صديق الصّمت يتقرّب من الله، وإذ يناجيه سرًّا يستنير بنوره. .(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ إدانة الاخرين اختلاسٌ وقح لمقام الله، والحكم عليهم هلاك للنّفس.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). إنّ عقل الصوّام يصلّي بأفكارٍ طاهرة، أمّا عقل الشّره فيمتلىء صورًا نجسة.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).من حاول أن يُخمد حرب الجسد بالإمساك فقط فهو يشبه من يسبح بيدٍ واحدة ويروم الخلاص من لجّة البحر. أقرن بالإمساك تواضعًا فإنّ الإمساك بلا تواضعٍ باطلٌ.(القدّيس يوحنّا السّلميّ). لا تطمئنَّ إلى تحصُّنك بأصوامك فإنّ من لا يأكل البتّة قد أُهبط من السّماء.(القدّيس يوحنّا السّلميّ).
المحبّة بألم

   - ياروندا!. كثيرة هي الصّعوبات الّتي تواجهها في القلايّة. فهناك متعاطو مخدّرات وأشرار ومرضى وغيرهم...

   - لكن مع هؤلاء نكتشف إن كنّا نقتني المحبّة الحقيقيّة. في أوجُهِ هؤلاء نعاين المسيح، وما نفعلُه معهم كأنّنا نفعلُه مع المسيح نفسه ومن أجله (مت ٢٥: ٤٠).

   جاء ولدٌ فيه مسٌّ إلى القلايّة بصحبة أبيه وفي الوقتِ عينه جاء أحد معارفي. أخذْتُ والدَ الصّبيِّ على حدةٍ لأتكلّم معه، فانبرى الشّخص الّذي أعرفه وأخرج منديله ومسح منخرَي الصّبيّ ثم خلع صليبه الذّهبيّ ووضعه على صدر الصّبيّ. لقد تصرّف مع الصّبيّ بمحبّة وعطف وتألّم من أجله، وكأنّه أخوه وأحبّه كما أحبّ أخاه. لم يأبه لمخاط الصّبيّ، ولم تتقزّز نفسه، ولم يمضِ سريعًا للاغتسال، مدركًا أنّه علينا أن نتألّم من أجل قريبنا الّذي يعاني. نشاهد مثلاً إنسانًا مُقعدًا فنتألّم ونفكّر: لو كنّا مثله عاجزين عن المشي فكيف يكون شعورنا؟ ويطلب أحدهم منّا مساعدة فنفكّر: لو أنّ هذه المشاكل نتخبّط فيها، أما كنّا نبادر إلى طلب المساعدة؟.

   - ياروندا!. يقول القدّيس مرقس النّاسك: الكسل هوى يُعيق قوّة فعل الخير ويُعالَج بالصّلاة والإحسان. لماذا ذكر الإحسان؟.

   - لأنّ الإحسانَ والصّلاح يُليّنان القلب كما يفعل الزّيت بالقفل الّذي يعلوه الصّدأ. النّفوس الجريحة تُليِّنُ القلوب القاسية فتغدو حسّاسة متواضعة. لم يخلقِ الله الإنسانَ قاسيًا وعديم الرّحمة، ولكنّ النّاس لا يتألّمون مع إخوتهم ولا ينمّون الرّحمة في قلوبهم فيصبحون قساةً شيئًا فشيئًا.

   - ياروندا!. ما الّذي يساعدنا على تليين القلب؟.

   - لكي يلين قلبُنا، علينا وضع أنفسنا، ليس فقط مكان الآخرين بل مكان الحيوانات أيضًا. فلو كنتُ حيوانًا، هل أريد أن يحطّم أحد رأسي أو يضربني بالعصا أو يحبسني؟ إن لم "نفكّر" هكذا فلن نصبح "أناسًا". عندما يتألّم أحدنا من أجل الآخر تتضاعف محبّته. من يحبّ بألم يضمّ أخاه – الّذي سكن فيه الشّيطان – إلى صدره فيغادر الشّيطان فورًا. لأنّ هذه المحبّة المقترنة بألمٍ تخنق الشّياطين وتحرّر النّفوس وتمنح التّعزية بفضل بلسم محبّة المسيح المنسكبة.

   الإنسانُ الرّوحانيّ يذوب ألمًا من أجل الآخرين، يصلّي، يعزّي، وهو في الوقت نفسه ينتشي فرحًا لأنّ المسيح يرفع عنه ثقل الألم ويمنحه العزاء الرّوحيّ.


المرجع:

   الأهواء والفضائل (2014)، للنّاسك المغبوط باييسيوس الآثوسيّ، سلسلة ياروندا (٥)، ترجمة دير الشّفيعة الحارّة، الحرش، بدبّا، الكورة، لبنان.

قـد يـهـمّـك قـراءة:
Share