة، كان شعبٌ يُدعى "البربر" يعيش فيها ولكن عندما استولت عليها الأمبراطوريّة الرّومانيّة، استعمرها مستوطنون رومان.

   حوالي القرن الثّاني للميلاد، عندما استقرّت في تلك النّاحية مجموعات من شتات اليهود وتمّ التّبشير بالإنجيل، أصبحت المنطقة مركز الأرثوذكسيّة النّاطقة باللّغة اللّاتينيّة. تدريجيًا، تحوّل الرّومان المستوطنون والبربر المجنّسون إلى المسيحيّة. على هذا النّحو، برز منهم شخصيّات مهمّة مثل الكاتب الكنسيّ "تيرتيليانوس" (١٥٥-٢٠٢)، والشّهيد "كبريانوس القرطاجيّ" (+٢٥٨)، والبارّة "مونيكا" وابنها الفيلسوف المغبوط "أغسطينوس"، أسقف "هيبّو" الأوّل (+٤٣٠)، والشّهيدة "جوليا" القرطاجيّة (القرن الخامس) وقدّيسون آخرون كثر.

القدّيس كبريانوس القرطاجيّ.
   عرفت الكنيسة هناك في القرون الأولى انشقاقات وهرطقات كثيرة زعزعتها وفرقتها. فبدءًا من القرن الرّابع، كان هناك "دوناتوس" المتطرّف، والمانويّة الّتي استهوت أغسطينوس، الوثنيّ، آنذاك، والآريوسيّة الّتي استقدمتها قبائل "الوندال" الألمانيّة الّتي أغارت على المنطقة في القرن الخامس. وإنّ النّزاعات والانشقاقات الّتي نتجت طغى عليها التّوتّر الإِتنيّ بين المستوطنين الرّومان الأغنياء والبربر (السّكان الأصليّين) الفقراء، الّذين رغبوا، إمّا لأسباب إتنية أو اجتماعيّة، أن يُظهروا فرقًا بينهم وبين المستوطنين.

   لهذا السّبب، كانت الهرطقات والإنشقاقات في المنطقة تُسيِّرها المشاعر ذات المرامي السّياسيّة. هذه المجريات كانت شبيهة بتصاعد الهرطقات الإتنية ما بين ذوي الطّبيعة الواحدة والنّساطرة، عند الأقباط في شمالي-شرقي أفريقيا والسّامية في الشّرق الأوسط. غير أنّ الأرثوذكسية بقيت حيّة في هذه المناطق، في حين أنّها فنيت في شمالي-غربي أفريقيا، حيث انتشرت، في وقتٍ من الأوقات، مئات من الأبرشيات مع أساقفتها... ماذا حصل؟. دعونا نُلقي نظرة لنتعلّم دروسًا من هذه الكارثة اليوم.


مجسّم لمدينة قرطاجة في القرن الثّاني للميلاد.

   إنّ بداية نهاية الأرثوذكسية في شمالي-غرب أفريقيا كانت عام ٦٤٧ مع وصول أوّل الغزاة العرب من الشّرق. هؤلاء جلبوا معهم الإسلام. تبع ذلك احتلال قرطاجة عام ٦٩٨ واعتناق البربر المحليّين المتمرّدين الإسلام. أمّا بالنّسبة للأرثوذكس، فالإسلام كان هرطقة. لذلك ولأسبابٍ سياسيّة وإتنية، أطلّ الإسلام كفرصة للاستقلال عن الأمبراطوريّة الرّومانيّة المستعمِرة. ولكن هذا لا يفسّر عدم استمرار الأرثوذكسيّة في شمالي-غربي أفريقيا، خلافًا لمصر والشّرق الأوسط، حيث ثبت المسيحيّون الأرثوذكس إلى يومنا هذا.

القدّيسة جوليا القرطاجيّة.
   متى وكيف زالت الأرثوذكسية من شمالي- غربي أفريقيا؟.

   لا شكّ في أنّ السّبب الأساسيّ هو الهجرة التّدرجيّة للمسيحيّين المستعمرين الّذين غادروا هربًا من الضّرائب الّتي كان يفرضها المسلمون. كُثُر كانوا لا يزالون يملكون مصالح وممتلكات ولديهم عائلات في بلدهم الأمّ، غربي البحر المتوسّط. بكلام آخر، كان لديهم مكان آخر يقصدونه. لذلك عندما سقطت "قرطاجة" عام ٦٩٨، حصل نزوحٌ كبير إلى "صقليّا"، في إسبانيا، وإلى مناطق أُخرى من البحر المتوسّط. هذا النّزوح تألّف بمعظمه من النّخبة المثقفة، بمن فيهم إكليركيّون لم يكونوا من السّكان الأصليّين، بل متحدّرين من المستعمرين الرّومان النّاطقين باللّاتينيّة. استمرّت هذه الهجرة لغاية القرن الثّامن. وإنّ بعضهم استقرّ في أمكنة بعيدة مثل شمالي ألمانيا، كما ذكر "البابا غريغوريوس الثّاني" (٧١٥-٧٣١)،  في رسالته إلى القدّيس "بونيفاتيوس".

   ولكن،  رغم كلّ شيء، بقي عددٌ كبير من المسيحيّين في شمالي-غربي أفريقيا خلال القرن الثّامن وكانت العلاقة بين المسلمين والمسيحيّين (الّذين كانوا من أصل بربريّ بمعظمهم) وديّة. وتوجد رسائل من المغرب المسيحيّ إلى روما من القرن التّاسع تُثبت أنّ المسيحيّة كانت وما تزال إيمانًا حيًّا في تلك الفترة أيضًا. أمّا في القرن العاشر فإنّ الكلام عن وجود أربعين مدينة أسقفية بات من التّاريخ الغابر. ولكنّ الأرثوذكسيّة استمرّت وكان هناك بضعة أَساقفة وأُسقفيّات ناشطة. استمرّت العلاقات مع الكرسيّ البطريركيّ في رومية إلى نهاية القرن العاشر تقريبًا، عهدَ "البابا بندكتوس السّابع" (٩٧٤-٩٨٣)، حين بُعِثَ كاهنٌ اسمه "يعقوب" إلى روما كي يكرَّس أسقفًا لقرطاجة. في تلك الحقبة أخذ المسيحيّون يتخلّون عن اللّغة اللّاتنيّة ويستخدمون عوضًا عنها العربية على غرار المسيحيّين في الشّرق الأوسط. ولكن، على عكس شمالي-شرقي أفريقيا والشّرق الأوسط، بدأت الأرثوذكسيّة تضمحل شيئًا فشيئًا في المغرب: انعزلت الرّعايا عن بعضها البعض وَضَؤُلَ عددها. على سبيل المثال كنيسة "قيروان" في تونس زال ذكرها بالكليّة عام ١٠٤٦ مع انتصار المقاتلين المسلمين هناك ونزوح المسيحيّين، الأمر الّذي أضعف تواجدهم. ففي رسالة لبابا رومية مؤرّخة في ١٧ كانون الأوّل ١٠٥٣، ذُكر أنّه يوجد خمسة أساقفة فقط في كلّ المغرب وأنّ "توما" رئيس أساقفة قرطاجة كان هو المتروبوليت عليهم. أمّا الأسقفان المذكوران معه، "بطرس" و"يوحنّا"، فربّما كانا من "تلمسان" في الجزائر أو "قفصة" في تونس، ولكن لم يُذكر إسما  الأسقفَين الآخرَين. ثمّ في عام ١٠٧٣، ذِكرٌ لرئيس أساقفةٍ لقرطاجه، اسمه "كيرياكوس"،  كان معه أسقفان آخران فقط لكلّ شمالي-غربي أفريقيا. ثمّ عام ١٠٧٦، ذُكر أنّ "كيرياكوس" بقي وحدَه مع أسقف اسمه "سيرفاندوس" في تونس وكان مستحسنًا أن يجري تكريسه في "رومية".

فسيفساء "سيّدة قرطاجة" المشهورة وهي قطعة نادرة من الفنّ البيزنطيّ تعود إلى الحقبة المسيحيّة في تونس المعاصرة.
   عند هذا الحدّ توقّفتِ المراسلات  بين مسيحيّ المغرب ورومية، الّتي كانت، في تلك الآونة، تتمخّض بثورتها "الغريغوريّة". من البيّن أنّه بدءًا من تلك الفترة، أصبحت الرّعايا المسيحيّة المتبقيّة صغيرة جدًا وقليلة مع استمرار الهجرة. عام ١١٥٩، إذ استولى قائد عسكريّ مسلم اسمه "عبد المنعم" على المركز المسيحيّ في تونس، وهو الّذي طرد، أيضًا، "النّورمنديّين" ممّا يعرف، اليوم، بـ"تونس"، وهن التّواجد المسيحيّ بالأكثر. ومن دون حماية "النّورمنديّين"، حصل نزوح ثالث كبير للمسيحيّين.

   ومع زوال الأديرة والكتّاب، صار المسيحيّون في المغرب عرضة للامّحاء والامتصاص. لم يوجد هناك أحد مثل "القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ" الّذي كان من الشّرق الأوسط أو شخصيّات مميّزة كبيرة أرثوذكسيّة باستطاعتها أن تناقش قضيّتها مع فهمٍ للإسلام وحضارته ولغته. لم تكن هناك إصدارات أدبيّة ولا شخصيّات آبائية ولا كتّاب، لا بالّلغة اللّاتنيّة ولا بالعربيّة في تلك الفترة. الحضارة الأرثوذكسيّة القديمة في شمالي-غربي أفريقيا كانت إلى اضمحلال. نعم، حتّى في القرن الحادي عشر، كان هناك بعض الأقليّات المتفرقة والمنعزلة. لذلك ثمّة ذكر لرعية مسيحيّة في منطقة "القلعة" في وسط "الجزائر" عام ١١١٤. ثمّ في منتصف القرن الثّاني عشر، كانوا لا يزالون يتكلّمون لغةً لاتينيّةً إفريقيّة في "القفصة" جنوبي تونس، في حين لم يكن غرب أوروبا يتكلّم اللّاتنيّة البتّة. ثمّ عام ١١٩٤، سُجّلَ إنشاء كنيسة ورعيّة مكرّسة لوالدة الإله في "نفطة"،  جنوبي تونس.

   في القرن الثّالث عشر، في أوجّ الهيمنة البابويّة، حاول الإسبان والإيطاليّون أن يُخضعوا شمالي-غربي أفريقيا إلى الكثلكة، كما فعل الإسبان في شبه الجزيرة الإيبيريّة، في محاولةٍ لهداية المسلمين المتكلّمين باللّغة العربيّة إلى المسيحيّة. غير أنّ استقدام الرّهبان الدّومينيكان وكاثوليك آخرين لإنشاء كنائس صغيرة على الأطراف السّاحليّة للمغرب، لم تُجْدِ نفعًا. هؤلاء لم يُخْفقوا فقط في نصرنة المسلمين هناك بل إنّ بعضًا منهم تحوّلوا، بعد بضع سنوات، إلى الإسلام. وإنّ هذه الدّيانة المستقدمة حديثًا لم يكن لديها أي اتصال بالمسيحيّين في البلاد، تبّاع لتّقليد الأرثوذكسي القديم. هؤلاء الآخِرون كانوا أمناء للتّراث الإيمانيّ الأرثوذكسيّ الّذي بُشِّرت به شمالي-غربي أفريقيا بدءًا. وإنّ الكثلكة، في القرن الثّالث عشر والرّابع عشر، كانت غريبة جدًا عن الأرثوذكسية المغربيّة التّاريخيّة. لذلك فإنّ البربر المسيحيّين الّذين استمرّوا في العيش في تونس وفي "نفزاوة"، جنوبي تونس، حتّى القرن الخامس عشر، لم يتعرّفوا إلى الكثلكة الجديدة. وقد ذُكر أنّه في الرّبع الأوّل من القرن الخامس عشر، وَسَّعَ المسيحيّون المحليّون - رغم أنّ الحضارة المسلمة كانت قد ابتلعتهم بمجملهم -  أقول، وسّعوا كنيستهم، في تونس، ربّما لأنّ ما تبقى من المسيحيّين، كانوا قد اجتمعوا هناك. وهذا كان آخر ذكر للمسيحيّين المحليّين في شمالي-غربي أفريقيا. ويبدو أنّ تونس كانت آخر حِصْنٍ للمسيحيّة الّتي استمرّت ألفًا ومئتَي سنة في المنطقة. ومع ابتلاع الإسلام لهم، زالت  المسيحيّة في كلّ أنحاء المغرب.

   أوهنت الانشقاقاتُ الإتنيةُ والإجتماعيّةُ المسيحيّةَ هناك، وأضعفتها الهجرة المستمرّة لنخبة قومها والحرمان من الحياة الرّهبانيّة. ورغم أنّها لم تعد مضطهدة، غير أنّها أُخضعت، من قبل السّلطات المسلمة، إلى مواطنيّة من الدّرجة الثّانية، وعُزلت عن العالم الخارجيّ، فابتلعها الإسلام هناك، على مدى سبعة قرون. وحوالي ١٤٠٠ للميلاد، بعد ٧٠٠ سنة من الإيمان، انطفأت شعلة الأرثوذكسيّة في شمالي-غربي أفريقيا لنَقْصٍ في "الزّيت". نجد بعضًا من ترسّباتها في العادات الشّعبيّة واللّغة.  لفظة "تافاسك" الّتي تُستعمل للذّبيحة، مثلاً، لدى "الطّوارق" هي كلمة مشتقّة من اللّاتينيّة، من كلمة "فصح".

   ما هي العِبَر الّتي يمكننا أن نستمدّها اليوم من هذا التّاريخ المأسوي؟...

   أوّلاً، حاجة المسيحيّين من مختلف الجنسيّات لأن يتعاونوا بالحقّ،  دون أن يعاملوا بعضهم البعض كمواطنين من الفئة الثّانية، لا فرق أكانوا من الرّومان أو البربر، أو اليونانيّين أو الأفارقة، أو الأوكرانيّين أو الرّومانيّين، أو الرّوس أو الإنكليز... عليهم أن يتعاطوا بعضهم البعض كمسيحيّين أرثوذكس، ويبتعدوا عن المخاصمات، واضعين إيمانهم أوّلاً لا إتنيّاتهم نصب أعينهم  ليعيشوا بسلام.

   ثانيًّا، أهميّة الحياة الرّهبانيّة والتمرّس الرّوحي والثّقافي للإِكليروس، توفيرًا لإستمرارية الإيمان، إذ لا يمكن لأيّة كنيسة محليّة أن تستمرّ، رغم الهجرة، إذا لم يكن لها أساس رهبانيّ، سواء أكان ذلك في شمالي-غربي أفريقيا أم في غربي أوروبا المعاصرة أم في الولايات المتحدة أم أوستراليا، لأنّ الكنيسة الّتي من دون حياة رهبانيّة هي كنيسة محكوم عليها بالزّوال.

   ثالثًا، لنتعلّم كيف نواجه ثقافة الأطياف المسيحيّة الأخرى المغايرة لثقافتنا والمحيطة بنا، علينا بدءًا فهمها وتفسير وجهة نظرنا بتعابير بلغةٍ يمكن الآخرين فهمها، لا فرق أكانت العربية أم الإنكليزيّة، أم الفرنسية أم الألمانيّة، أم الإسبانيّة أم البرتغاليّة، لأنّ الكنيسة الّتي لا تتعاطى اللّغة المحليّة ولا تفهم الثّقافة المحليّة، هي كنيسة لا بدّ لأبنائها الصّغار أن تبتلعهم حضارة المكان الّذي يقطنون فيه... وتاليًا ديانتهم.

   أخيرًا، إنّه لأمر أساسيّ للأرثوذكس ألّا ينعزلوا عن بعضهم البعض. إذا كان للأرثوذكس إتصال بأرثوذكس آخرين، خاصة في بلادٍ آخرى، فلا بدّ لهم من أن يثبتوا في إيمانهم الأرثوذكسيّ، أمينين للتّقليد، مقاومين لعمليّة الاستيعاب المحليّة الجارية من خلال كثلكة الكنائس الشّرقيّة أو أي نوع آخر من العلمانيّة.

   ألا حَفِظَنا قدّيسو شمالي-غربي أفريقيا مع القدّيس كبريانوس، في صلواتهم!.


المرجع:

The last Christians of North-West Africa: Some Lessons for Orthodox today:

http://orthodoxengland.org.uk/maghreb.htm

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share