بارتقاء درجات سلّم الهيكل، أظهرت العذراء بطريقتها الخاصّة، أنّها إنّما هي من تقدّم ذاتها، لخدمة الله.(القدّيس غريغوريوس بالاماس).في ذلك الحين امتلأ رئيس الكهنة بهجة روحيّة، وعرف أنّ هذه الصّبيّة ستكون مسكنًا للنّعمة الإلهيّة، وأنّها أهل لأن تقف في حضرة الله أكثر منه.(القدّيس ثيوفيلكتس الأوخريدي).إذا صلّيت لنفسك فقط، ستكون وحيدًا في الطّلب لأجل ذاتك، أمّا إذا طلبت لأجل الآخرين، فالجميع سوف يطلبون لأجلك. بالحقيقة، في الجماعة، يوجد الإنسان. (القدّيس أمبروسيوس). إنّ التقليد الشّريف هو الطّريق الحيّ المنفتح أبدًا منذ مجيء المسيح ورسله إلى يومنا هذا، وعليه يرتكز تفسير الكتاب المقدّس.(القدّيس نيقولاوس مبشّر اليابان). منذ البدء اتّحدت مريم بالرّوح، مصدر الحياة. ثمّ كان الرّوح حافظ هذا الكنز اللّائق بالله ومرشده المختار قبل الدّهور والمكرّس لخدمة سرّ تجسّد الإله الرّهيب، وقد أعدّه ليصير عروسًا مليئة نعمة للإله الآب، قبل أن تصبح أمّ ولده الحبيب.(القدّيس ثيوفانيس الثّالث).
الأمّ "ماكاريا ديسبيريس"
ورفات القدّيس أفرام الجديد.
"الأم ماكاريا مع أيقونة للقدّيس أفرام.

   وُلدت الأم ماكاريا في ١٢ آذار ١٩١١ في قرية "فالاتاثو" في "تينوس" اليونانيّة  في كنف عائلة تقيّة وكان اسمها "مارغريت". تأثرت بجدها "الأب أنطونيوس" كثيرًا. أختها راهبة واسمها "بيلاجيا" وأخوها كاهن واسمه "الأب أندريا ديسبيريس".

   بدأت "مارغريت" مسيرتها الرّهبانيّة في ١١ كانون الأوّل ١٩٣٠. أخذت إسكيمها الرّهبانيّ في ٦ حزيران ١٩٣٥ في دير "القديس إيروثيوس" في "أتيكي". أثناء الاحتلال الألمانيّ لليونان، اهتمّت "ماكاريا" بالسّجن النّسائيّ بـ"أثينا"، تعزّي السّجينات وتهتمّ بأولادهنّ.

   خلال صيف ١٩٣٥، في زيارة لها إلى "نيا ماكري" في "أتيكي" صعدت إلى الهضبة هناك لتضيء قنديلاً من الزّيت بين ركام الدّير الرّجليّ العريق الّذي كان مبنيًّا على قمّة "آمومون". هناك أحسّت في قلبها بصوتٍ يقول لها: "هذا مكان مقدّس". فبقيت هناك إلى حين رقادها.

   استقرّت "ماكاريا" بين ركام الدّير في قلايّة صغيرة وسط ظروف صعبة وفي حرمان شديد. كانت تخيط خلال اللّيل جوارب من الصّوف كي تؤمّن معيشتها. أما خلال النّهار، فكانت تزيل ركام كنيسة البشارة الصّغيرة لأنّها شاءت أن تجد حجارة الأساس لتعيد بناء الكنيسة والقلالي الرّهبانيّة. في الشّتاء كانت تمرض كثيرًا لأنّه لم يكن لديها ما يقيها من البرد القارس. لكنّ الله كان يعدّها لشرف كبير وهو اكتشاف رفات العظيم في الشّهداء أفرام العجائبيّ الّتي بقيت خمسمئة سنة مخفية تحت الأنقاض.

الأم ماكاريا أثناء خدمتها لسجن النّساء في أثينا.
   تروي الأم ماكاريا حادثة اكتشاف الرّفات كالتّالي:

   إنّ العناية الإلهيّة قادتني إلى بقايا هذا الدّير القديم. هنا كنت دائمًا أُفكّر ببقايا الشّهداء القدّيسين الّذين رووا بدمائهم جذور الأرثوذكسيّة. كنت متيقّنةً في نفسي أنّي أقف في مكان مقدّس وكنت أقول: "أتوسّل إليك يا إلهي أن تؤهّلني أنا عبدتك غير المستحقة لأن أرى أحد الآباء الّذين عاشوا هنا".

   ولفترةٍ طويلة، كنتُ أسمع في داخلي صوتًا يقول لي: "احفري هنا وستجدين ما تبحثين عنه". وبطريقة عجائبيّة، دلّني هذا الصّوت إلى  ناحية في باحة الدّير. وبمرور الوقت، قوِيَ هذا الصّوت وألحّ علي قائلاً: "احفري وستجدين ما تتمنينه"!. أحضرتُ العامل الّذي كان يُصلح لي بعض الأمور في الدّير وأريته البقعة. لم يكن متحمسًا ليحفر هناك. وشاء أن يحفر في مكانٍ أبعد. وإذ أصرّ، تركتُه يحفر حيث يشاء ووقفتُ أنا أُصلّي سائلةً الله ألّا يجد هناك سوى صخر فيضطرّ إلى الحفر في المكان الّذي أشرت به عليه. حفر في ثلاثة أماكن ولم يجد سوى صخرًا فعاد إلى البقعة الأولى. كانت معالم هذه البقعة تُشير إلى أنّها قلاية راهب. عملتُ معه على إزالت الحجارة من المكان وبدأ هو بالحفر، مستاءً بعض الشّيء. وإذ خشيت أن يُلحق الضّرر بالمكان قُلتُ له: "لا حاجة لأن تستعجل، لا تُتعب نفسك، تمهّل!"، لكنّه رفض أن يُصغي إلي!. وأكمل عمله بالوتيرة عينها، فقلتُ له: "ربّما كان أحدهم مدفونًا هنا فتُلحق الضّرر برفاته! أرجوك تأنّ قليلاً". إذ ذاك فهم قصدي وقال لي: "هل تعتقدين أنّ ذلك صحيح؟". الحقيقة أنّي كنت متأكّدة كمن يُبصر الأمر بأمّ عينه. تابع العامل الحفر، ولكن بوقار، هذه المرّة وعندما وصل إلى عمق ١٧٠ سنتمترًا أبان لنا النّور جمجمة رجل الله. في اللّحظة عينها فاض طيب ذكي الرّائحة في كلّ الأرجاء. فشَحُب لون العامل وانربطَ لسانه. فقلتُ له: "هل يمكنك أن تتركني قليلاً لوحدي؟". فأومأ لي برأسه وذهب!.

الأم ماكاريا بالقرب من رفات القدّيس أفرام الجديد.
   سجدتُ بكلّ وقار في المكان وقبّلت جسد القدّيس وأحسستُ بحجم عذابه. ارتكضت نفسي فيَّ وعرفت أنّي وجدت كنزًا عظيمًا. وإذ بدأتُ أزيل التّراب عن الجسد تبيّن لي أنّه لم يُصبه تفكّك رغم تواجده تحت الأرض لمدة طويلة. بدا لي كاهنًا من وضعية يديه المصلّبتَين ولاحظت بقايا جبّة. كانت نظيفة محاكة بخيط سميك كما كانوا يخيطونها في القديم. أكملتُ استخراج الرّفات، ولم تكن لدي أية فكرة على ما يجب فعله. فجأة أخذت الأمطار تهطل كما لو أن الله شاء أن ينضح رفات قدّيسه. فتعذّر علي استكمال سعيي، وغادرت الموضع.

أيقونة القدّيس أفرام الجديد.
   في المساء كنتُ أقرأ صلاة الغروب وكنت وحدي في هذا المكان المقدّس الذي قادني الرّبّ إليه. فجأة سمعتُ خطى تخرج من القبر وتتقدّم إلى الباحة إلى أن وصلت إلى باب الكنيسة. كانت هذه الخُطى قوية ثابتة، فشعرتُني بالخوف وبالدّم يتجمّد في رأسي ويشلّني فلم أستدر صوب مصدر الصّوت. وإذا بي أسمع صوته يقول لي: "إلى متى تنوين تركي هناك على هذه الحالة؟". فاستدرت وتطلّعت إليه. كان طويل القامة. عيناه صغيرتان مدوّرتان وعلى طرفيهما تجاعيد خفيفة. كانت لحيته تغطّي عنقه وتتوزّع بلياقة إلى الأمام وإلى الجانبين، سوداء داكنة، متجعِّدة. كان بكامل هيئته الرهبانية. في يسراه حمل نوراً مشعّاً جداً وبيمناه كان يبارك". للحال ملأ الفرح قلبي وزال خوفي وقلتُ له في قلبي: "سامحني، غدًا صباحًا سأهتمّ برفاتك". فاختفى لتوّه وأكملت قراءة صلاتي بهدوء.

   في اليوم التالي، بعد صلاة السّحر، أخذتُ العظام ونظّفتها وغسلتها – الغسل يكون عادة بالزيت والخل – وأودعتها كوّة عتيقة، في الهيكل، وأشعلت بقربه قنديل زيت. وعند المساء رأيته في الحلم. كان واقفاً في الكنيسة، إلى اليسار، يحمل على صدره إيقونة له تتلألأ، من الفضّة القديمة، وكانت الإيقونة مشغولة باليد. بجانبه كان شمعدان كبير عليه شمعة من شمع العسل الصافي قمتُ بإضاءته. إذ ذاك سمِعَتْه يقول: "أشكركِ شكراً جزيلاً. اسمي أفرام". ومذ ذاك، ظهر القدّيس للعديدين وعرّف عن نفسه وخبّر عن استشهاده. اكتشاف رفاته تمّ في مطلع العام ١٩٥٠. من ذلك الحين وظهورات القدّيس وعجائبه تتتالى. للقدّيس عيدان في السنة، ٣ كانون الثاني، الذي هو ذكرى اكتشاف رفاته المقدّسة، و٥ أيار ذكرى استشهاده.

الأم ماكاريا مسجّاة في التّابوت يوم دفنها.
   عملت الأم مكاريا جاهدة لإعادة بناء الدّير والكنيسة. التحق بها بعض الرّاهبات وأصبح الدّير محجّةً عظيمةً لكلّ العالم الأرثوذكسيّ بنعمة القدّيس أفرام العجائبيّ الّذي كان يستجيب لصلوات كلّ من يستجيرون به. ثابرت هذه الأمّ الموقّرة في الجهاد والصّلاة إلى حين رقادها في ٢٣ نيسان ١٩٩٩، ذكرى القدّيس العظيم في الشّهداء جاورجيوس، بعد أن ساهمت القدسات. وما إن أسلمت الرّوح حتّى امتلأت غرفتها رائحة زكيّة أذهلت كلّ الحاضرين من كهنة وراهبات وأطبّاء وممرضات.

فليكن ذكرها مؤبّدًا.


دير بشارة والدة الإله في "نيا ماكري" في "أتيكي" اليونانيّة.

المرجع:

Visions and Miracles of the Great Martyr and Miracle-Worker Ephraim Neophanoys, Volume A-B, published by the Sacred Convent of the Annunciation of the Holy Virgin, Nea Makri, Attiki, Greece.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share