بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
القدّيس "أريثا" (الحارث) الّذي من مغاور كييف ورؤيته المرعبة.

   أصل القدّيس أريثا هو من "بولوتسك" في الرّوسيّة. عاش راهبًا في مغاور كهوف كييف. كان في الظّاهر قد تخلّى عن كلّ شيء محبّةً بالمسيح، ولكنّه في قلبه كان رجلًا جشعًا وبخيلاً. وإنّ الرّسول بولس قال: "الطّمع هو عبادة الأوثان" (كو ٣: ٥)، وأيضًا "محبّة المال أصلٌ لكلِّ الشّرور" (١تيم ٦: ١٠). كان يجمع في قلايته، سرًّا، مالاً وكنوزًا ثمينة، ولم يكن يقدّم أي شيء لدعم حاجيّات الدّير أو لمساعدة الفقراء. لم يكن حتّى ينفق غناه على نفسه. فقط كان يجمع ويدّخر!.

   ذات يوم، جاء لصوص إلى قلايته وسرقوا كلّ مقتنياته. نزل الأمر بأريثا نزول الصّاعقة، ولم يتقبّل ما حصل له البتّة، بل كان غاضبًا ولم تعد تخرج من فمه كلمة جيّدة ولا كان يُنصت لنصائح الرّهبان الآخرين.  لم يستطع أحد أن يُسكّن من هيجانه ولا أن يعزّيه. فقط بنعمة الله لم يقتل نفسَه. غير أنّ المرّارة والغضب اللذَين كانا في نفسه كانا يُفنيان روحه. أخيرًا أخذ يتّهم الإخوة في الدّير بالتّآمر عليه بغية الاستيلاء على كنوزه، وأصبح مثل طاغيةٍ للشّركة. كان الشّيطان قد استولى على روحه بالكليّة!.

   وما هي إلّا أيّام قليلة حتّى مرض أريثا مرضًا خطيرًا، ولكنّه لم يتوقّف عن التذمّر على الإخوة ولا عن التّجديف. وأثناء استلقائه على فراشه، وقع في غيبوبة وأصبح مثل ميت. فجأة، كما روى لاحقًا، ظهر له جوق من الملائكة  وزمرة من الشّياطين وأخذوا يتجادلون فيما بينهم عن النّتيجة المحتملة لطمعه وبخله. كانت الملائكة تنوح عليه، لا فقط كونه راهبًا يدّخر المال والمقتنيات لنفسه ولا يوزّع منها حسنات، بل لأنّه كان إنسانًا يجدّف على الله وتدبيره الّذي حرمه من كنوزه... لأنّه لو قدّم لله تمجيدًا عندما حُرم من ثروته، لكان حظي بمكافأة "أيّوب".

   عندها أخذ "أريثا" يبكي قائلاً: "يا ربّ ارحمني!. لأنّي أخطأت... سامحني. إنّ المال كان منك ولك. وأنا سعيد الآن لأنّه سُلب منّي!". للحال توارت الشّياطين وتهلّلتِ الملائكة، قائلةً له إنّ الله من الآن فصاعدًا سيكافئه كمن قدّم ماله المسروق حسنات على المحتاجين.

   كلّ ذلك حصل، لأنّ الله بمحبّته العظيمة للبشر، لا يشاء إهلاكهم، لكنّه يتوق لخلاصهم، راغبًا في إغداق رحمته على كلّ خلائقه إن سألوه ذلك.

   ومنذ تلك الحادثة، تغيّرت حياة أريثا والكلّ تعجّب عندما عاين بمثاله كلمات الرّسول تتحقّق: "حيث كثُرت الخطيئة ازدادت النّعمة جدًا" (رو ٥: ٢٠). أصبح غنيًّا، لا بالماديّات، بل بالفضائل السّماويّة. وصار متواضعًا للغاية، كلّه صلاح، مع نخس دائمٍ في قلبه المملوء من محبّة الله والإنسان، مطيعًا في أعمال طاعته الرّهبانيّة وحارًا في الصّلاة. رقد بسلام في الرّبّ في ٢٨ أيلول. رفاته لم تنحلّ إلى يومنا هذا.


المرجع:

Mystagogy, October 24, 2015: Saint Arethas of the Kiev Caves Lavra and His Terrifying Vision,

http://www.johnsanidopoulos.com/2015/10/saint-arethas-of-kiev-caves-lavra-and.html#more

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share