إنّ القداس الإلهيّ هو ذروة محبّة الله، فبينما نحن نتلقّف العطايا من الله، نقدّم له الشّكر في الوقت عينه. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ الفضائل تأتي من وسط الجهاد، وعندما تكون الفضائل غير مُجرَّبة فهي ليست بفضائل. (الأب دامسكينوس ماكرينو).حين تكون صلاتنا مبللة بالدّموع لأجل العالم بأسره حينئذ نجلب إلى داخلنا رحمة الله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).دعونا لا نكون مجربين لأنفسنا، ولا نسبّب التّجربة لأنفسنا. دعونا نقبل بصبر كلّ تجربة تأتي ونقدمها لله. (الأب دامسكينوس ماكرينو).إنّ التّوق الجيّاش للقاء الله والتعرّف عليه هو الطّاقة الباعثة للحرارة في الصّلاة. (الأب دامسكينوس ماكرينو).
كيف تبدأ الحياة المسيحيّة بسرّ المعموديّة.
للقدّيس ثيوفانّس الحبيس.

   تبدأ الحياة المسيحيّة بسرّين أساسيّين هما المعموديّة والتّوبة. لذلك فإنّ قاعدة بدء الحياة المسيحيّة الحقّ هي المعموديّة ومن ثمّ التّوبة.

   المعموديّة هي السّرّ الأوّل في المسيحيّة، فهي تجعل المسيحيّ مستحقًّا أن يتلقّف هبات النّعمة من خلال الأسرار الأخرى. فالحكمة الأزلية جعلت لنفسها منزلاً على الأرض، والباب المؤدّي إلى هذا المنزل هو سرّ المعموديّة.  ثمّ من خلال هذا الباب لا يدخل النّاس فقط إلى بيت الله، بل، عند ذلك الباب، يُلبَسونَ ثوبًا يليق ببيت الله، إذ يُعطَون اسمًا جديدًا ويوسم كيانهم كلّه بعلامة تميّزهم وتتعرّف عليهم، من خلالِها، في ما بعد، كلّ الكائنات الأرضيّة والسّماويّة.

   كائن جديد للمسيح من خلال المعموديّة.

   إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة (٢كور ٥: ١٧)، هذا ما يقوله الرّسول. ويصير هذا الكائن مسيحيًّا وخليقة جديدة بالمعموديّة. لا يخرج المرء من الماء كما نزل فيها. وما يمثّله النّور بالنّسبة للظّلام، أو ماهيّة الحياة بالنّسبة للموت، يمثّله الرّجل المعمّد بالنّسبة للرّجل غير المعمّد. في المزامير قال النّبيّ داود: "بالآثام حُبل بي وبالخطايا ولدتني أمّي"، لأنّ الإنسان، قبل المعموديّة، يحمل، في نفسه، كلّ سمّ الخطيئة، مع كلّ ثقل نتائجها. يكون في حالة عدم رضى الله، ومن ثمّ ابنًا لسخْط الرّب، إنسانًا متحطّمًا، متشرذم القوى، الّتي يوظفها، بمجملها، لتكاثر الخطيئة. يكون تحت سطوة الشّيطان، الّذي يعمل فيه بقوّة منطق الخطيئة السّاكنة فيه. نتيجة لذلك، فهو بعد الموت، بكلّ تأكيد، سيكون ابنًا لجهنّم، حيث سيلقى العذاب مع أمير قوّات الظلمة ومعاونيه وخدّامه.

   تُعْتِقنا المعموديّة من كلّ هذه الشّرور. فإنّها تزيل اللّعنة بقوة صليب المسيح وتُفيض البركة. إنّ المعمّدين هم أولاد الله، وهذا الحقّ معطى لهم من الرّبّ: "فإن كنّا أولادًا فإنّنا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح" (رو ٨: ١٧). إنّ ملكوت السّموات هو مُلكٌ للإنسان المعمّدلأجل النّعمة الّتي حظي بها بالمعموديّة. يُنتزع هذا الإنسان من سطوة الشّيطان، الّذي يخسر سلطته عليه والقدرة على أن يحرّكه على سجّيته. بدخول الشّخص الكنيسة – الملجأ الأمين – يُحرم الشّيطان من التّغلل فيه، فيجد الإنسان نفسه كما في حصنٍ حريز.

   كلّ هذه الأمور الّتي ذكرناها هي امتيازات روحيّة خارجيّة. لكن ماذا يحصل في الدّاخل؟. الشّفاء من آلام الخطيئة وجراحاتها. تدخل النّعمة، بكلّ جبروته، إلى داخل الإنسان وتُعيد إليه السّمة الإلهيّة بكلّ بهائها. وهي تعالج كلّ الاختلال الحاصل في تركيب وعلاقة القوى الّتي فيه وأجزائها، كما تحوّل توجّه الإنسان من نفسه إلى الله – إلى إرضائه والتّكثير من أعماله الصّالحة.

   لذلك، فالمعمودية هي إعادة الولادة أو الولادة الجديدة، وهي تضع الإنسان في حالة متجدّدة. إنّ الرّسول بولس يشبّه المعمّدين بالمخلّص القائم من الموت، فنستخلص من ذلك أنّ للمعمّد الطّبيعة النّيّرة عينها الّتي لطبيعة الرّبّ يسوع الإنسانيّة الّتي حظي بها بقيامته المجيدة (رو ٦: ٤). ونستخلص أيضًا أنّ حركة الإنسان الـمُعمَّد تتغيّر كما قال الرّسول عينه في مكان آخر: "كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للّذي مات لأجلهم وقام" (٢كور ٥: ١٥). "لأنّ الموت الّذي ماته قد ماته للخطيئة مرة واحدة، والحياة الّتي يحياها فيحياها لله" (رو ٦: ١٠)؛ وأيضًا "إنّ إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة، كي لا نعود نُسْتَعْبَد أيضًا للخطيئة" (رو ٦: ٦). لذلك كلّ حركة الإنسان تتحوّل، بقوّة المعمودية، من التّمحور في النّفس والخطيئة، إلى الله وصلاحه.

   يلفتنا الرّسول بقوله: "كي لا نعود نُسْتَعْبَدُ أيضا للخطيئة"،وقوله الآخر: "فإنّ الخطيئة لن تسودكم" (رو ٦: ١٤). هذا يخوّلنا أن نفهم أنّ القوة الّتي تدفعنا، في طبيعتنا السّاقطة المختلّة، إلى الخطيئة لم تُستأصل بكليّتها بالمعموديّة، ولكنّها في وضعٍ لا قوّة فيها للخطيئة علينا ولا تستطيع أن تتسلّط علينا ونحن لم نعد خدّامًا لها. ولكنّها ما زالت، في داخلنا، حيّة، تتحرّك، لكنّها لا تتسيّد علينا، لأنّ السّيادة، من الآن فصاعدًا، هي لنعمة الله وللنّفس الّتي تقدّم نفسها بوعيٍ كاملٍ لهذه السّيادة.

   إنّ القدّيس "ديادوخوس فوتيكي" يفسّر قوّة المعموديّة قائلاً: إنّه قبل المعموديّة تسكن الخطيئة في القلب والنّعمة تعمل من الخارج، ولكن بعد المعموديّة فإنّ النّعمة تستقرّ في القلب والخطيئة تجتذبنا من الخارج. تُطرد الخطيئة من القلب كعدوّ من حصن وتستقرّ في الخارج، في وعاء الجسد حيث تعمل على محاربتنا بشكل متقطّع. لذلك هناك دائمًا مجرّب يجتذبنا ولكنّه ليس، بعد اليوم، سيّدنا: هو يقلقنا ويزعجنا، ولكنّه لا يقودنا. وهكذا تولد حياة الإنسان الجديدة بالمعموديّة، ومن ثمّ بالتوبة!.

   لقد صببنا الاهتمام هنا على كيفية بدء الحياة المسيحيّة من خلال المعمودية، على أولئك الّذين اعتمدوا منذ طفوليّتهم. لأنّه هكذا تبدأ الحياة المسيحيّة بترتيب خاصّ ينتج من علاقة النّعمة بحريّة الإنسان.

   نحن نعلم أنّ النّعمة تتنزّل على من يناجونها برغبتهم الحرّة وبشوقهم الدّاخليّ، وأنّه فقط بالتّعاون المتبادل بين الإثنَين أي بين النّعمة والتّوبة تنشأ حياة جديدة هي هبة النّعمة الجديدة، لتتماشى مع النّعمة الإلهيّة وطبيعة الإنسان الحرّ. فإنّ الله يهبُ نعمته بوفرة، لكنّه يطلب من الإنسان ابتغاءها وتلقّيها برغبةٍ، مكرّسًا نفسه بكليّته لله، متمِّمًا بذلك نذور معموديّته بتوبةٍ مستمرّة. 


المرجع:

Fr. Seraphim Rose (1998), The Path to Salvation St. Theophan the Recluse, St Herman of Alaska Brotherhood, St. Paissius Abbey, California, U.S.A.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share